الرقاق والأخلاق والآداب
داود بن أحمد العلواني
جدة
الأمير منصور
1-عناية الشريعة بتنمية الأخلاق الحسنة. 2- ارتباط الأخلاق بالإيمان. 3- التهاون في المعاملة مع الناس سبب الهلاك والإفلاس.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
عباد الله، اتقوا الله، واعلموا أن الغاية من العبادات كلها هي توحيد الله جل وعلا وإفراده بالعبادة وحده لا شريك له، توحيد الله الذي دعت إليه جميع الأنبياء والرسل، وكذلك تهذيب سلوك الإنسان وخلقه تهذيبًا كريمًا يصون الحياة البشرية ويعلي من شأنها، فالصلاة عندما أمر الله بها أبان لنا الحكمة من إقامتها فقال: وَأَقِمِ ?لصَّلَو?ةَ إِنَّ ?لصَّلَو?ةَ تَنْهَى? عَنِ ?لْفَحْشَاء وَ?لْمُنْكَرِ [العنكبوت:45] ، فحقيقة الصلاة ـ يا عباد الله ـ الإبعاد عن الرذائل، والتطهر من سوء القول وسوء العمل.
وكذلك الزكاة من أهدافها السامية غرس مشاعر الحنان والرأفة، وتوطيد الإلفة والمحبة بين أفراد المجتمع، والوصول به إلى الطهارة في النفس والمال والمجتمع، كما قال تعالى: خُذْ مِنْ أَمْو?لِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا [التوبة:103] .
وكذلك الصوم من أهدافه النبيلة تهذيب النفس وتخليصها من شهوتها ونزواتها وترك جميع الطبائع السيئة، ولهذا المعنى أشار النبي: (( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ) ) [1] ، وقال أيضًا: (( الصيام جنة ـ أي: وقاية ـ ، فإذا كان أحدكم صائمًا فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم ) ) [2] .
أما الحج فهو رحلة طيبة مليئة بالمعاني الخلُقية، فهناك لا يجوز في الحج رفث ولا فسوق ولا جدال، وإنما تزوّد بالأعمال الصالحة والخلق القويم والتقوى، كما قال سبحانه وتعالى: ?لْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَـ?تٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ?لْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي ?لْحَجّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ?للَّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ?لزَّادِ ?لتَّقْوَى? وَ?تَّقُونِ يأُوْلِي ?لألْبَـ?بِ [البقرة:197] .
وهكذا كل العبادات، وأعمال الإنسان كلها عبادة ـ يا عباد الله ـ إذا قصد بها الإنسان وجه الله تبارك وتعالى وكانت موافقة لسنة النبي ، ولذلك بين لنا رسول الله كثيرًا من الأعمال التي تنمُّ عن سلوك وخلق طيب ورغّب فيها واعتبرها صدقة من الصدقات حيث قال: (( تبسمك في وجه أخيك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وإماطتك الأذى والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة، وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة ) ) [3] ، أعمال جليلة نسأل الله تعالى أن يوفقنا لها.
وهكذا ـ عباد الله ـ تلاحظون معي ارتباط الأخلاق الحميدة والمزايا الرفيعة بالعبادات الصحيحة ارتباطًا وثيقًا، بل هو أساس الصلاح في الدنيا والنجاة في الآخرة، فإن الإيمان القوي ينشئ عند صاحبه خلقًا قويًا، كما أن ضعف الأخلاق وانهيارها دليل قاطع على ضعف الإيمان، ولهذا أشار رسول الله بقوله: (( إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلسًا يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون ) ) [4] . وكان يقول: (( ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، وإن الله يبغض الفاحش البذيء ) ) [5] . اللهم ارزقنا ووفقنا إلى حسن الخلق، اللهم جنبنا الفحش والكلام البذيء.
فاتقوا الله عباد الله، واستقيموا على نهج الهدى، فمدار السعادة في الدارين دين قويم وخلق متين، ولهذا كانت الغاية من بعثته إتمام مكارم الأخلاق كما روى مالك بن أنس رحمه الله أنه بلغه أن رسول الله قال: (( بعثت لأتمم حسن الأخلاق ) ) [6] . فعلى المسلم الذي ينشد الفضيلة أن يترفع عن ترهات الكلام وسفاسف الأمور، ويتحلى بحسن الخلق، ويجالس الأخيار، فالمرء يعرف من جليسه.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، تِلْكَ ?لدَّارُ ?لآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِى ?لأرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَ?لْعَـ?قِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص:83] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
[1] رواه البخاري في الصوم، باب: من لم يدع قول الزور والعمل به في الصوم (2/228) .
[2] رواه البخاري في الصوم، باب: هل يقول إني صائم إذا شتم؟ (2/228) ، ومسلم في الصيام، باب: حفظ اللسان للصائم (1151) .
[3] رواه الترمذي في البر والصلة، باب: ما جاء في صنائع المعروف (1957) .
[4] رواه الترمذي في البر والصلة، باب: ما جاء في معاني الأخلاق (2019) .
[5] رواه أبو داود في الأدب، باب: حسن الخلق (4799) ، والترمذي في البر والصلة، باب: ما جاء في حسن الخلق (2003) .
[6] الموطأ (2/904) .
الحمد لله الهادي إلى محاسن الأخلاق، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، خير من دعا إلى الاستقامة والهدى بأقواله وأفعاله، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله، لقد صح في الحديث أن رسول الله سأل أصحابه يومًا فقال: (( أتدرون من المفلس؟ ) )قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، قال: (( إن المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم يطرح في النار ) ) [1] .
ذلكم ـ يا عباد الله ـ المفلس الحقيقي، من يأتي ربه يوم القيامة وقد صلى وصام وزكى وأدى ما عليه من العبادات المطلوبة، وقد ظهر أمام الناس بحرصه على أدائها، ولكنه لم يرع حقوقها، وارتكب أعمالًا يأباها الخلُق الكريم والإيمان الحق، وفاتته الغاية الأساسية من أداء تلك العبادات ألا وهي تزكية نفسه ونقاوتها وتهذيب صلته ومسلكه بالله ثم الناس، وإلا فما قيمة عبادة بلا خلق؟! وما قيمة الانتساب إلى الإسلام مع الإفساد في الأرض؟! ولهذا لما قيل لرسول الله: إن فلانة تذكر من كثرة صلاتها وصيامها صدقتها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، فقال: (( هي في النار ) ) [2] .
ومن أجل تقرير هذه المبادئ الواضحة من صلة الإيمان بالخلق القويم ومتانة الأواصر التي تربط الأخلاق بالدين يقول النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه: (( ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وحج واعتمر وقال إني مسلم: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان ) ) [3] .
أعاذني الله وإياكم من سوء الأخلاق، وجعلنا من عباده المؤمنين الذين يحافظون على مكارم الأخلاق.
اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت, وجنبنا سيئ الأخلاق لا يجنب سيئها إلا أنت، اللهم كما زينت خَلقَنا فزين خُلُقنا، اللهم ارزقنا الصدق والإخلاص والصواب في القول والاعتقاد والعمل، اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه وسلم...
[1] رواه مسلم في البر، باب: تحريم الظلم (2581) .
[2] رواه أحمد (2/440) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال أحمد شاكر:"سنده صحيح".
[3] رواه مسلم في الإيمان، باب: بيان خصال المنافق (59) .