فهرس الكتاب

الصفحة 2148 من 5777

ضرورة الدعاء للمسلمين

الرقاق والأخلاق والآداب

الدعاء والذكر

ماجد بن عبد الرحمن الفريان

الرياض

سليمان بن مقيرن

1 ـ استدراك الأجر بما بقي في رمضان. 2 ـ الدعاء وأهميته للمسلم. 3 ـ التحذير من استبطاء الإجابة. 4 ـ الدعاء لقضايا المسلمين.

أما بعد ، عباد الله، اتقوا الله حق التقوى.

معاشر المسلمين ، هذه أيامُ شهركم تتقلص، ولياليه الشريفةُ تنقضي، شاهدةٌ بما عملتم، وحافظةٌ لما أودعتم، هي لأعمالكم خزائن محفوظة، ينادي ربكم يوم القيامة: (( يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها ، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ) )رواه مسلم

هذا هو شهركم، وهذه نهاياته، كم من مستقبلٍ له لم يستكملهُ ؟ وكم من مؤمل بعود إليه لم يدركهُ ؟ هلا تأملتم الأجل ومسيرَهُ، وهلا تبينتم خداع الأمل وغرورَهُ.

أيها الإخوة، إن كان في النفوس زاجر ، وإن كان في القلوب واعظ ، فقد بقيت من أيامه بقية ، بقيةٌ وأيُّ بقيةٍ ، إنها عشره الأخيرة، التي مضى شيء منها، بقيةٌ كان يحتفي بها نبيكم محمد أيما احتفاء، في العشرين قبلها كان يخلطها بصلاة ونوم، فإذا دخلت العشر الأخيرة، شمر وجدَّ ، وشدَّ المئزرَ ، هجر فراشه، وأيقظ أهله، يطرق الباب على فاطمة وعلي رضي الله عنهما قائلًا: ألا تقومان فتصليان ؟ يطرق الباب وهو يتلو: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِ?لصَّلو?ةِ وَ?صْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَ?لْعَـ?قِبَةُ لِلتَّقْوَى? [طه: 132] ، ويتجه إلى حجرات نسائه آمرًا: (( أيقظوا صواحب الحجر فرب كاسية في الدنيا عاريةٍ يوم القيامة ) )رواه البخاري.

أيها المسلمون ، اعرفوا شرف زمانكم، واقدروا أفضل أوقاتكم ، وقدموا لأنفسكم، لا تُضيِّعوا فرصةً في غير قربة.

إحسانُ الظن ليس بالتمني ، ولكنَّ إحسانَ الظن بحسنِ العمل ، والرجاءُ في رحمةٍ مع العصيان ، ضربٌ من الحمق والخذلان ، والخوفُ ليس بالبكاءِ ومسحِ الدموع ولكنَّ الخوفَ بترك ما يُخَافُ منه العقوبةَ.

أيها المؤمنون ، قدِّموا لأنفسكم وجِدُّوا وتضرعوا ، تقول عائشة - أمُ المؤمنين - رضي الله عنها: يا رسول الله: أرأيتَ إن علمتُ ليلة القدر ، ماذا أقول فيها؟ قال قولي: (( اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني ) )رواه الترمذي وصححه الألباني.

نعم أيها الأخوة ، الدعاءَ الدعاءَ، عُجُّوا في عشركم هذه بالدعاء؛ فقد قال ربكم عز شأنه: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ?لدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة: 186] أتعلمون من هم هؤلاء العباد؟ إن الخلائق كُلَّهم عبادُ الله ، ولكنَّ هؤلاء عبادٌ مخصوصون، إنهم عُبّاد الدعاء، عُبادُ الإجابة ، إنهم السائلون المتضرعون مع عظم رجاءٍ وفي رغبة وإلحاح: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ.

إنَّ للدعاءِ ـ أيها الإخوةُ ـ شأنًا عجيبًا ، وأثرًا عظيمًا في حسن العاقبة، وصلاحِ الحال والمآل، والتوفيقِ في الأعمال، والبركةِ في الأرزاق.

أرأيتم هذا الموفق الذي يلجأ إلى الله في كل حالاته، ويفزعُ إليه في جميع حاجاته ، يدعو ويُدعىله ، نال حظه من الدعاء بنفسه وبغيره ، والداه الشفوقانِ ، وأبناؤه البررةُ ، والناس من حوله كلهم يحيطونه بدعواتهم، أحبه مولاه فوضع له القبول ، فحسن منه الخُلُق وزان منه العمل ، فامتدت له الأيدي، وارتفعت له الألسن، تدعو له وتحوطه، ملحوظٌ من الله بالعناية والتسديد، وإصلاح الشأن مع التوفيق.

أين هذا من محرومٍ مخذولٍ لم يذق حلاوة المناجاة، يستنكف عن عبادة ربه، ويستكبر عن دعاء مولاه ، محرومٌ سدَّ على نفسه باب الرحمة، واكتسى بحجب الغفلة.

أيها الإخوة ، إن نزعَ حلاوةِ المناجاةِ من القلب أشدُّ ألوان العقوبات والحرمان ، ألم يستعذ النبي من قلب لا يخشع وعين لا تدمع ودعاء لا يسمع ؟.

إن أهل الدعاء الموفقين حين يعُجون إلى ربهم بالدعاء ، يعلمون أن جميع الأبواب قد توصد في ووجوههم إلا بابًا واحدًا هو بابُ السماء ، باب مفتوح لا يغلق أبدًا ، فتحه من لا يرد داعيًا ولا يُخيِّب راجيًا ، فهو غياثُ المستغيثين ، وناصر المستنصرين ، ومجيب الداعين.

أيها المجتهدون ، يجتمع في هذه الأيام أوقات فاضلة وأحوال شريفة ، ( العشرُ الأخيرة ، جوفُ الليل من رمضان ، والأسحارُ من رمضان ، دبُرُ الأذان والمكتوبات ، أحوالُ السجود ، وتلاوةُ القرآن ، مجامعُ المسلمين في مجالس الخير والذكر ، كلها تجتمع في أيامكم هذه. فأين المتنافسون في هذه العبادة العظيمة ؟ ؟ ؟.

ألظّوا بالدعاء ـ رحمكم الله ـ لا تسأموا ولا تعجزوا ، ولا تستبطئوا الإجابة ، فيعقوب - عليه السلام- فقد ولده الأولَ ثم فقد الثاني في مددٍ متطاولة، مازاده ذلك بربه إلا تعلقًا: عَسَى ?للَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ ?لْعَلِيمُ ?لْحَكِيمُ [يوسف: 83] ونبي الله زكريا - عليه السلام - ، كبرت سنة ، واشتعل بالشيب رأسه ، ولم يزل عظيم الرجاء في ربه حتى قال محققًا: وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبّ شَقِيًّا [مريم: 4] .

لا تستبطىء الإجابة ـ يا عبد الله ـ فربك يحب تضرعَك ، ويحب صبرَك ، ويحب رضاك بأقداره ، رضًا بلا قنوط ، وقد قال: (( يستجاب لأحدكم مالم يعجل ، يقول دعوت فلم يستجب لي ) )متفق عليه.

أيها الأخوة المؤمنون ، ويجمُلُ الدعاء وتتوافر أسباب الخير ويعظم الرجاء حين يظهر الداعي بمظهر الغيور على أمته الحزين على مصابها العارف بحقها عليه، فيرفع أكف الضراعة داعيًا بالنصر والتمكين والعز والتأييد.

يا أيها المسلمون، إن لنا إخوانًا ذاقوا من البؤس ألوانًا، وتجرعوا من العلقم كيزانًا...

إن لنا إخوانًا يتعرضون لإبادة جماعية في ليالي هذا الشهر الكريم، والقذائف تنزل عليهم مثل المطر حتى إن الأموات في المقابر طالتهم تلك القذائف، وأما الأحياء فحدث عن حالهم ولا حرج، فقد استهدف الصليبيون بالأمس والذي قبله مجمعات سكنية للمسلمين، وسقط عدد كثير جدًا منهم ضحايا للحقد الصليبي، وقد قررت بعض قبائل المسلمين دفن ضحاياها في قبور جماعية لكثرتهم وعجزها عن تخصيص قبر لكل جثة، وأصبحت ليالي شهر رمضان كأنها نهار من قوة انفجار القذائف على رؤوس المسلمين، بعد أن أُخرست كل وسائل الإعلام وحجر عليها أن تنقل آثار الدمار والإجرام الذي يمارسه الصليبيون الحاقدون ضد إخواننا المسلمين.

ثم بعد كل هذا هل سيكتفي المسلمون بالصوم والصمت في رمضان هل سيكتفي المسلمون بالصوم والصمت في رمضان هل سنعدم حيلة في نصرة إخواننا.

إن دعاء المسلمين لا يذهب هدرًا وإن له على إخواننا لأثرًا، فألحوا على ربكم بطلب النصر لإخوانكم المسلمين المجاهدين، فهذا من أبسط حقوقهم علينا، وهو من النصرة الواجبة عليك أيها المسلم؛ فحق على كل ذي نعمة ممن صام وقام أن يتذكر هؤلاء إذا تجافى جنبه عن فراشه وقام لله تعالى في جوف ليله وأسحاره وحين تقلبه مع الساجدين أن يلح في المسألة لإخوانه المسلمين وأن يوهن الله كيد الكافرين.

تخيل نفسك أخا الإسلام لو كنت مكانهم ألا ترى أن لك حقًا على إخوانك المسلمين.

يا أخا الإسلام تذكر يتيمًا ينشد عن عطف الوالدين يرنو إلى من يمسح رأسه ويخفف بؤسه، تذكر أرملة توالت عليها المحن، فقدت عشيرها.

يا أخا الإسلام استشعر حالة الخوف والذعر التي يفطر المسلمون عليها ويتسحرون ألا يستحقون منك الشفقة والدعاء.

يا أخا الإسلام لاتكتف بكلمات القنوت مع الإمام فما يصيب المسلمين اليوم هو كرب خاص على رأس كل رجل منا، لا بد أن تجعله معك قائمًا وقاعدًا في سجودك ومع دعائك لوالدتك ووالدك وذريتك.

لابد منك أخي المسلم أن تجعل هم إخوانك المسلمين همًا لك، فبدل أن تكتفي في سجودك بطلب المنزل الواسع والعيش الرغيد والمنزلة الرفيعة في الجنة نقول لك: أضف إخوانك المسلمين في قائمة دعائك ولا تستبطء الإجابة ولا تيأس من روح الله فإنه لاييأس من روح الله إلا القوم الكافرون.

واعلم أن لذلك أحسن الأثر على إيمانك وعقيدتك فأنت تتمثل المحبة في الله لإخوانك المسلمين والبغض في الله لأعداء الدين، ويتمثل لك جانب الولاء والبراء جليًا ذلك المعنى الذي أخفق فيه كثير من المسلمين.

ثم إنه ينطبق عليك ما وصف به الرسول الكريم أمة الإسلام من روح الجسد بينها الذي إذا أصيب منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمَّى.

اللهم ياقاصم الجبابرة قهرًا وياكاسر الأكاسرة كسرًا ويا رازق المؤمنين من لدنه نصرًا اقصم ظهور اليهود والنصارى وانتقم للمسلمين منهم، اللهم أوهن كيدهم وفرق جمعهم وشتت شملهم واجعل كيدهم في سفال وعملهم في خبال اللهم انصر إخواننا المسلمين المجاهدين في كل مكان اللهم انصرهم وأيدهم

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات

أيها الناس ، أوصيكم بتقوى الله عز وجل فإن تقوى الله خلفٌ من كل شيء وليس من تقوى الله خلف. إِنَّ ?للَّهَ مَعَ ?لَّذِينَ ?تَّقَواْ وَّ?لَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ [النحل: 128] .

أيها المسلمون ، أيامكم هذه من أعظم الأيام فضلًا وأكثرِها أجرًا ، تصفو فيها لذيذ المناجاة ، وتسكب فيها غزير العبرات ، كم لله فيها من عتيق من النار ؟؟ وكم فيها من منقطع ، قد وصلته توبته ؟؟.

المغبون من انصرف عن طاعة الله ، والمحروم من حُرِم رحمة الله ، والمأسوف عليه من فاتت عليه فُرص الشهر ، وفرط في فضل العشر ، وخاب رجاؤه في ليلة القدر ، مغبونٌ من لم يرفع يديه بدعوة ، ولم تذرفْ عينُه بدمعة ، ولم يخشع قلبه لله لحظة.

ألا فاتقوا الله رحمكم الله، وقوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون

وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه في قوله: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56] اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد صاحب الحوض والمقام المحمود..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت