الأسرة والمجتمع, التوحيد
قضايا المجتمع, نواقض الإسلام
سالم بن مبارك المحارفي
الرياض
جامع الشيخ محمد بن عساكر
1-العقل من الضروريات التي جاءت جميع الأديان السماوية بحفظه. 2- الغيب لا يعلمه إلا الله. 3- انتشار كثير من الدجالين والكهان والمشعوذين في العالم الإسلامي. 4- حكم إتيان الكهان والسحرة. 5- الفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان. 6- أسباب تدفع السحر.
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، وتمسكوا بدينكم؛ تنجوا من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن.
أيها المسلمون، إن من أهم أسباب تكريم الإنسان واستخلافه في الأرض من المولى سبحانه ما وهبه اللهُ تعالى من عقلٍ به يعرفُ حقائقَ الأمور ويميزُ بين الحق والباطل، وبه يُفرِّقُ بين الخير والشر. والحفاظُ على العقل من الكليات التي عملت الأديانُ والشرائعُ السماوية ـ وبالخصوص خاتمتُها دينُ الإسلام ـ على حفظها، وحرَّمَ من أجل ذلك كلَ ما يمكنُ أن يجعلَ الإنسانَ يفقدُ هذا الميزان الدقيق.
ولقد جاء الإسلامُ ليحرّر الإنسان من الخرافات والأساطير التي كانت مُعَشِّشَةً في عقول الناس، حتى جعلتهم يعبدون الأصنام والأوثان، ويقدِّمون لها القرابين، ويتخذون بينهم وبين الله تعالى واسطة من الكهان والمشعوذين والدجالين ومدعي الغيب، يبتزون أموالهم ويستعبدونهم أسوأ استعباد.
ومن الأحاديث النبوية التي تعرضتْ إلى مسألة العقيدة بتوسعٍ ووضوحٍ لا يُحتاجُ معه إلى زيادة الحديثُ المعروفُ بحديث جبريل، والذي نورد منه ما يتعلق بموضوعنا: قال جبريل: أخبرني عن الإيمان؟ قال: (( الإيمانُ أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره ) )، قال: صدقت. متفق عليه.
فمن مقتضيات الإيمان بالله في دين الإسلام التسليمُ له سبحانه وتعالى بالألوهية والربوبية والتفرد الذي لا شرك معه، فاللهُ سبحانه وتعالى في عقيدة الإسلام له كلّ صفات الكمال، من ذلك اختصاصه سبحانه بعلم الغيب، يقول جل وعلا: وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ [الأنعام: 59] ، وكذلك قوله جلّ من قائلٍ عليما: إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان: 34] ، وقوله تعالى: قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النمل: 65] .
فهذه الآياتُ البيناتُ وغيرُها كثير في كتاب الله العزيز كفيلةٌ بإقناع كلِ راغبٍ في الحق بأن عالِمَ الغيبِ وحده هو اللهُ سبحانه وتعالى، وهي كفيلةٌ أيضًا بإكبات وإسكات كلِ مروِّجٍ للدجل والشعوذة والكهانة، هذه الآفة التي استحوذت على عقول كثير من الناس قديمًا قبل بعثة الأنبياء، وعندما طال عليهم العهدُ في حقبٍ من تاريخ البشرية، وحديثًا عندما طغت الماديةُ الضارية، فنشأ عن ذلك خواءٌ روحيٌ رهيب، اضطر معه الإنسانُ في كثير من الأحيان إلى الارتكاس من جديد في ظلمات الجهل والجاهلية، وارتمى في أحضان المشعوذين والدجالين والكهان الكاذبين الذين وجدوا في إنسان هذا العصر وفي أكثر مجتمعاته تقدمًا وتحضرًا وتمدُنًا فريسةً انقضوا عليها ليزيدوه اضطرابًا على اضطراب وبؤسًا على بؤس.
وإذا كان غيرُ المسلمين يمكنُ أن يُعذروا إن انساقوا وراءَ تُرهات المشعوذين والدجالين بحثًا عن الخلاص والاطمئنان، فإنَّ المسلمين بما لديهم من هديٍ سماويٍ محفوظٍ لا يُقبلُ منهم مثلُ هذا التخبط، فعقيدةُ الإسلام واضحةٌ. وإذا كانت الغالبيةُ العظمى من أمةِ الإسلام ظلت متمسكةً بعرى عقيدة التوحيد الصافية النقية فإن فئامًا لا يستهانُ بهم من الأمة الإسلامية وقعت نتيجةَ الجهل بالدِّين في فخاخ هؤلاء الشرذمة الذين يدَّعون علمَ الغيب ويمتهنون الشعوذة والكهانة، ولا يمكن لنا أن ندعي أن شبح هؤلاء المخربين للدين الناشرين بين الناس الخرافة والدجل قد زال وذهب إلى غير رجعة، فكثيرٌ منهم ـ لا كثَّرهم الله ـ في أماكن عديدةٍ من البلاد الإسلامية الواسعة لا ينفكُ أحدهم يعاودُ الكرَّةَ مستغلًا نقصَ الوعي وضعفَ بعضهم أمامَ ما يعترضهم في حياتهم من مشاكلَ وصعوبات ومصائبَ وملمات، فيقدِّمون أنفسهم على أنهم مصلحون اجتماعيون ومحبّيون للخير صالحون، وهيهات لهؤلاء أن يقدروا على ذلك، فلن يزيدوا الطينَ إلا بِلة.
والناظرُ في تاريخ المجتمعات الإسلامية يرى أنها ما هانت ولا ضعفت وتخلفت وغُلبت وما دخل الاستعمارُ إلى بلدانهم إلا عندما انتشرت بين صفوف أفرادها بضاعةُ الدَّجاجلةِ والمشعوذين والكهنة والمفترين على الله الكذب، وما استطاعت أن تتحرر وتستقل إلا بعد أن خاض علماؤها ومصلحوها وزعماؤها حربًا إصلاحية على هؤلاء الدجالين المشعوذين.
واليوم ومجتمعاتُ المسلمين على مفترق طرق والعالمُ من حوله تزحفُ شعوبه تحقّقُ المنجزات في مختلف مجالات الحياة لا بُدَّ من التنبيه إلى أخطار المشعوذين والدجالين والكهنة والعرافين الذين يمكنهم أن يعرقلوا مسيرةَ تقدم المسلمين ورقيِّهم؛ بما ينشرونه من أوهام ودجل وافتراءات كاذبة، يستغلون بها عددًا كبيرًا من الجهَّال من أبناء وبنات الأمة الإسلامية. فهم يهدرون طاقاتهم ويعطلون قدراتهم عن البذل والعطاء والجد والنماء، فضلًا عما ينالون به عقيدة التوحيد السمحة التي لا تتسامح مع مثل هذا النيل من الدين الحنيف.
والمسلم المؤمن بما جاء به سيدنا محمدٌ لا يمكن أن تجتمع في قلبه عقيدة التوحيد مع التصديق بترهات الدجالين والمشعوذين، ألم يقل رسول الله في أحاديث عدة: (( ليس منَّا من تَطيَّر أو تُطيِّرَ له، أو تَكهنَ أو تُكُهِّن له، أو سَحر أو سُحِرَ له، ومن أتى كاهنًا فصدَّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ) )رواه الطبراني والبزار وعبد الرزاق في مصنفه، وعند الطبراني: (( من أتى كاهنًا فصدَّقه بما يقول فقد برئَ مما أنزل على محمد، ومن أتاه غير مصدِّقٍ له لم تقبل له صلاةٌ أربعين ليلة ) )، وقال أيضًا: (( من أتى كاهنًا فسأله عن شيء حجبت عنه التوبة أربعين ليلة، فإن صدَّقه بما قال كفر ) )، وقال: (( من أتى عرَّافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاةٌ أربعين ليلة ) )رواه مسلم.
فهذه الأحاديثُ النبويةُ مع بعضها البعض وغيرُها كثير تسدُّ في مجتمع المسلمين كلَ منافذ وأبواب الكهانة والشعوذة والدجل، وتحذر المسلم من مغبة الانسياق وراء هؤلاء الضالين المضلين، وتخرج المسلم من الإسلام ومن دائرة المتبعين لهدي سيِّد الأولين والآخرين إنْ هو صدَّق كاهنًا أو منجمًا، فهؤلاء الكهنةُ والمنجمون كذَّابون مفترون على الله الكذب، وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وإنْ صادفَ أن تطابقت تكهناتهم مع الواقع فقد أخذها من القرين الذي هو مع كل إنسان، ولو كانوا يعلمون الغيب لاستكثروا من الخير وما مسهم الشر، ولكنهم قومٌ يكذبون.
ولقد تطرق القرآن الكريمُ في آياتٍ عديدة من سور مختلفة إلى مسألة السحر والسحرة، منبهًا إلى أخطارهم وشرورهم ومضرتهم، باعتبار السحر من الأوهام المخربة لعقول الناس وعلاقاتهم وأديانهم، فأصلُ السحر هو التمويهُ بالحيل والتخييل، وهو ما وقع من سحر الساحر، أشياءٌ يُخيَّلُ للمسحور أنها على خلاف ما هي عليه في الحقيقة، على غرار ما وقع من سحرة فرعون الذين ألقوا عصيَّهم لكي تصبح حيَّاتٍ تسعى، فقال جل وعلا: قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى [طه: 66] .
والسحرةُ من شرار الجن يستعملون أخبث الوسائل لإلحاق الضرر بالناس، ألا إن كيد هؤلاء السحرة لا يحيقُ بإذن الله بالمؤمن المتحصن بالإيمان والذكر، المستعيذ بالله من همزات الشياطين ووسواس الموسوسين وشرّ النفاثات في العقد، وصدق الله إذ يقول: وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ [البقرة: 102] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله...
أيها المسلمون، إن من ينظر بعين الإنصاف والتجرد إلى حال كثير من المسلمين يرى أحوالًا تجعلُ الحليم حيران؛ يرى ويسمع أمورًا أطبق عليها الكثيرُ من الناس وأصبحت مألوفةً، مع أن بعضها قد تلجُّ بصاحبها إلى باب عظيم من أبواب الإثم والعصيان، قال ابن عقيل الحنبلي:"لو تمسَّكَ الناسُ بالشرعيات تمسَّكهم بالخرافات لاستقامت أمورهم".
وأعجب ـ أيها المسلم المعافى ـ من أناس جهال التبس عليهم حال السحرة الكذابين والمشعوذين، فتحيروا فيما يصدر من السحرة من خوارق العادات، كالطيران في الهواء والمشي على الماء وقطع المسافة الطويلة في زمن قصير والإخبار عن الغيب فيقع الخبر كذلك وشفاء المرضى، فيظن هؤلاء الجهال أن هذا الساحر من أولياء الله، وقد يؤول الأمر إلى أن يعبد من دون الله، ويرجى منه النفع والضر والعياذ بالله، فظن بعض الناس أن خوارق العادات التي تجري من السحرة والعرافين كرامات من الله، فالتبس عند الجهال حال أولياء الرحمن بحال أولياء الشيطان.
والشرع فرَّقَ بين أولياء الله وأولياء الشيطان، فأولياء الله عز وجل هم الحافظون لحدود الله المتمسكون بشرعه ظاهرًا وباطنًا، الممتثلون لأوامر الله المجتنبون لنواهيه، المحافظون على صلاة الجماعة، قال الله تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ [يونس:62، 63] .
عباد الله، ومما يدفع السحر التوكلُ على الله ودعاؤه والتحصن بالقرآن الكريم وأنواع الذكر الثابتة وكمال التوحيد والحذر من الوقوع في شَرَك الأشرار والفجار ومجانبة المفسدين الظالمين، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السّلْمِ كَافَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُواتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ [البقرة:208] .
عباد الله، إن الوقاية من السحر هو بكمال التوحيد والتوكل على الله تعالى، قال الله تعالى: وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:3] .
والوقاية من السحر بالدعاء والاستعاذة منه، قال: (( لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل ) )أخرجه البزار والطبراني في الأوسط.
ومن الوقاية من السحر التحصن بتلاوة القرآن وأنواع الذكر الصحيحة صباحًا ومساءً، قال: (( عليكم بسورة البقرة ، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة ) )رواه مسلم، يعني: السحرة لا يقدرون على ضرر من قرأها وحفظها.
ومن الوقاية من السحر تحريق كتبه وقتل الإمام للسَّحَرة ورفع أمرهم إلى السلطان لكف شرهم وعظيم ضررهم عن الناس.
وإذا وقع السحر بأحد فعلاجه بإحراق مادته التي انعقد بها السحر إذا عُثر عليها وعُلمت، كما فعل النبي لما سحره لبيد بن الأعصم اليهودي لعنه الله، فإنه استخرج سحره من بئر ذروان في مشط ومشاطة فأحرقه. كما رواه مسلم.
وعلاج السحر بدوام الدعاء بالعافية منه، قالت عائشة لما سحر النبي: أطال ذات ليلة الدعاء ثم قال: (( يا عائشة، أشعرت أن الله أخبرني بمن سحرني وشفاني ) )رواه البخاري ومسلم.
وسحرُ النبي نوعٌ من المرض لا يقدحُ في عصمته وتبليغه، ولم يتسلّط على عقله ، ولكنه نوع من الأذى من الجن، كما أوذي من الإنس، فأظهره الله على أعدائه من الجن والإنس، ونصره وعافاه من هذا المرض، والله تبارك وتعالى جعل هذا ليكون فعل الرسول تشريعًا وزيادةً في رفعة النبي وعظيم أجره.
ومما يعالج به السحر مداومةُ قراءة الفاتحة والمعوذات وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [سورة الإخلاص] وآية الكرسي، فإنها تضعف سلطانه حتى يضمحل، وسواءً قرأ المسحور على نفسه أو قرأ عليه أحد الصالحين.
ولا يجوز أن يُحَلَّ السحرُ بسحرٍ مثله؛ لأن الله لم يجعل شفاء الأمة فيما حُرِّم عليها، ويجوز أن يتداوى المسحورُ من السحر بالعقاقير المباحة من الأعشاب ونحوها.
عباد الله، إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيّ يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56] ، وقد قال: (( من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرًا ) )رواه مسلم.
فصلوا وسلموا على سيد الأولين والآخرين.
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وسلم تسليمًا كثيرًا...