فهرس الكتاب

الصفحة 5487 من 5777

خطبة عامة حول علامات الساعة

الإيمان, الرقاق والأخلاق والآداب

أشراط الساعة, الفتن

سعد بن عبد الله العجمة الغامدي

الطائف

سعيد الجندول

1-فناء الدنيا. 2- تذكير النبي أصحابه بعلامات الساعة. 3- أحاديث في أشراط الساعة.

أما بعد: فإن الدنيا لم تُخلق للبقاء، ولم تكن دار إقامة، وإنما هي منزل من منازل الآخرة، جُعلت للتزود منها إلى الآخرة والتهيؤ للعرض على الله، وقد آذنت بالانصرام وولَّت، وكان حقًا على كل عالم وطالب علم أن يُشيع أشراطها وعلاماتها ويَبُثَّ الأحاديث والأخبار الواردة فيها بين الناس ويسردها مرة بعد الأخرى؛ لعل العباد ينتهون عن المعاصي والذنوب وتلين منهم القلوب وينتبهون من غفلتهم ويغتنمون المهلة التي أعطاهم الله عز وجل في هذه الحياة الدنيا، قال الله تعالى: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ [الأنبياء: 1] ، وقال تعالى: اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر: 1] ، وقال تعالى: وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا [الأحزاب: 63] ، وقال سبحانه وتعالى: وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ [الشورى: 17] ، وقال عز وجل: هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [الزخرف: 66] ، وقال جل جلاله: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ [محمد: 18] .

لقد جعل الله عز وجل للساعة علامات تدل على قربها وانتهاء هذه الحياة الدنيا، ولا يعلم متى تقوم القيامة إلا الله وحده جل جلاله وتعالى سلطانه كما قال عز وجل: يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الأعراف: 187] . ولكن الله جل ثناؤه أخبر رسولَه محمدًا بعلامات تدل على قرب وقوعها، وأخبر الرسولُ أصحابَه بهذه العلامات، ولقد كان يذكِّرهم بالقيامة وقربها ويحدثهم حتى عن العلامات الكبيرة ومنها الدجال حتى ظنّ الصحابة رضي الله عنهم أنه في طائفة النخل أي: طرف المدينة المنورة. ولقد آمنوا رضي الله عنهم وصدقوا بكل ما أخبرهم عنه إيمانًا وتصديقًا بالغيب، وهذا هو قمة الإيمان حيث يخبرهم عن المغيبات وهم أشد إيمانًا وثباتًا وعقيدة خالصة لله رب العالمين.

ونحن اليوم نرى صِدْقَ ما أخبر به الرسول الكريم أمام أعيننا يحدث تصديقًا لما أخبر به ولم تتحرك وتخشع منا القلوب! ولم تذرف الأعين وتدمع! ولم ننته عن الغي والآثام! فنشكو حالنا إلى الله تعالى وإنا لله وإنا إليه راجعون وهو حسبنا ونعم الوكيل.

وأقتصر هنا على ذكر بعض الأحاديث التي وقع تصديقها في هذا الزمن وليس كلها، ومن أراد الاستزادة فعليه الرجوع إلى مراجعها، وقد يستغرب بعض الناس طول بعض الأحاديث الواردة عن علامات الساعة وأماراتها وأشراطها مع أنه قد وردت أحاديث صحيحة توضح هذا الطول، حفظ ذلك من حفظه من الصحابة وجهله من جهله، ولا غرابة في هذا الطول خاصة إذا وردت الشواهد التي تعضد ألفاظه من الأحاديث الصحيحة أو من الواقع، ولقد أخبر الرسول محمد بما يكون إلى قيام الساعة وذلك مما أطلعه الله عليه من الغيوب المستقبلة، ولكنه لا يعلم متى تحدث تلك العلامات التي أخبر عنها إلا بما علمه الله إياه، ولا يعلم أيضًا متى تقوم الساعة ليعلم الناس أنه بشر يبلغ رسالة ربه ولا يعلم الغيب ولا يملك أن يدفع عن نفسه الضر والسوء ولا أن يجلب لها الخير إلا أن يشاء الله ذلك، قال الله جل جلاله: يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأعراف: 187، 188] ، وقال عز وجل: يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنْ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا [الأحزاب: 63] ، وقال تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا [النازعات: 42-46] .

عن حذيفة رضي الله عنه قال: لقد خطبنا النبي خطبة ما ترك فيها شيئًا إلا ذكره علمه من علمه وجهله من جهله، إن كنت لأرى الشيء قد نسيته فأعرفه كما يعرف الرجلُ الرجلَ إذا غاب عنه فرآه فعرفه. رواه البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى. وقال أيضًا رضي الله عنه: أخبرني رسول الله بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، فما منه شيء إلا قد سألته إلا أني لم أسأله: ما يخرج أهل المدينة من المدينة؟ رواه مسلم رحمه الله،.

ولقد خطب رسول الله ساعات طويلة من النهار ليبين للصحابة رضي الله عنهم ما كان وما سيكون، عن عمرو بن أخطب الأنصاري رضي الله عنه قال: صلى بنا رسول الله الفجر وصعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر فنزل فصلى، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر فنزل فصلى، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس فأخبرنا بما كان وبما هو كائن فَأَعْلَمُنا أَحْفَظُنَا. رواه مسلم.

وورد عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قوله: والله، إنني لأعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة، وما بي إلا أن يكون رسول الله أَسَرَّ إليَّّ في ذلك شيئًا لم يحدثه غيري، ولكن رسول الله قال وهو يحدث مجلسًا أنا فيه عن الفتن، فقال رسول الله وهو يعدّ الفتن: (( منهن ثلاث لا يَكَدْنَ يَذَرْنَ شيئًا، ومنهن فتن كرياح الصيف، منها صغار ومنها كبار ) )، قال حذيفة: فذهب أولئك الرهط كلهم غيري. رواه مسلم،.

عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله قال: (( ستكون فتن يفارق الرجل فيها أباه وأخاه، تطير الفتنة في قلوب رجال منهم إلى يوم القيامة حتى يُعَيَّرَ الرجل فيها بصلاته كما تُعيّر الزانية بزناها ) ).

وقال: (( لا يخرج الدجال حتى يذهل الناس عن ذكره، وحتى تترك الأئمة ذكره على المنابر ) )صححه الهيثمي في مجمع الزوائد.

وقال: (( والذي نفسي بيده، لا تقوم الساعة حتى يكلم السباعُ الإنسَ، ويكلم الرجلَ عذبةُ سوطه وشراكُ نَعْله، ويخبره فخذُه بما أحدث أهلُه بعده ) ).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: (( بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا؛ يبيع دينه بعرض من الدنيا ) )رواه مسلم رحمه الله.

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( إن بين يدي الساعة فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، القاعد فيها خير فيها من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، فكسروا قسيكم، وقطعوا أوتاركم، واضربوا بسيوفكم الحجارة، فإن دُخل على أحدكم فليكن كخير ابنَي آدم ) )رواه أحمد وابن ماجة وأبو داود والحاكم وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، فمن وجد منها ملجأً أو معاذًا فليعذ به ) )رواه البخاري رحمه الله.

وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال: (( ابتليتم بفتنة الضراء وصبرتم، وستبتلون بفتنة السراء، وأخوف ما أخاف عليكم فتنة النساء إذا تسوّرن الذهب والفضة ولبسن رياط الشام وعصب اليمن فَأَتعَبْنَ الغنيّ وكَلَّفْنَ الفقير ما لا يجد ) ).

وعن علي رضي الله عنه مرفوعًا: (( يأتي على الناس زمان همتهم بطونهم، وشرفهم متاعهم، وقبلتهم نساؤهم، ودينهم دراهمهم ودنانيرهم، أولئك شرار الخلق، لا خلاق لهم عند الله ) ).

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله يقول: (( سيكون في آخر أمتي رجال يركبون على سروج كأشباه الرحال، ينزلون على أبواب المساجد، نساؤهم كاسيات عاريات، على رؤوسهن كأسنمة البخت العجاف، العنوهن فإنهن ملعونات، لو كان وراءكم أمة من الأمم لخدمن نساؤكم نساءهم كما يخدمنكم نساء الأمم قبلكم ) )رواه الإمام أحمد رحمه الله، قال أحمد شاكر رحمه الله:"إسناده صحيح".

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا ) )رواه الإمام مسلم رحمه الله.

وقال: (( لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبرًا بشبر وذراعًا بذراع ) )، فقيل: يا رسول الله، كفارس والروم؟ فقال: (( ومن الناس إلا أولئك؟! ) )رواه البخاري.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: (( ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال، أمن حلال أم من حرام ) )رواه البخاري والنسائي رحمهما الله تعالى.

وقال: (( ولتتركنّ القِلاص فلا يُسعى عليها ) )أي: الجمال لا أحد يركب عليها لاستغنائهم بالسيارات والطائرات وغيرها من وسائل النقل.

وورد أيضًا: (( يأتي على الناس زمان لأن يربي أحدهم جروًا ـ أي: ولد كلب ـ أحب إليه من أن يربي ولدًا لصلبه ) ).

وقال عليه الصلاة والسلام: (( يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أُفُقٍ كما تداعى الأكلة على قصعتها ) )، قال: قلنا: يا رسول الله، أمن قلة بنا يومئذٍ؟ قال: (( أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ينتزع المهابة من قلوب عدوكم ويقذف في قلوبكم الوهن ) )، قلنا: وما الوهن؟ قال: (( حب الدنيا وكراهية الموت ) ).

وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( من اقتراب الساعة إذا رأيتم الناس أضاعوا الصلاة، وأضاعوا الأمانة، واستحلوا الكبائر، وأكلوا الربا، وأخذوا الرشا، وشيدوا البناء، واتبعوا الهوى، وباعوا الدين بالدنيا، واتخذوا القرآن مزامير، واتخذوا جلود السباع صِفافًا، والمساجد طرقًا، والحرير لباسًا، وكثر الجور، وفشا الزنا، وتهاونوا بالطلاق، وائتمن الخائن، وخوّن الأمين، وصار المطر قيضًا، والولد غيظًا، وأمراء فجرة، ووزراء كذبة، وأمناء خونة، وعرفاء ظلمة، وقلت العلماء، وكثرت القراء، وقلت الفقهاء، وحلّيت المصاحف، وزخرفت المساجد، وطوّلت المنابر، وفسدت القلوب، واتخذت القينات، واستحلت المعازف، وشربت الخمور، وعطلت الحدود، ونقصت الشهور، ونقضت المواثيق، وشاركت المرأة زوجها في التجارة، وركب النساء البراذين، وتشبهت النساء بالرجال والرجال بالنساء، ويحلف بغير الله، ويشهد الرجل من غير أن يستشهد، وكانت الزكاة مغرمًا والأمانة مغنمًا، وأطاع الرجل امرأته وعق أمه، وأقصى أباه، وصارت الإمارات مواريث، وسب آخر هذه الأمة أولها، وأُكْرِم الرجل اتقاء شره، وكثرت الشرط، وصعدت الجهال المنابر، ولبس الرجال التيجان، وضُيِّقتْ الطرقات، وشيد البناء، واستغنى الرجال بالرجال والنساء بالنساء، وكثرت خطباء منابركم، وركن علماؤكم إلى ولاتكم فأحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال وأفتوهم بما يشتهون، وتعلم علماؤكم العلم ليجلبوا به دنانيركم ودراهمكم، واتخذتم القرآن تجارة، وضيعتم حق الله في أموالكم، وصارت أموالكم عند شراركم، وقطعتم أرحامكم، وشربتم الخمور في ناديكم، ولعبتم بالميسر، وضربتم بالكبر والمعزفة والمزامير، ومنعتم محاويجكم زكاتكم ورأيتموها مغرمًا، وقتل البريء ليغيظ العامة بقتله، واختلفت أهواؤكم، وصار العطاء في العبيد والسقاط، وطففت المكاييل والموازين، ووليت أموركم السفهاء ) ).

ومن العلامات أيضًا: (( لا تزال الأمة على شريعة حسنة ما لم تظهر فيهم ثلاث، ما لم يقبض منهم العلم، ويكثر فيهم ولد الخبث ـ وقيل: الحنث ـ، ويظهر فيهم الصقارون ) )، قالوا: وما الصقارون؟ قال: (( نَشْوٌ في آخر الزمان تحيتهم بينهم إذا تلاقوا التلاعن ) ). وهذا كثير اليوم بين السفلة حيث يبدأ أحدهم بشتم صاحبه ولعنه ولعن والديه قبل أن يسلم عليه، وقد لا يسلم عليه البتة لأنهم لا يعرفون السلام.

ومن العلامات أيضًا: (( لا تقوم الساعة حتى يبني الناس بيوتًا يوشونها وَشْيَ المراجيل ) )أي: يخططونها كتخطيط الثياب المعلمة، وهذا هو الحاصل الآن ويراه كل شخص من حيث التخطيط والزخرفة والتطاول في العمارات المتجاورة أو البعيدة في الحي نفسه أو في المدينة أو في القرية حتى يحصل التفاخر بين أصحابها وفي المجتمع، وبذلك يقع ما أخبر عنه رسولنا محمد في الحديث السابق والآتي ذكره وغيرهما قال: (( وأن ترى الحفاة العراة العالة رِعَاءَ الشَّاء يتطاولون في البنيان ) ).

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، أحمده سبحانه وبحمده وأشكره وأستغفره وأتوب إليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه.

أما بعد: فإن ما أذكره من علامات وأشراط للساعة إنما هي علامات نعيشها الآن، وهي ما تسمى بالعلامات الوسطى، والتي تعقبها العلامات الكبرى، وقد سبقتها العلامات الصغرى، وأكتفي بذكر الحديث المروي عن ابن عباس وله شواهد في كثير من ألفاظه في أحاديث صحيحة، والواقع يصدقه حيث حصل كثير مما ورد فيه وفي غيره، والله أعلم وأحكم.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما حج النبي حجة الوداع أخذ بحلقتي باب الكعبة ثم أقبل بوجهه على الناس فقال: (( يا أيها الناس ) )، قالوا: لبيك يا رسول الله، تفديك آباؤنا وأمهاتنا، ثم بكى حتى علا انتحابه، فقال: (( يا أيها الناس، إني أخبرتكم بأشراط القيامة، وإن من أشراط القيامة إماتة الصلوات، واتباع الشهوات، والميل مع الهوى، وتعظيم رب المال ) )، قال: فوثب سلمان فقال: بأبي أنت وأمي إن هذا لكائن؟! قال: (( إي والذي نفسي بيده، عندها يذوب قلب المؤمن كما يذوب الملح في الماء مما يرى ولا يستطيع أن يغير ) )، قال سلمان: بأبي أنت وأمي إن هذا لكائن؟! قال: (( إي والذي نفسي بيده، إن المؤمن ليمشي بينهم يومئذٍ بالمخافة ) )، قال سلمان: بأبي أنت وأمي وإن هذا لكائن؟! قال: (( إي والذي نفسي بيده، عندها يكون المطر قيظًا ـ أي: في وقت الحر والقيظ ـ، والولد غيظًا ـ أي: يفعل ما يغيظ أبويه ـ، ويفيض اللئام فيضًا ـ أي: يكثرون ـ ويغيض الكرام غيضًا ) )ـ أي: يَقِلُّونَ ـ، قال سلمان: بأبي أنت وأمي وإن هذا لكائن؟! قال: (( إي والذي نفسي بيده، للمؤمن يومئذٍ أذل من الأَمَة، فعندها يكون المنكر معروفًا والمعروف منكرًا، ويؤتمن الخائن ويخوّن الأمين، ويصدّق الكذاب ويكذّب الصادق ) )، قال سلمان: بأبي أنت وأمي وإن هذا لكائن؟! قال: (( إي والذي نفسي بيده، عندها يكون أمراء جَوَرَة، ووزراء فسقة، وأمناء خونة، وإمارة النساء، ومشاورة الإماء، وصعود الصبيان المنابر ) )، قال سلمان: بأبي أنت وأمي وإن هذا لكائن؟! قال: (( إي والذي نفسي بيده يا سلمان، عندها يليهم أقوام إن تكلموا قتلوهم، وإن سكتوا استباحوهم، ويستأثرون بفيئهم، ولَيَطَؤُونَ حَرِيمهم، ويُجَار في حكمهم، ويليهم أقوام جثثهم جثث الناس وقلوبهم قلوب الشياطين، لا يوقرون كبيرًا، ولا يرحمون صغيرًا ) )، قال سلمان: بأبي أنت وأمي وإن هذا لكائن؟! قال: (( إي والذي نفسي بيده يا سلمان، عندها تزخرف المساجد كما تزخرف الكنائس والبيع، وتحلى المصاحف، ويطيلون المنابر، ويكثر العقوق، قلوبهم متباغضة، وأهواؤهم جمة، وألسنتهم لمختلفة ) )، قال سلمان: بأبي أنت وأمي وإن هذا لكائن؟! قال: (( إي والذي نفسي بيده، عندها يكون الكذب ظرفًا، والزكاة مغرمًا، ويظهر الرشا، ويكثر الربا، ويتعاملون بالعينة، ويتخذون المساجد طرقًا ) )، قال سلمان: بأبي أنت وأمي وإن هذا لكائن؟! قال: (( إي والذي نفسي بيده يا سلمان، عندها تتخذ جلود النمور صفوفًا، يتحلى ذكور أمتي بالذهب، ويلبسون الحرير، ويتهاونون بالدماء، وتظهر الخمور والقينات والمعازف، وتشارك المرأة زوجها في التجارة ) )، قال سلمان: بأبي أنت وأمي وإن هذا لكائن؟! قال: (( إي والذي نفسي بيده يا سلمان، يطلع كوكب الذنب، ويكثر السيجان، ويتكلم الرويبضة ) )، قال سلمان: وما الرويبضة؟ قال: (( يتكلم في العامة من لم يكن يتكلم، ويحتقن الرجل للسمنة، ويُتغنى بكتاب الله عز وجل، ويتخذ القرآن مزامير، ويباع الحكم، ويكثر الشرط ) )، قال سلمان: بأبي أنت وأمي وإن هذا لكائن؟! قال: (( إي والذي نفسي بيده، يحج أمراء الناس لهوًا وتنزهًا، وأوساط الناس للتجارة، وفقراء الناس للمسألة، وقراء الناس للرياء والسمعة ) )، قال سلمان: بأبي أنت وأمي وإن هذا لكائن؟! قال: (( إي والذي نفسي بيده، عندها يُغار على الغلام كما يُغار على الجارية البكر، ويُخطب الغلام كما تخطب المرأة، ويُهيأ كما تتهيأ المرأة، وتتشبه النساء بالرجال، ويتشبه الرجال بالنساء، ويكتفي الرجال بالرجال والنساء بالنساء، وتركب ذوات الفروج السروج، فعليهن من أمتي لعنة الله ) )، قال سلمان: بأبي أنت وأمي وإن هذا لكائن؟! قال: (( إي والذي نفسي بيده، يظهر قرّاء عبادتهم التلاوم بينهم، أولئك يسمون في ملكوت السماء الأنجاس الأرجاس ) )، قال سلمان: بأبي أنت وأمي وإن هذا لكائن؟! قال: (( إي والذي نفسي بيده، عندها يتشبب المشيخة، وإن الحمرة خضاب الإسلام، والسواد خضاب الشيطان ) )، قال سلمان: بأبي أنت وأمي وإن هذا لكائن؟! قال: (( إي والذي نفسي بيده، عندها يوضع الدين، وترفع الدنيا، ويشيد البناء، وتعطل الحدود، ويميتون سنتي، وعندها ـ يا سلمان ـ لا يرى إلا ذمًّا، ولا ينصرهم الله ) )، قال سلمان: بأبي أنت وأمي وهم يومئذٍ مسلمون كيف لا ينصرون؟! قال: (( يا سلمان، إن نصرة الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن أقوامًا يذمّون الله تعالى، ومذمتهم إياه أن يشكوه، وذلك عند تقارب الأسواق ) )، قال: (( عند كسادها كل يقول: ما أبيع ولا أشتري ولا أربح، ولا رازق إلا الله تعالى ) )، قال سلمان: بأبي أنت وأمي وإن هذا لكائن؟! قال: (( إي والذي نفسي بيده، عندها يجفو الرجل والديه ويبر صديقه، ويتألفون بغير الله تعالى، ويحلف الرجل من غير أن يستحلف، ويتحالفون بالطلاق، يا سلمان لا يحلف بها إلا فاسق، ويفشو الموت موت الفجأة، ويحدث الرجلَ سوطُه ) )ـ أي: عما أحدث أهله بعده ـ، قال سلمان: بأبي أنت وأمي وإن هذا لكائن؟! قال: (( إي والذي نفسي بيده، تخرج الدابة، وتطلع الشمس من مغربها، ويخرج الدجال، وريح حمراء، ويكون خسف ومسخ وقذف، ويأجوج ومأجوج، وهدم الكعبة، وتمور الأرض ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت