فهرس الكتاب

الصفحة 4281 من 5777

مدرسة الصحابة

الإيمان

خصال الإيمان

علي بن عبد الرحمن العويشز

الدمام

أبو بكر الصديق (شركة أرامكو)

1-محبة الصحابة لرسول الله. 2- أسباب محبة النبي. 3- صدق الصحابة رضي الله عنهم.

وبعد: أحدثكم في هذه الخطبة عن مدرسة لم يشهد التاريخ لها مثيلًا، إنها ـ عباد الله ـ مدرسةٌ كان معلمها سيّد ولد آدم محمد بن عبد الله ، وتلاميذها صحابته الكرام رضوان الله عليهم، مدرسة في الإيمان، مدرسة في الفضائل، مدرسة في الأعمال.

عبد الله، إنّ هذه المدرسة العظيمة تعلمنا أول ما تعلمنا محبّة هذا النبي الكريم صلوات ربي وسلامه عليه، كيف لا وأنت تقرأ ما يقوله عروة بن مسعود الثقفي حال كفره عندما رجع إلى قومه وقد انبهر بما رأى من تعظيم النبي وإجلاله؟! يقول: (أي قوم، واللهِ لقدْ وفَدْتُ على الملوكِ، وَوَفَدْتُ على قيصرَ وكسرى والنجاشيِ، والله إِنْ رأيتُ ملكًا قطُ يُعَظمُهُ أصحابُه ما يُعظمُ أصحاب محمدٍ محمدًا، واللهِ إِنْ تَنَخّمَ نخامةً إِلا وَقَعَتْ في كفِ رجلٍ منْهمْ فَدَلك بها وجهَه وجلدَه، وإذا أمرَهمْ ابتدروا أمره، وإذا توضأَ كادوا يقتتلونَ على وضوئه، وإذا تكلمَ خفضوا أصواتهَم عنده، وما يحدون إليه النظرَ تعظيمًا له) رواه البخاري.

ويقول عمرو بن العاص: (وما كان أحدٌ أحبَ إليَّ منْ رسولِ اللهِ ولا أجلَّ في عيني منه، وما كنتُ أُطيقُ أَنْ أَملأَ عيني منه إِجلالًا لهُ، ولو سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ ما أَطَقْتُ؛ لأني لم أَكُنْ أَملأُ عيني منه) رواه مسلم.

حتى صغار الصحابة رضي الله عنهم كانت محبتهم لرسول الله عظيمة، يقول عبد الرحمن بن عوف: بينا أنا واقف في الصفّ يوم بدر، فنظرت عن يميني وشمالي، فإذا أنا بغلامين من الأنصار، حديثة أسنانهما، فتمنيتُ أن أكون بين أضلع منهما، فغمزني أحدُهما فقال: يا عمّ، هل تعرفُ أبا جهل؟ قلت: نعم، وما حاجتُك إليه يا ابن أخي؟! قال: أُخبرتُ أنّه يَسُبُ رسولَ الله ، والذي نفسي بيده لئنْ رأيتُه لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منّا، فتعجبتُ لذلك، فغمزني الآخر فقال لي مثلها، فلم أَنشَبْ أنْ نظرتُ إلى أبي جهل يجول في الناس قلت: ألا إن هذا صاحبكما الذي سألتماني، فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله فأخبراه، فقال: (( أيكما قتله؟ ) )قال كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال: (( هل مسحتما سيفيكما؟ ) )قالا: لا، فنظر في السيفين فقال: (( كلاكما قتله ) )رواه البخاري.

وعندما توفي النبي ماذا كان حالهم؟ يقول الواصف لهم: كانوا كقطيعٍ في ليلة شاتية مطيرة. مع أنهم من بينهم دهاة العرب رضي الله عنهم أجمعين، وما ذاك إلا لحبهم لرسول الله.

وإذا أردت أن تحب نبيك ـ أخي المسلم ـ فاقرأ سيرته وتعلمها وعلمها أبناءك وبناتك، فإنك ـ عبد الله ـ إذا قرأت في سيرته أحببته ولا بد، كيف لا والله جل جلاله يقول: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128] .

ومن الأسباب الموصلة لحبه أن تعلم أن النبيّ كان يتمنى أن يراك، نعم أن يراك أنت، أنت يا من تؤمن به ولم تره، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: (( وددت أنا قد رأينا إخواننا ) )، قالوا: أوَلسنا إخوانك يا رسول الله؟! قال: (( أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد ) )، وفي بعض الروايات: (( يؤمنون بي ولم يروني ) )روا مسلم.

وأن تعلم أن النبي كان يخاف عليك ويحزن لأجلك، عن عبد الله بن مسعود قال: قال لي النبي: (( اقرأ عليّ ) )، قلت: يا رسول الله، أقرأ عليك وعليك أنزل؟! قال: (( نعم ) )، فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا [النساء:41] قال: (( حسبك الآن ) )، فالتفتّ إليه فإذا عيناه تذرفان. رواه البخاري.

بارك الله لي ولكم بالقرآن، ونفعنا بما فيه من البيان...

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

وبعد: ومن الأمور التي نتعلمها من الصحابة الكرام الصدق مع الله، لا كذب، ولا إخلاف موعد مع الله، عن شداد بن الهاد أن رجلًا من الأعراب جاء النبي فآمن به واتبعه، فقال: أُهاجر معك، فأوصى به النبي بعض أصحابه، فلما كانت غزوة خيبر غنم رسول الله شيئا، فقسم وقسم له، فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم، فلما جاء دفعوه إليه فقال: ما هذا؟ قال: قسم قسمه لك، فأخذه فجاء به النبي فقال: ما هذا يا محمد؟ قال: (( قسم قسمته لك ) )، قال: ما على هذا اتبعتك، ولكن اتبعتك على أن أرمى ها هنا ـ وأشار إلى حلقه ـ بسهم فأموت فأدخل الجنة، فقال: (( إن تصدق الله يصدقك ) )، ثم نهضوا إلى قتال العدو، فأتي به النبي يحمل وقد أصابه سهم حيث أشار، فقال النبي: (( هو هو؟ ) )قالوا: نعم، قال: (( صدق الله فصدقه ) )، فكفنه النبي في جبته، ثم قدمه وصلى عليه، فكان مما ظهر من صلاة النبي: (( اللهم هذا عبدك خرج مهاجرا في سبيلك قتل شهيدا أنا عليه شهيد ) ).

إذًا عباد الله، القضية قضية صدق مع الله، كم من الأيام قضاها هذا الصحابي حتى يحصل له ما حصل؟! وما قصة سعد بن معاذ عنا ببعيد.

اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

اللهم صل على محمد ما ذكره الذاكرون الأبرار، وصل على محمد ما تعاقب الليل والنهار، وصل على محمد وعلى المهاجرين والأنصار.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين وسائر أعداء الدين، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت