فهرس الكتاب

الصفحة 5304 من 5777

إنجازان تأريخيان

العلم والدعوة والجهاد, موضوعات عامة

المسلمون في العالم, جرائم وحوادث

عبد الرحمن السديس إمام الحرم

مكة المكرمة

المسجد الحرام

1-إنجازات تزرع الأمل. 2- إحباط مخطّط إرهابيّ خطير. 3- قضية أمن بلاد الحرمين. 4- تهنئة الولاية بهذا الإنجاز الأمني الاستباقي. 5- استنكار المسلمين لهذا المخطط الإرهابي. 6- ضرورة تضافر الجهود في مواجهة الفكر الضال. 7- الاتفاق والمصالحة بين السودان والتشاد. 8- الإشادة بدور خادم الحرمين في إرساء السلام والوئام.

أمّا بعد: فأوصيكم ـ عبادَ الله ـ ونفسِي بتقوَى الله عزّ وجلّ، فبالتَّقوى الخروجُ مِن المضائِق والنجاةُ من المآزق والسلامةُ منَ الفتن والأزمات والفرقانُ الحقّ عند الخلافاتِ والمدلهمَّاتِ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الأنفال: 29] .

أيّها المسلمون، في عالَمٍ يموجُ بالاضطرابِ والاختلافات وتعصِف به المخاوفُ والتحدِّيات، وفي الوقت الذي تخيِّم فيه سحُبُ الأسى والمآسي على أطروحاتِ كلِّ غيورٍ نطَاسِي ينبَلِج في الآفاقِ الواسِعة فلولٌ من الآمالِ العريضة والإيجابيّات الشامخة، برزت خلالَ الأيام القليلة الماضية، تزرع الأملَ في النفوس، وتضيء قناديلَ الضياء اللامعة والأنوار الساطعة؛ لتبدِّد ظلماتِ الشّكِّ والحيرة، وتعيدَ الثقةَ للأمة في مقوِّماتها ورِجالاتها وإنجازاتها.

معاشرَ المسلمين، حدثان عظيمان وموقِفان كبيران بل ومنعطفَان إيجابيّان تأريخيان جديران بالوقوف عندهما للتأمُّل والتذكير والإشادةِ والتَّبصيرِ.

أمّا أوّلُهما فهو ما أولاهُ الباري جلَّ في علاَه من نِعَمٍ وآلاء على هذهِ البلادِ المباركة، تتمثَّل في توالي الإنجازاتِ الأمنية وتتويج النَّجاحات بالضَّرباتِ الاستباقيّة وإحباط مخطَّط من أكبر المخطَّطات الإرهابية. فللَّه الحمد أوَّلًا وآخِرًا وباطنًا وظاهرًا، نجهَر به عاليًا عند تجدُّد كلِّ نعمة واندِفاع كلِّ نِقمة، وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى: 11] .

لقد كتَبَ الله الأمنَ والأمانَ لهذه البِلادِ المحروسةِ مهمَا حاول خَفافيشُ الظلاّمِ النيلَ مِنها أو تعكيرَ صَفوِ أمنِها وأَمانها، وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا [البقرة: 126] ، وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ [التين: 3] ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش: 4] . فالّذين يسعَونَ لزعزَعَة أمنِه واستقرارِه مصادِمون لنصوصِ الشريعةِ، معارضون لحِكمَة المولى سبحانه مِن جعله واحَةَ أمنٍ وأمان ومصدَرَ خير ووئام وسلام.

لا يضرُّ البحر أمسَى زاخِرًا أن رمى فيه غلامٌ بحجَر

كناطحٍ صخرةً يومًا ليوهِنَها فلم يضِرْها وأوهى قرنَه الوعِلُ

ومع أنَّ هذا الحدثَ الإرهابيّ الأرعنَ يختَلف عن سَوابِقِه من حيث التنظيمُ والتّخطيط والخطورَة، إلاّ أنّه جُوبِه بفضلِ الله بأكثَرَ نجاحًا وشَجاعة وجاهزِيّة؛ ممّا يجعل المسلمَ الصادق يلهَج بالشكر والثناء لله سبحانه على ما أنعَم به من ردِّ كيد الكائدين إلى نحورِهم وصدِّ مكرِ الماكرين، وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ [فاطر: 43] ، إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ [يونس: 81] .

ثم نُشيد بهذا الإنجاز الأمنيِّ الاستِباقي الباهِر، ويَزفّ التَّهنئةَ المعطَّرة بأريج الدعواتِ الصالحات إلى مقام الولايةِ المباركة والأجهزة الأمنيّة الموفَّقة على ما تحقَّق من ضبطِ وإيقافِ تلك الخلايا وعناصِرِها المفسِدة، مستبقين ما كانَت تهدف إليه من مسالِكَ عدائيّة وتصرّفات آثمَة تقصِد إلى زعزَعة أمنِ هذه البلاد المبارَكَة واستقرارِها والعَبَث بمكتَسَباتها وثرَوَاتها وترويع الآمنين فيها.

والمسلمُّ الحَقّ إزاءَ ذلك كلِّه لا يرتاب مطلَقًا في استنكار تلك التصرّفاتِ العبثيّة التخريبية ممّن قَلَبوا لبلادٍ آوَتهم وأرضٍ ربَّتهُم ظَهرَ المجَنّ، فمثَّلوا ظاهرةَ الإرهاب الأرعن والفكرِ التخريبيِّ الأسوَد الذي تجلّى في هذه الحادِثة في سربالِ زعامةٍ منكرة وبَيعَة مأفونَة عند أشرف بُقعة وأطهَر مكان، يأمَن فيه حتى الطيرُ والحَيوَان والجمَاد، وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [آل عمران: 97] ، فكيف بالإنسان؟! بل وكيف بالمسلم؟! فيا للهِ! على أيِّ بَيعَة ضالّةٍ اجتَمَعوا؟! أعَلى التكفير والتّفجير والتّخريبِ والتّدمير؟! أيبايِعون على سَفكِ دماءِ المسلمين وترويعِ الآمنين والعَبَث بمقدَّرات البلاد ومكتسباتها؟! نعوذ بالله من الضلالة بعد الهدى. أليس في هذا افتيَاتًا على الوِلاية ونَقضًا للبيعةِ الشرعية الصحيحة؟! والمصطفى يقول: (( من خلع يدًا من طاعة وفارَق الجماعة لقِيَ الله يومَ القيامَة ولا حجّةَ له ) )خرّجه مسلم في صحيحه.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"ولايةُ أمر الناس مِن أعظم واجباتِ الدين، بل لا قيامَ للدين إلاّ بها؛ فإنَّ بني آدم لا تتمّ مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بدّ عندَ الاجتماعِ مِن رأسٍ؛ لأَنّ الله أَوجب الأمرَ بالمعروف والنهيَ عنِ المنكر، ولا يَتِمّ ذلِك إلاّ بِقوّةٍ وإمارَة"انتهَى كلامه رَحمه الله.

ولقد كان السلفُ الصالح رحمهم الله يولُون هَذا الأمرَ اهتمامًا خاصًّا، لا سيَّما عند حُلول الفِتن؛ نظرًا لما يترتَّب على الجهل به أو إِغفاله من الفسادِ العريض في البلادِ والعباد والعدولِ عَن سبيل الهدى والرّشاد.

ولهذا فإنَّ كلَّ غيورٍ على أمنِ البلاد والعباد ليثمِّن تلك الإجراءاتِ الأمنيّة الصارمة لاستئصال شأفَةِ هَذا الفِكرِ المنحرف المصادِمِ للدّين والفطرة، المخالِفِ للشّرع والعقل والمنطق.

إخوةَ الإيمان، إنَّ مواجهةَ هذِه الثّقافةِ العدائيَّة وهذه المناهِجِ الدمويّة ومجابهةَ الأفكار المنحَرِفة والمسَالك الضالّة البعيدَة عن الفهمِ الصحيح لشريعَتِنا الغرّاء والخارِجَة عن كلِّ الأعرافِ الإنسانيّة لا تتوقَّف عند اتخاذِ التدابِير الأمنيّة الباسِلَة والإجراءات الصَّارِمَة فحَسب، بل لا بدَّ مِن تضَافُرِ الجهود وتكامُل الأَدوار بَين مؤسَّسات المجتمع كلِّها لدَحضِ هذه الظاهرةِ الخطيرة، بجانِبِ وقوفِ جميعِ أفرادِ المجتمع صفًّا واحدًا وعينًا ساهِرَة لأمنِ هذا البلدِ وأهلِه والمقيمين فيهِ.

فالتديُّن والوَحدةُ الوَطنيّة لُحمَةٌ وَاحِدَة لا تنفَصِل ولا تتجزّأ، والنسيج الاجتماعيُّ المتماسك المستَنِد على المنهج الإيمانيّ الصحيح هو أنجَع وأمثَلُ العوامِلِ للتصدِّي لكلِّ ما يبيِّت له المغرضون الذين لفَظوا أنفَاسَهم بحمد الله، وراهَنوا وهم يقومُون بإنفاذِ عمليّاتهم الإجراميّة، وتيَّقنوا بفضلِ الله أنهُم يصطَدِمون بصخرةِ التلاحُم الصّلبَة التي تجمَع الرعاةَ والرعيّة بصورةٍ نموذَجِيّة مثلَى، لا سيَّما في الأزَماتِ الداخليّة والخارجيّة، كما خَسِرت رِهانها أمامَ لُحمةٍ ومنظومة أمنيّة فريدة تحوَّل فيها الجميع إلى رجالِ أمن بواسِل يسهَرون على أمن بلاد الحرمين الشريفين حرَسَها الله.

أمّةَ الإسلام، لقد أثبَتَت الفِئة العزيزة علينا جميعًا فِئةُ رجالِ أمننا البواسل الذين يسهَرون لينامَ الناس ويتعبون ليرتاح الناس، أثبتوا بما لا يدَع مجالًا لمشكِّكٍ ولا مزايد حين صدَقوا ما عاهَدوا الله عليه وبرُّوا بقَسَمهم أمامَ الله ثمّ أمام ولاة الأمر والشَّعبِ المسلم أنهم يقدِّمون الأنموذجَ المتميِز الفريد لحماية مقدَّسات المسلمين والتصَدّي لكلِّ مَن تسوِّل له نفسُه العَبثَ بأمنِنا والمسَاسَ به.

ولكنَّ الدورَ والمسؤولية ينبغي أن يتعدَّى لكلّ مواطنٍ ومقيمٍ ليَكون رَجلَ أمنٍ يَسعى لِحرسِ الأمنِ على هذه البلاد المباركة، فالدّعوة موجّهةٌ لكلّ أفراد المجتمع أن يَعوا دورَهم وواجبَهم الأمنيّ في عدمِ التساهل مع مثلِ هؤلاء عملًا بقوله سبحانه: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة: 2] .

وهنا تأتي المسؤوليّة المشترَكَةُ في عيونِ الجميعِ وحُسن التِحامِهم مع ولاتهم خدمَةً لديننا وحفظًا لبلدنا، فهذه المسالِكُ المدمِّرَة مِن فِئةِ الانحِراف والضَّلال إخلالٌ بالدين والأرضِ والعِرض والإنسانِ والاقتصاد والمكتَسَبات وكلِّ مقوِّمات الحياة، كما أنّه يجب توظيف كلِّ الطاقات واستثمارُ كلِّ الإمكانات واضطِلاع كافّةِ القَنَوات في رِعايَة أمنِنا والحفاظِ على مكتَسَباتِنا، البيتُ والأسرة، المسجِد والمدرَسَة والجامِعَة، وسائلُ الإعلام وكلُّ المناشط والفاعليّات، يقظَةً وتعاونًا وتحذيرًا من كلِّ سلوكٍ مريب أو تصرّف مشبوه، فلا تعاطفَ ولا تستّرَ ولا تهاونَ، بل يقظَةٌ وحَزَم ونباهَة، لا يستغفِلُها بَراءَةٌ ساذجَة أو حُسنُ نِيّة مجرَّدة.

والدعوةُ موجَّهة لكل أبنائنا وأحبابِنا وشبابنا أن يتنبَّهوا لخطَر هذه المسالك المنحرفة والأفكار الضالّة ومَن يقِف وراءها، فقد سقَطَتِ الأقنعة بحمد الله، وبان المستور، ولم يعد خافيًا هذا الأمرُ على كلِّ ذي عَينَين.

ألا فاتقوا الله عبادَ الله، وكونوا جميعًا يدًا واحدة وعينًا ساهرة لأمنِ بلادكم ومكتَسبَاتِكم، واللهَ اللهَ في الثباتِ على منهَج الوسطية التي اختارَها الله لَكم في قوله سبحانه: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة: 143] ، فلا غلوَّ ولا جَفاءَ.

وقل للعيون الرُّمد: للشَّمس أعيُنٌ سِواكِ تراها فِي مغيبٍ ومطلِعِ

وسامِح عيونًا أطفأ اللَّه نورَها بأهوائها لا تستفيقُ ولا تعِي

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام: 82] .

واللهُ المسؤولُ أن يحفظَ بلادَنا وسائرَ بلاد المسلمين من كيدِ الكائدين وعُدوان المعتدين، وأن يحفَظَ علينا دينَنا وأمنَنا وعقيدتنا وقيادتَنا، وأن يَزيدَ رجالَ أمنِنا قوّةً وسدادًا وتوفيقًا ونجَاحًا، وأن يحسِنَ جزاءَهم ويُضاعف مثوبتَهم، إنه خَير مسؤول وأكرم مأمول.

بارك الله لي ولكم في الوحيين، ونفعني وإياكم بهدي سيِّد الثقلين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كلِّ ذنب، فاستغفِروه إنه كان غفّارًا، وتوبوا إليه إنّه كان توابًا.

الحمد لله، ألَّف بين قلوبِ المؤمِنين فأصبحوا بنِعمتِه إخوانًا، والصّلاة والسّلام الأزكيان الأشرَفان على الأسوَةِ الحسنة الذي جعَلَ الوحدةَ لأهل الإيمان عُنوانًا، صلّى الله وسلَّم وبارك عليه، وعلى آلِه الأطهار وصحابته الأبرار، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما تعاقَب الليل والنهار.

أمّا بعد: فاتقوا الله عباد الله، وأصلحوا ذاتَ بينكم، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [الأنفال: 1] .

معاشرَ الإخوة في الله، وثمَّةَ حدث ثانٍ ومَوقفٌ تأريخي آخَر، جديرٌ أن يُذكَر فيشكَر، لا زالَت ذِكراه نديّةً وآثارُه عَطِرةً شجِيّة، إنّه موقف الأخوَّةِ والاتفاق والمصالحة والوفاق الذي حصَل في رياضِ الوحدة والتوحيد بين إخواننا الأشقّاء في جمهوريّة السودان الشقيقة وجمهوريّة تشاد العرِيقَة، في رعايةٍ تأريخيّة موفَّقة من لدن وليِّ أمر هذه البلاد المباركة خادِمِ الحرمين الشّريفين، لا زالَ مكلوءًا مسدَّدًا ومِن الله موفَّقًا مؤيَّدًا.

إنَّ أمَّتَنا وهي تسيرُ في اللّيالي الداجيَة وتغدو على صَفيحٍ ساخن هادِية يُنصِت التاريخُ ليسجِّل في سجلِّ الوِفاقِ والاتِّفاق أنصعَ شهادة وأسمى رِيادة، ويسَّمَّعُ الكونُ ليدبِّجَ ما ناف عن العادَةِ تلك المبادرَة الكريمة الأثر الساطعة الغُرَر التي استعلَنَ فيها شامخًا جهيرًا قولُ الحقِّ تبارك وتعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الحجرات: 10] ، وقولُ المصطفَى: (( مثَلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحمِهم وتعاطفهم كمثَلِ الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائرُ الجسد بالسَّهر والحمى ) )خرجه الشيخَان من حديث النعمانِ بنِ بشير رضي الله عنهما.

لقد جاءَت هذه المبادرةُ التأريخيّة لتطوِيَ صفحةً مؤلمة طالمَا أرَّقتِ الغيورين، ولتكونَ بَلسَمًا يشفِي صدورَ المؤمنين، فنشَرَت تلك الوقفةُ الإيمانيّة الأخويّة الشجاعة الحقَّ والحكمة بين الفُرَقَاء، وزَرَعتِ البسمةَ على شفاه الأوِدَّاء، فآضوا مِن العَداءِ إلى الإخاء، ومِنَ الشَّحناء إلى الصَّفاء، ومن الجفاء والافتِراق إلى التسامح والوِفاق، لسان حالهم:

بحبل العروة الوثقى اعتَصَمنا فلا عاشَ المخالِفُ والكذوب

إنَّه حدَثٌ تاريخيّ انتَشَت برحيقه أمّةُ الإسلام، وبارَكَه دُعاة الوِفاق والسّلام، وهشَّ له رِجال السِّلم والوِئام، لم يَكُن عَوضَ طَيف خَيال أو عارضَ حال، إنما صدر عمَّن يُتَوَّج بجَدَارَةٍ في رِيادَةِ الإصلاحِ السّياسيِّ الإسلاميّ المعاصر، مَن شيَّعت قلبَه المفعَمَ العقيدَة وحقوقُ الأخوَّة الإيمانيّة الوطيدة، فسعى لإصلاح الفُرَقَاء في العراقِ وفلسطين ولبنان، وها هو يومَ أمسِ يَرعَى هذه المصالحةَ التأريخيّة العظيمة، دونَ ضَجيجٍ إعلاميِّ وعَجيجٍ فضائيّ، بل بكلِّ ثِقةٍ واقتدار، ودون مِنّة وزِرايَة، بل بإيمان وغَيرة على قضايا الأمّة، في صفحة ناصِعَة من سجِلِّ الدبلوماسيّة الإسلاميّة السعوديّة المتألِّقَة في حَلِّ الأزمات، ممّا بدا معه ولله الحمد والمنّة آثارُ الوِفاقِ ومآثرُه وإيجابيّاته ومفاخِره، اتِّفاقٌ بين الأحِبّاء، وصُلحٌ بين الأشِقّاء، وحَقنٌ لزاكِي الدماء، وتفرّغٌ للإعمَارِ والبناء، وإقالَةٌ للعاثِر، وإشاعةٌ للمآثر، وإذابةٌ للجليد، في وئامٍ صادق فريد ينتَظِم إخوانَنا في سودانِ العراقةِ والإسلامِ والحضارة والتأريخ وتشاد البَلَدَين المسلِمَين العريقَين الجارَين صفًّا واحدًا، يسُرّ النواظِر كتألُّف الزّهرِ الناضِر.

لُغةُ الوفاء شريفةٌ كلماتُها فيها عن الحبِّ الأصيل بيان

إننا من مِنبر المسجِد الحرام لننادِي أمّةَ الإسلام ودعاةَ السلام بأنَّ هذا الوفاق والتعاهدَ والاتفاق والتصالحَ والميثاق لهو رسالةٌ نورانيّة للعالم أجمع والإنسانيّة قاطبة، نقول: هذا دينُنا، دين التسامُح والصّفاء والتصالح والإخاء، هذه حضارتُنا، هذا تأريخُنا، فنحن دعاةُ إسلامٍ وسلام ورسالةٍ ومُثلٍ وقِيَم ووئام.

نعم، إنَّ في هذا الإنجازِ الأخويِّ الباهِر إيذانًا جليًّا ظاهِرا بانبِلاج فجرٍ جديد في حلِّ قضايانا المعاصرة مهما ادلهمَّت الخطوب وكثرت الكروب، إنها جهود عمليّةٌ تطبيقيّة ووَثَبات فعليّة إيجابية تُعَدّ أنموذجًا مبجَّلًا لحلِّ سائر قضايا أمَّتنا عن طريق الإصلاح والوِفاقِ والائتِلاف، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران: 103] ، وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال: 46] .

ولا يسَع المسلمَ الغيورَ إلا أن يدعوَ ويهنِّئ من كَان سببًا بعدَ الله في رِعايةِ هذا الوِفاق المبارك الذي وفَّى بحقوقِ الأخوة وأتمَّ وانتشَل قضيّةَ إخواننا من بركان ألمَّ، فبارك الله مساعِيَه، وضاعَفَ مثوبَتَه، وبُوِّئ عن صالح إمامَتِه من الجِنان منازلًا، ولا زالَ لسائر قضايا أمَّتنا كَميًّا مُنازِلًا.

كما أنّنا باسمِ الشّعوبِ الإسلاميّة جميعًا نبارِك لإخواننا في السّودانِ وتشاد حُكومةً وشعبًا هَذَا الاتِّفاقَ التأريخيَّ العظيم والإنجازَ الإسلاميّ الكبير، ونذكِّر بعدَ أن أتمَّ البارِي مِن قَضيَّتهم مواقعَها وجَلّى مواقفَها وأنهَضَ كَابِيَها وأصلَحَ نابِيَها يأتي شأنُ الحفاظِ على هذا الاتِّفاق والثَّباتِ على بنودِ هذا الِوفاق وتفعيلِها واقعًا عمليًّا محسوسًا وعلى أرض الواقِع مطبَّقًا ملموسًا، وهذا الظنُّ بهم بحمد الله، وهم أهلُه بفضل الله، فاللهَ اللهَ بالثبات ـ يا أحبَّتَنا ـ على مبدَأ الوِفاق والاتِّفاق.

هذا وصلّوا وسلِّموا ـ رحمكم الله ـ على الرحمةِ المهداة والنِّعمة المسدَاة، نبيِّكم محمّد بن عبد الله، كما أمركم بذلك ربّكم جلّ في علاه، فقال تعالى قولًا كريمًا: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56] .

اللّهمّ صلِّ وسلِّم وبارك على النبيِّ المصطفَى والرّسول المجتبى والحبيبِ المرتَضَى نبيِّنا محمّد بن عبد الله...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت