فهرس الكتاب

الصفحة 698 من 5777

شجرة الإيمان

العلم والدعوة والجهاد

أمثال القرآن والسنة, القتال والجهاد

عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري

المدينة المنورة

قباء

"العمل والجهاد من صميم الإيمان - أهمية العمل والجهاد - مثلان للإيمان في كتاب الله نواقض الإيمان - أمثلة لأهمية العمل"

أما بعد:

فقد بينا أن دعوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان بنيت على أربعة مبادئ وهي العلم والتوحيد والعمل والجهاد قد ذكرنا بعض حقائق عن العلم ثم ذكرنا بعض الحقائق عن التوحيد ونتحدث اليوم بإذن الله عن المبدأين الأخيرين العمل والجهاد فالعمل والجهاد من صميم الإيمان ومن دعائم الإسلام الإيمان والتوحيد بالقلب وبالجوارح أما ما كان بالقلب فقط ولم يظهر أثره على الجوارح فلا قيمة له ولا اعتبار بل لابد أنها الغفلة العمل والجهاد هما أثر الإيمان وثمرة التوحيد فإن الإيمان ليس شيئا ميتا إنه قوة ربانية وطاقة نورانية محركة إذا استقرت في القلب ظهر أثرها حالا على الجوارح على أقوال الإنسان وأفعاله وحركاته وسكناته الإيمان قوة وطاقة ربانية محركة تغير كيان الإنسان وتصنع منه كيانا جديدا فمن توهم أن الإيمان في القلب فقط أوأن التوحيد بالقلب فقط دون أن يكون له أثرا على الأعمال فقد توهم أن الإيمان شيء ميت ومن توهم ذلك لم يعرف حقيقة الإيمان أبدا في كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم ضرب للإيمان مثلين ضرب له مثل الشجرة الطيبة وضرب له مثل بالجمل بالإبل أما المثل الأول ففي قوله تعالى: ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون [إبراهيم:24-25] . وهذه الشجرة المشار إليها في هذه الآية هذه الشجرة الطيبة هي النخلة فسرها بذلك سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح [1] عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فالنخلة هذه الشجرة الطيبة لها جذور وعروق ثابتة في أعماق الأرض ولها جذع ولها فروع وأغصان شامخة في السماء فكذلك الإيمان الإيمان كالنخلة له أصول وجذور ثابتة في أعماق قلب كل مؤمن ولها جذع ولها أوراق وفروع مرتفعة نحوالسماء أما جذع الإيمان وأصول الإيمان في قلب كل مؤمن فهوالتوحيد وأما جذع شجرة الإيمان وفروعها وأغصانها فهي أعمال الإيمان وأعمال الإيمان هذه تتفاوت فمنها من لا يكون الإيمان بدونه، لا يتصور الإيمان بدونه، كالأركان الخمسة الشهادتين والصلاة والزكاة والصوم والحج فهذه الأركان لا تقوم للإيمان قائمة بدونها فهي كالجذع من شجرة الإيمان إذا قطع ذلك الجذع سقطت شجرة الإيمان،وماتت، وهناك من أعمال الإيمان ما لا يفوت الإيمان بدونه إذا فقد لا يهدم الإيمان ولكن ينقص الإيمان بنقصانه وتلك الأعمال كالفروع والأغصان لشجرة الإيمان وأعلى هذه الفروع وأعلى هذه الأغصان الجهاد ومن تلك الفروع والأغصان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسائر الواجبات والمندوبات، فكل ما ازداد المؤمن، كلما أتى المؤمن بشيء من تلك الأعمال، ازدهرت شجرة إيمانه ونمت وترعرعت وتلألأت أنوارها ودنت قطوفها وثمارها، وهناك آفات وعلل خاصة للإيمان قد تطرأ على شجرة الإيمان فتصيبها بالوهن والضعف هذه الآفات والعلل هي المعاصي والكبائر منها على وجه الخصوص، إذا أتى المؤمن شيئا منها أضعفت شجرة إيمانه وأصابتها بالوهن وكلما ازداد اقتراف تلك المعاصي كلما ازداد ضعف شجرة الإيمان حتى يخشى عليه من ذهابها وزوالها وبعض تلك الآفات والعلل بمجرد أن يطرأ على شجرة الإيمان يقضي عليها فمثلا الشك والشبهة والريب إذا استقر شيء من ذلك في قلب المؤمن احرق شجرة إيمانه من أصولها وجذورها وقضى عليها بالكلية ومنه الشرك الأكبر إذا وقع في شباكه المؤمن قضى على شجرة إيمانه قضاءا مبرما وذهب بها هباء منثورا، ومثل هذه الآفات المهلكة لشجرة الإيمان انتاقص شيئا من أمور الدين أوالسخرية بأمر من أمور الدين أوالاستهزاء بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أوالاستهزاء بشيء من آيات القرآن الكريم كل هذه الآفات إذا خطرت على الإنسان عصفت بشجرة إيمانه وأحرقتها وقضت عليها بالكلية ومن أعظم هذه الآفات التي تقضي على شجرة الإيمان الكبر فالكبر إذا استقر في قلب العبد الكبر عن الطاعة والامتثال لأوامر الله تعالى إذا استقر في قلب العبد فإنه يلحق بإبليس كسلفه إنما أهلكه الاستكبار على الاستسلام والانقياد والافتخار بالنفس وإلا فهومن أعلم الخلق بربه هومن أعرف الخلق بربه علما ومعرفة وتصديقا بربه ولكن أهلكه الاستكبار على الانقياد والاستسلام قال تعالى: فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي استكبرت أم كنت من العالين قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين [ص:73-76] . وقال سبحانه وتعالى: قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين قال انظرني إلى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين قال فبما اغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين قال اخرج منها مذءومًا مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين [الأعراف:12-18] .

فمن استكبر عن الطاعة والامتثال والانقياد لله ورسوله يلحق بسلفه إبليس في جهنم وبئس المصير خفي على أقوام حقيقة شجرة الإيمان فتوهموا أنه يمكن أن تقوم هذه الشجرة بجذعها وفروعها وأغصانها دون أن تكون لها أصول أوجذور ثابتة في قلب المؤمن فهم يصرفون عنايتهم إلى تحسين تلك الفروع والأغصان صرفوا عنايتهم إلى الأعمال والفضائل وتركوا التوحيد أهملوا أن يثبتوا التوحيد في القلوب وهوأصل الإيمان وجذعه وصرفوا عنايتهم للفروع والأغصان فكيف تقوم لشجرة الإيمان قائمة بلا جذوع ولا أصول تكون ثابتة في أعماق القلب كما أن هناك آخرين جهلوا حقيقة شجرة الإيمان هذه فتوهموا أنها يمكن أن تعيش بأصولها وجذورها فقط دون أن تكون لها فروع وأغصان شامخة مرتفعة نحوالسماء فقالوا الإيمان في القلب وهم لاهون عن الواجبات والفروض غارقون في المعاصي والمنكرات وقالوا التوحيد في القلب وهم غافلون عن مستلزمات التوحيد غارقون في الشرك والمبتدعات نقول لهؤلاء وهؤلاء أن معرفة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله والتصديق بذلك بالقلب لا يكفي أبدا بل إن حب ذلك والتلهف عليه لا يكفي أبدا حتى يصحب ذلك الانقياد والامتثال لأمر الله وأمر رسوله وحتى يصدق ما في قلب العبد العمل حتى يصدق العمل ما في القلب من انقياد وامتثال لأمر الله وأمر رسوله فهؤلاء أهل الكتاب كانوا يعرفون سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم مصدقين بنبوته وبأن ما جاء به الحق لكنهم استكبروا عن اتباعه صلى الله عليه وسلم فبقوا كافرين بل كان بعض اليهود في المدينة يأتي إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خلسة فيجلس إليه ويبكي بين يديه ويظهر له التصديق بنبوته ويتبرك به وبدعائه صلى الله عليه وسلم فإذا طلب منه رسول الله أن يتبعه أبى وتمرد على الاتباع فهل أغنى عنه هذا التصديق شيئا بل لم يغني عنه أي شيء وبقي ذلك اليهودي يهوديا كافرا هرقل عظيم الروم صدق بنبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وبأن ما جاء به حق بل واشتاق إلى لقائه صلى الله عليه وسلم وتلهف على لقائه وتمنى أن يصل إليه فيغسل الأرض تحت قدميه [2] صلى الله عليه وسلم لكنه لم يفعل مع مقدرته على ذلك لم يتبع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أبى أن ينقاد لأمره وأن يمتثل لأمره فهل أغنى عنه تصديقه وما وقع في قلبه من التصديق شيئا بل هل أغنت عنه لهفته للقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بل هل أغنى عنه حبه هذا لم يغني عنه شيئا وبقي هرقل عظيم الروم كافرا بينما النجاشي رحمه الله لما بلغه أمر النبي صلى الله عليه وسلم على لسان أصحابه وعلى رأسهم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين بكى حتى ابتلت لحيته بدموعه وآمن وصدق برسول الله صلى الله عليه وسلم وامتثل لأمره وأوى أصحاب رسول الله وأكرمهم ومنعم من عدوهم بل لم يكتف بذلك رحمه الله بل أرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: إن أمرتني قدمت عليك وسجدت بين يديك فلم يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وأخبر أنه أسلم وحسن إسلامه بل لما بلغه أنه مات صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الغائب [3] فما الفرق بين هرقل والنجاشي كلاهما صدق بقلبه وعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم صادق في نبوته وأن ما جاء به الحق إلا أن النجاشي إيمانه صحيح لأنه أثمر شيئا عظيما هوالامتثال والانقياد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هرقل أعرض عن الانقياد وعن اتباع رسول الله غلبه حبه للملك والسلطان فلم يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يمتثل أمره فإذا فهمنا هذا فإن السر في تفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم للإيمان في الحديث الذي في الصحيح قال صلى الله عليه وسلم: (( أتدرون ما الإيمان بالله وحده ) ) [4] ثم أجاب صلى الله عليه وسلم فقال: (( شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإيقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تعطوا الخمس من المغنم ) )ولم يكن الحج قد فرض بعد ففسر رسول الله صلى الله عليه وسلم حقيقة الإيمان بالامتثال والانقياد.

فسر الإيمان بالأعمال وأهم تلك الأعمال لهي الأركان وذكر الجهاد في صياغته إلى الخمس من المغنم صلى الله عليه وسلم ولذلك ذكر إمام المحدثين الإمام البخاري [5] رحمه الله فقال: الإيمان هوالأعمال ثم ذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سؤل: أي الأعمال أفضل فقال صلى الله عليه وسلم: (( الإيمان بالله ورسوله ) )قيل ثم ماذا؟ قال: (( الجهاد في سبيل الله ) )قيل: ثم ماذا؟ قال: (( الحج المبرور ) )صلى الله عليه وسلم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هوالغفور الرحيم.

[1] أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب العلم (1/61) .

[2] أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب بدء الوحي (1/8) .

[3] أخرجه البخاري في كتاب الجنائز (1/447) .

[4] أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب أداء الخمس من الإيمان (1/29) برقم (53) .

[5] أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان باب من قال إن الإيمان هوالعمل (1/18) برقم (26) .

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئا.

أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار واعلموا أن الجماعة هي التمسك بالكتاب والسنة وبمنهج الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين. يا ابن آدم أحبب من شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك ملاقيه وكن كما شئت فكما تدين تدان ثم صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال جل من قائل: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا [الأحزاب:56] . وقال صلى الله عليه وسلم: (( من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشرا ) ) [1] . اللهم صلي وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد وارضَ اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة أبى بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين عثمان وأبي السبطين علي وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين وعن الصحابة أجمعين وعن التابعيين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.

[1] أخرجه مسلم في صحيحه في الصلاة باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد التشهد (1/306) رقم (408) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت