العلم والدعوة والجهاد
أحاديث مشروحة
رضا بن محمد السنوسي
مكة المكرمة
السنوسي
1-نص الحديث. 2- نصر الله نبيه بالرعب. 3- أذن الله لأمة الإسلام بأن تصلي حين شاءت.
4-أحلت لنا الغنائم. 5- شفاعة النبي العظمى يوم القيامة. 6- عموم رسالته.
أما بعد:
أحبابنا في الله:
أخرجه البخاري: (335) بسنده عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي قال: (( أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت للناس عامة ) ).
خصائص الرحمة المهداة كثيرة وعظيمة، فهي تدل على شرفه ومكانته وعلو مقامه، وما خصه به مولاه سبحانه من الخصائص الكثيرة التي تزيد عن ستين خصلة، منها هذه الخصائص الخمس التي ذُكرت في هذا الحديث العظيم، وهذا يدل على شرفه وشرف هذه الأمة المحمدية التي أعطي نبيها منحًا إلهية كثيرة ليكون خاتم الأنبياء وأفضلهم، وتكون أمته خير الأمم وأفضلها، ولنا مع هذا الحديث وقفات عدة.
الوقفة الأولى: قوله: (( نصرت بالرعب مسيرة شهر ) ).
لقد كان النصر في المعارك دائمًا مع النبي ، فعناية الله ترعى نبيه في كل المواطن، وما حصل في بعض الغزوات من انكسار للمسلمين إنما كان تعليمًا لهم لأمر أراده الله بهم، ففي أحد لما خالفوا أمر النبي وقعت لهم الهزيمة، وفي حنين لما أعجبوا بكثرتهم وقعت لهم الهزيمة، ثم جاء النصر من عند الله سبحانه.
والرعب هو الخوف الذي يقذفه الله في قلوب أعداء النبي ، فإنه ما إن يعلم أهل الكفر بخروجه إليهم حتى يدب الرعب في قلوبهم، ولو كانوا بعيدين عنه، ولهذا يقول ابن حجر رحمه الله: وهذه الخصوصية حاصلة له على الإطلاق حتى ولو كان وحده بغير عسكر. [فتح الباري: 1/576] .
وشاهد هذا حاصل في غزوة حنين حينما ثبت على فرسه قائلًا:
(( أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب ) )
وصدق مولانا: سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ ?لرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِ?للَّهِ مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سُلْطَـ?نًا [آل عمران:151] .
وهذا الرعب الذي يقذف في قلوب الأعداء من الجند المسخرة لنبينا ، فالملائكة معه، والإنس والجن معه، والرياح معه، وكل ما في الكون من جند الله هو ناصر لرسوله.
الوقفة الثانية: قوله: (( وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ) ).
لقد كانت الأمم قبل نبينا محمد إنما يصلون في البيع والكنائس، أما هذه الأمة فقد أكرمها الله، وخفف عنها، ويسر لها، فهي تصلي في أي موضع من الأرض تصلح الصلاة فيه، فهي تصلي في الصحراء، وفي الطرقات، وفي المساجد، وفي سائر المواضع التي تتاح فيها الصلاة، رحمة من الله وفضلًا.
ومما زاد - سبحانه - بفضله على هذه الأمة أن جعل الصعيد طهورًا لها، فهي تتيمم إذا لم تجد الماء، وصدق مولانا: فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيّبًا فَ?مْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مّنْهُ مَا يُرِيدُ ?للَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مّنْ حَرَجٍ وَلَـ?كِن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة:6] .
الوقفة الثالثة: قوله: (( وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لنبي قبلي ) ).
الغنائم هي ما يغنمه الجيش من العدو من سلاح وأموال وأمتعة وغير ذلك، مما يتركه العدو في أرض المعركة بعد هزيمته، ولقد كانت هذه الغنائم محرمة على الأمم السابقة فلا تأخذ منها شيئًا، بل كانت تجمع وتحرق. أخرج البخاري: (3123) بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه في حديث طويل فقال عن نبي غزا من الأنبياء، قال: (( فجمع الغنائم فجاءت - يعني النار - لتأكلها، فلم تطعمها، فقال: أن فيكم غلولًا فليبايعني من كل قبيلة رجل، فلزقت يد رجل بيده، فقال: فيكم الغلول فليبًا يعني قبيلتك، فلزقت يد رجلين أو ثلاثة بيده، فقال: فيكم الغلول، فجاءوا برأس بقرة من الذهب فوضعوها، فجاءت النار فأكلتها، ثم أحل الله لنا الغنائم، رأى ضعفنا وعجزنا أحلهما لنا ) ). وصدق مولانا: فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَـ?لًا طَيّبًا وَ?تَّقُواْ ?للَّهَ إِنَّ ?للَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [الأنفال:69] .
الوقفة الرابعة: قوله: (( وأعطيت الشفاعة ) ).
لقد خص نبينا بالشفاعة العظمى في يوم الفزع الأكبر في ذلك اليوم الذي تذهل كل مرضعة عما أرضعت، ويكون الناس سكارى، وما هم بسكارى في هذا اليوم الذي يشيب فيه الولدان، يشفع الرحمة المهداة لجميع الخلق لفصل القضاء، فإن الناس لما يطول بهم الوقوف، والشمس قد دنت منهم فيصيبهم من حرها الشيء الكثير، فمنهم من أصاب العرق حقويه، ومنهم من يلجمه العرق، في ذلك اليوم يفزع الخلائق لأنبياء الله عليهم السلام، يطلبون منهم الشفاعة إلى الجبار - سبحانه - في فصل القضاء، فيبرز لها الحبيب المحبوب ، يشفع إلى مولانا الكريم في ذلك اليوم العظيم.
واسمع إلى من أعطي الشفاعة ، وهو يصف ذلك اليوم، أخرج البخاري: (4712) بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتي رسول الله بلحم فرُفع إليه الذراع - وكانت تعجبه - فنهس منها نهسة، ثم قال: (( أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون مم ذلك؟ يُجمع الناس - الأولين والآخرين - في صعيد واحد يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، وتدنوا الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون، ولا يحتملون، فيقول الناس: ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: عليكم بآدم، فيأتون آدم عليه السلام، فيقولون له: أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم: إن ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة، فعصيته، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحًا، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى عليهم أفضل الصلاة والسلام، فيأتون محمدًا فيقولون: يا محمد، أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ فأنطلق، فآتي تحت العرش، أقع ساجدًا لربي، ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئًا لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال: يا محمد، ارفع رأسك، سل تعطه، واشفع تشفع، فأرفع رأسي، فأقول: أمتي يا رب، أمتي يا رب، فيقال: يا محمد، أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء فيما سوى ذلك من الأبواب ) ). اللهم أدخلنا الجنة من الباب الأيمن مع الحبيب بفضلك وإحسانك.
أحبتي في الله: هذه بعض خصائص الحبيب ، ذكرتها لكم لتقفوا على مكانة هذا النبي الكريم بمن مولانا أرحم الراحمين، اللهم ارزقنا كمال الاتباع وحسن الاقتداء.
الحمد لله حمدًا كثيرًا.. أما بعد:
إخوة الإسلام:
الوقفة الخامسة: قوله: (( وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة ) ).
إن رسالة نبينا محمد رسالة عامة شاملة تشمل الثقلين الإنس والجن، وهي رسالة للعرب والعجم لا فرق بينهم في شمولهم بهذه الرسالة، وهذه الخاصية لنبينا محمد لم يشاركه فيها أحد من الأنبياء السابقين فرسالتهم خاصة إلى أقوامهم، فإذا مات النبي انتهت رسالته، وبعث نبي غيره، أما رسولنا فهو رحمة للعالمين وهدايته للخلق أجمعين، وشريعته ناسخة لما قبلها من الشرائع، ودعوته قائمة إلى قيام الساعة، لا نبي بعد، ولا دين إلا دين الإسلام، قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَـ?كَ إِلاَّ كَافَّةً لّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَـ?كِنَّ أَكْثَرَ ?لنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [سبأ:28] .
فاعرفوا - عباد الله - الواجب المنوط بكم بالدعوة إلى هذا الدين، وكونوا دعاة صادقين وأسوة صالحين، تدعون لهذا الدين الخاتم تفلحوا وتسعدوا وتفوزوا بدار النعيم. اللهم اجعلنا هداة مهتدين.
ثم صلوا وسلموا على البشير النذير والسراج المنير، فقد أمركم بذلك مولانا في محكم التنزيل: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .