فهرس الكتاب

الصفحة 5396 من 5777

أشراط الساعة(4): نزول عيسى عليه السلام

الإيمان, الرقاق والأخلاق والآداب

أشراط الساعة, الفتن

مهران ماهر عثمان نوري

الخرطوم

خالد بن الوليد

1-وصف عيسى عليه السلام. 2- الأدلة من القرآن على نزول عيسى آخر الزمان قبل قيام الساعة. 3- الأدلة من السنة على نزول عيسى. 4- أقوال العلماء في ذلك.

أما بعد: فإنَّ من أشراط الساعة الكبرى نزول عيسى عليه السلام، ولا إيمان لمن لم يؤمن بذلك؛ لتواتر النقل عن رسول الله به كما سيأتي بيانه.

عباد الله، في الليلة التي عُرِج فيها بالنبي رأى عيسى عليه السلام فنعته لأمته، فجاء في نعته أنه رجل رَبْعةٌ، والرَّبْعَةُ: معتدل الطول ليس بالطويل ولا بالقصير، عريض الصدر، آدم أي: أسمر، وأنه أحمر، ولا منافاة بين الروايتين، فعيسى عليه السلام أسمر وفي سمرته حمرة، وهو جَعد أي: الخشن شعره أو المجتمع بعضه إلى بعض، وشعره لِمَّةٌ، واللِمَّة من استرسل شعره إلى شحمة أذنيه، فإن بلغ منكبيه فهو جُمَّةٌ.

وقد دلَّت ثلاث آيات على نزوله قبل قيام الساعة:

الآية الأولى: قوله تعالى: وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا [النساء: 157-159] .

يقول العلامة ابن كثير رحمه الله:"والضمير في قوله: قَبْلَ مَوْتِهِ عائد على عيسى عليه السلام، أي: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى، وذلك حين ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة على ما سيأتي بيانه، فحينئذ يؤمن به أهل الكتاب كلهم؛ لأنه يضع الجزيةَ ولا يقبل إلا الإسلام"، فيضع الجزية لأنهم يدخلون في الإسلام.

والضمير في قوله تعالى: إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ راجع لعيسى عليه السلام كما قال ابن كثير، ويؤيد هذا ما يلي:

1-أن هذا هو الظاهر وبه تنسجم الآيات.

2-أن على هذا القول يكون مُفَسَّرُ الضمير ملفوظًا به، وإذا اخترنا غير ذلك احتاج الكلام إلى تقدير، وحمل الكلام على ما لا يحتاج إلى تقدير هو الأصل.

3-الأحاديث التي تبين نزوله آخر الزمان كما سيأتي.

4-أن هذا قول الأكثرين، قال الحافظ في الفتح (6/492) :"وبهذا جزم ابن عباس فيما رواه بن جرير من طريق سعيد بن جبير عنه بإسناد صحيح، ومن طريق أبي رجاء عن الحسن قال: قبل موت عيسى، والله إنه الآن لحي ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون. ونقله عن أكثر أهل العلم، ورجحه ابن جرير وغيره".

وهو الظاهر من حديث أبي هريرة الذي سيأتي معنا.

الدليل الثاني من القرآن قوله تعالى: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ [الزخرف: 57-61] . وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ أي: نزوله علامة من علامات الساعة، قال ابن عباس رضي الله عنهما وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ قَالَ: (هُوَ خُرُوجُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلام قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ) أخرجه أحمد. وقال القرطبي رحمه الله:"وقرأ ابن عباس وأبو هريرة وقتادة ومالك بن دينار والضحاك: وإنه لعَلَمٌ للساعة، بفتح العين واللام، أي: أمارة".

وأما الدليل القرآني الثالث فقوله تعالى عن عيسى عليه السلام: وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ [آل عمران: 46] ، وقد ذكر لنا كلامُه في مهده: قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا [مريم: 30-33] . وأما كلامه حال كهولته فعندما ينزل آخر الزمان، فقد أورد الطبري عن ابن زيد رحمه الله:"قد كلمهم عيسى في المهد، وسيكلمهم إذا قتل الدجال، وهو يومئذ كهل". ونقل البغوي عن الحسين بن الفضل في تأويل قوله تعالى: وَكَهْلًا قال:"بعد نزوله من السماء". وقال البيضاوي:"وَكَهْلًا: بعد نزوله". ونقل ذلك ابن الجوزي عن ابن عباس رضي الله عنهما.

وأما الأدلة من السنة النَّبوية فأكثر من أن تحصر في هذا المقام، ولكني أذكر منها ما يلي:

الحديث الأول: عن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: (( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ، حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ) )، قال أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا أخرجه البخاري ومسلم. فبين النبي عليه السلام في هذا الحديث أنه ينزل آخر الزمان، فيسود العدل ويدعو إلى الإسلام. وقد فسر أبو هريرة الآية بنزول عيسى آخر الزمان وإيمان أهل الكتاب به؛ لأنه لا يقبل إلا الإسلام.

ومن الأحاديث ما جاء عن أبي هريرة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: (( كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ؟! ) )أخرجه البخاري ومسلم.

ومنها قوله عليه السلام: (( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ عليه السلام حَكَمًا مُقْسِطًا ) )أخرجه البخاري ومسلم.

ومنها حديث حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيِّ قَالَ: اطَّلَعَ النَّبِيُّ عليه السلام عَلَيْنَا وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ، فَقَالَ: (( مَا تَذَاكَرُونَ؟ ) )قَالُوا: نَذْكُرُ السَّاعَةَ، قَالَ: (( إِنَّهَا لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْنَ قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ: الدُّخَانَ، وَالدَّجَّالَ، وَالدَّابَّةَ، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَنُزُولَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عليه السلام، وَيَأَجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَثَلَاثَةَ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنْ الْيَمَنِ تَطْرُدُ النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمْ ) )أخرجه مسلم.

ومن الأحاديث في ذلك قوله عليه السلام: (( عِصَابَتَانِ مِنْ أُمَّتِي أَحْرَزَهُمَا اللَّهُ مِنْ النَّارِ: عِصَابَةٌ تَغْزُو الْهِنْدَ، وَعِصَابَةٌ تَكُونُ مَعَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِمَا السَّلام ) )أخرجه أحمد والنسائي.

ومنها قوله عليه السلام: (( لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ ـ يَعْنِي عِيسَى عليه السلام ـ ، وَإِنَّهُ نَازِلٌ ) )أخرجه أبو داود.

فكيف لإنسانٍ يؤمن بالله أن ينكر هذه الأحاديث؟! ألا لا إيمان لمن أنكر هذه الأحاديث، وسأورد من كلام علمائنا رحمهم الله ما يدل لذلك.

عباد الله، إنَّ أحاديث نزول عيسى عليه السلام بلغت حدَّ التواتر، وهذه أقوال بعض علمائنا رحمهم الله التي تدل لذلك:

قال الإمام الطبري رحمه الله بعد ذكر الخلاف في مسألة وفاة عيسى عليه السلام:"وأولى هذه الأقوال بالصحة عندنا قول من قال: معنى ذلك: إني قابضك من الأرض ورافعك إلي؛ لتواتر الأخبار عن رسول الله أنه قال: (( ينزل عيسى ابن مريم فيقتل الدجال ) )".

وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله:"وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله عليه السلام أنه أخبر بنزول عيسى عليه السلام قبل يوم القيامة إمامًا عادلًا وحكمًا مقسطًا".

وقال العلامة صديق حسن خان بعدما أورد أحاديث نزوله عليه السلام:"جميع ما سقناه بالغ حدَّ التواتر كما لا يخفى على من له فضل اطِّلاع".

وللشيخ العلامة محمد أنور شاه الكشميري كتاب: (التصريح بما تواتر في نزول المسيح) .

وقال الغُماري:"تواتر هذا ـ أي: أحاديث نزول عيسى عليه السلام ـ تواترًا لا شكَّ فيه، بحيث لا يصح أن ينكره إلا الجهلة الأغبياء؛ كالقاديانية ومن نحا نحوَهم".

وقال في عون المعبود:"تواترت الأخبار عن النبي عليه السلام في نزول عيسى ابن مريم من السماء بجسده العنصري إلى الأرض عند قرب الساعة، وهذا هو مذهب أهل السنة".

وقال العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله:"نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان مما لم يختلف فيه المسلمون؛ لورود الأخبار الصحاح عن النبي عليه السلام بذلك، وهذا معلوم من الدين بالضرورة، لا يُؤمِنُ من أنكره". ماذا تقول يا إمام؟! لم يختلف فيه المسلمون؟! إذًا فمن أنكر ذلك فليبحث عن موضعٍ لقدميه؛ فإنه ليس بمسلمٍ.

وقال الشيخ الألباني رحمه الله:"اعلم أن أحاديث الدجال ونزول عيسى عليه السلام متواترة يجب الإيمان بها".

بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم، ونفعنا بما فيه من آيات وذكر حكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه غفور رحيم.

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت