التوحيد
أهمية التوحيد
عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري
المدينة المنورة
قباء
عصمة من شهد الشهادتين , وتأكيد النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك - زوال عصمة من
أتى بناقض للشهادتين ودليل ذلك - حال المجتمعات الإسلامية اليوم مقارنة بمانعي الزكاة
على عهد الصديق رضي الله عنه , والواجب تجاه ذلك - حقيقة الإيمان ولوازمه
أما بعد...فإن عنوان الإسلام هو لا إله إلا الله محمد رسول الله فمن نطق بكلمة التوحيد هذه صار مسلمًا وثبتت له العصمة في دمه وماله، وأما أمر قلبه فموكول إلى علام الغيوب قال سيدنا رسول الله:- (( أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ) ) [1] .
وفي رواية: (( حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ) ) [2] .
وقد عظم النبي حرمة أهل لا إله إلا الله وشدد النفير على من أخل بهذه الحرمة وإن كان مجتهدًا يقصد الخير ومصلحة المسلمين.
فقد غضب النبي على حبّه وابن ِحبّه أسامة بن زيد رضى الله تعالى عنهما غضب عليه لما بلغه أنه قتل رجلًا من مقاتلي المشركين بعد أن نطق بكلمة التوحيد.
ففي الصحيحين [3] عن أسامة بن زيد رضى الله عنهما قال:- بعثنا رسول الله في سرية - في غزوة في جهاد - يقول أسامة:- فصبحنا الحرقات من جهينة - قبيلة من القبائل - قال:- فأدركت رجلًا فقال لا إله إلا الله فطعنته ثم وقع في نفسي من ذلك فذكرته للنبي فقال: (( أقال لا إله إلا الله وقتلته ) )؟ قال أسامة: يا رسول الله إنما قالها خوفًا من السلاح. فقال النبي: (( أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا ) ).
قال أسامة رضى الله عنه:- فما زال النبي يكررها علىّ حتى تمنيت أني أسلمتُ يومئذ.
وفي رواية في صحيح [4] مسلم عن جندب بن عبد الله رضى الله عنه أنه وصف ذلك الرجل الذي قتله أسامة فقال:- كان إذا شاء أن يقتل رجلًا من المسلمين تصدى له فقتله، فتبعه رجل من المسلمين قصد غفلته كنا نُحدّث أنه أسامة بن زيد يقول جندب:- كنا نُحدَّث أنه أسامة بن زيد فلما رفع عليه السيف قال الرجل: لا إله إلا الله فقتله أسامة. فجاء البشير بعد ذلك إلى النبي فأخبره بخبر تلك الغزوة حتى أخبره بخبر الرجل وما صنع معه أسامة وما صنع هو من قوله: لا إله إلا الله فدعا سيدنا رسول الله حبه أسامة بن زيد وسأله: (( لم قتلته ) )؟ فقال أسامة:- يا رسول الله أوجع في المسلمين، أي أثخن فيهم القتل وقتل فلانًا وفلانًا وسمى فيه نفرًا من أصحاب رسول الله ، فلما رفعت عليه السيف قال: لا إله إلا الله خوفًا من السلاح - كما جاء في الرواية الأولى - فقال له النبي:- (( أقتلته؟ ) )قال أسامة بن زيد:- نعم. قال النبي:- (( فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة ) ). فقال أسامة بن زيد:- يا رسول الله استغفر لي. فقال النبي:- (( فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة ) ). قال جندب:- فجعل النبي لا يزيد على أن يقول لحبه أسامة: (( فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة ) )؟
فدلت الأحاديث على عظم حرمة من قال: لا إله إلا الله ودخل منها في زمرة أهل التوحيد، فإننا ملزمون بالأخذ بظاهره وإثبات العصمة له عصمة الدم والمال وأما أمر القلوب فموكول إلى علام الغيوب فما دام قد أعلن بعنوان الإسلام فقد ثبتت له العصمة في دمه وماله حتى يظهر خلاف ذلك.
لكن من قال: لا إله إلا الله وأظهر ما يضادها ويناقضها من قول أو فعل فإن العصمة والحرمة الثابتتين له تسقطان بذلك، وكذلك من انتهك حقًا من حقوق لا إله إلا الله سقط من حرمته وعصمته بحسب ما انتهك من حقوقها لذلك قال النبي: (( إلا بحقها ) )، فإن قالوا عصموا مني دمائهم وأموالهم، إلا بحقها، ومن حقوق لا إله إلا الله أن لا يأتي صاحبها بما يسقط عصمة ماله أو عصمة دمه، ومما يسقط عصمة الدم واحد من ثلاث كما قال النبي: (( لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس والثيب الزاني والمفارق دينه تارك الجماعة ) ) [5] ، فمن اقترف واحدًا من هذه الثلاث فقد سقطت عصمت دمه بحسب ما اقترف سواءً كفر أم بقي مسلمًا، فأما القاتل والثيب الزاني فتسقط حرمة دمهما ويبقيان مسلمين على أصل الإيمان وأما المفارق لدينه فتسقط حرمة دمه كفرًا وهو مرتد خارج من الملة، وقد قرع النبي على هذا القسم الثالث التارك للجماعة والمراد بالجماعة ما أجمع عليه المسلمون وعرف من الدين بالضرورة فإن انتهك شيئًا مما أجمع عليه المسلمون وعُرف من الدين بالضرورة وخرج على ذلك سقطت حرمة دمه سواءً رجع عن كفره أو بقي مسلمًا لذلك قاتل الصديق أبو بكر رضي الله عنه خليفة رسول الله قاتل تاركي الزكاة ومانعيها لأنهم تركوا الجماعة وسقطوا في أمر معلوم من الدين بالضرورة وهو الزكاة، وقد أشار الصديق إلى هذا الاعتبار بقوله: (لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة) [6] "لأن أمر الزكاة كأمر الصلاة معلوم من الدين بالضرورة ،فأيما قوم من المسلمين عطلوا الزكاة وتمالئوا على ذلك يقاتلون كما يقاتلون لو أنهم عطلوا الصلاة وتمالئوا على ذلك".
وأكاد أقول إن الصديق رضي الله عنه لو تُرك اليوم ورأى كثيرًا من مجتمعات المسلمين لقاتلهم كما قاتل مانعي الزكاة وذلك أن المسلمين أن أي طائفة من المسلمين كما أنهم لو عطلوا الزكاة أو عطلوا الصلاة يُقاتلون على ذلك فإنهم لو استباحوا أمرًا من الأمور المعلوم تحريمها من الدين بالضرورة فإنهم يُقاتلون على ذلك.
والصديق رضي الله عنه لو أنه رأى كثيرًا من مجتمعات المسلمين اليوم لقاتلهم كما قاتل مانعي الزكاة لأن كثيرًا من مجتمعات المسلمين اليوم استباحوا الربا وتمالئوا على ذلك على ممارسة الربا وأعلنوا ذلك جهارًا وعيانًا ،وتحريم الربا أمر مجمع عليه ومن الدين بالضرورة وهاهي مؤسساته وبنوكه قائمة في مجتمعات المسلمين.
تمالئوا على الاعتراف بها والرضا بها بل قننوا لها من القوانين ما يحميها وينظم شئونها وهذا الأمر لو اتصف به المسلمون بهذه الصفة فإنهم يُقاتلون عليه كما قاتل الصديق رضي الله عنه مانعي الزكاة.
فعلينا أيها المسلمون، علينا معاشر المسلمين اليوم يا أهل الإيمان والتوحيد علينا في عصرنا هذا أن نتنبه إلى خطورة هذه الفتن المحدقة بنا فإن من أشد عواقبها أن يقع المسلم في حبائل الكفر ويُستدرج إلى شقاق الكفر، هذا من أشد عواقب هذه الفتن المحيطة بنا اليوم في عصرنا هذا، فعلى كل مسلم أن يحذر من هذه الفتن المهلكة المضلة أشد الحذر، يحذر منها على نفسه وأهله وأولاده ومجتمعه.
على كل مسلم في هذا العصر أن يحتاط لدينه وإيمانه كما يحتاط لنفسه ودمه وماله فإن أمر الدين أعظم من أمر الدماء والأموال.
وأخبر سيدنا رسول الله عن وقوع هذه الفتن وحذرنا منها، حذر أمته منها ووصفها وصفًا دقيقًا وعرفنا بها، وأخبر أنه ستكون فتن [7] كقطع الليل المظلم كموج البحر، وأن من أشد عواقب هذه الفتن أن يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا أو يمسي الرجل مؤمنًا ويصبح كافرًا نعوذ بالله من ذلك ليس من خلال المؤمن ولا من أحواله وصفاته أن يعرض نفسه للفتن المهلكة المضلة آمنًا من مكر الله تعالى مغترًا بنفسه متكلًا على تلفظه بكلمة التوحيد، فإن الإيمان ليس كلامًا فقط، الكلام بالإيمان مجرد الكلام ومجرد الدعوى لا تنجي صاحبها قال تعالى: ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجزيه [النساء:123] أي ليس كلامًا تقولونه ولا كلامًا تقرأونه كما يقولون أهل الكتاب ويقرأون لكنه كلام وعمل، فالتلفظ بكلمة التوحيد وقول كلمة التوحيد وإن كانت تثبت الأحكام أخذًا بالظاهر لكنها لا تثبت النجاة لقائلها عند الله تعالى.
إنما تثبت النجاة ويثبت الإيمان إذا صاحب قول اللسان اعتقاد الجنان والعمل بالأركان.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله: (( بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا أو يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا يبيع دينه بعرض الدنيا ) ) [8] صدق رسول الله.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تُحشرون واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب [الأنفال:24-25] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
[1] أخرجه مسلم في صحيحه في الإيمان (1/52) (21) .
[2] أخرجه البخاري في صحيحه في الزكاة (1/507) (1399) .
[3] أخرجه البخاري في المغازي (4/1555) (4021) .
[4] أخرجه مسلم في صحيحه في الإيمان باب تحريم قتل الكافر بعد ما قال: لا إله الا الله (1/97- 98)
[5] أخرجه البخاري في صحيحه في الديّات (6/2521) (6878) .
[6] أخرجه البخاري في صحيحه في الزكاة باب وجوب الزكاة (2/507) (1400) .
[7] أخرجه أحمد (4/408و416) وأبو داود (4259و4262) وابن حبان (5962) وغيرهم.
[8] أخرجه مسلم في صحيحه في الإيمان باب الحث على المبادرة بالأعمال قبل تظاهر الفتن (1/110) رقم (118) .
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا إنه من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعص الله ورسوله فقد غوى ولا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئًا.
أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار.
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون [آل عمران:102] يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا [الأحزاب:70-71] .
وصلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال جل من قائل: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا [الأحزاب:56] .
وقال: (( من صلى علىّ واحدة صلى الله عليه بها عشرًاْ ) ) [1]
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين عثمان وأبي السبطين علىَّ وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين، وعن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.
[1] أخرجه مسلم في صحيحه في الصلاة باب الصلاة على النبي بعد التشهد (1/306) رقم (408) .