الأسرة والمجتمع, الرقاق والأخلاق والآداب
الفتن, قضايا المجتمع
حمزة بن فايع الفتحي
محايل
جامع الملك فهد
1-فتنة المال. 2- نعم المال الصالح للرجل الصالح. 3- صور من صور الجود والكرم.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب: 70 ، 71] .
معاشر المسلمين، استطاع المال بحلاوته وفتنته أن يأسر أقوامًا كثيرين، فوضعهم تحته عبيدًا لصنوفه وأرقاء تحت سلطانه وأذلاء لجبروته وطغيانه، من أجله يحبون ويبغضون، ويجهدون ويتعبون، ويوالون ويعادون، للذائذ الأموال أقاموا العلاقات ووضعوا الصلات وأسسوا العداوات والنزاعات.
ولزينة المال خفيت آداب وضُيعت ذمم وانتُهكت حقوق، فتكت حبائل المال بعقول كثيرين؛ عقّوا آباءهم وقطعوا أرحامهم وعادوا إخوانهم، ألهتهم الأموال عن الفرائض والواجبات، وشغلتهم عن الطاعات والقربات، وأنستهم الباقيات الصالحات.
لعنايته بالمال ضيع الأهل والأولاد، وتنكر للصفوة والأحباب، ونأى عن أخلاق الرجال، شرَّق به المال وغرب ونأى به وأبعده وأفحمه وأتعبه، فغدا له حارسًا بلا شعار، ومحكومًا بلا نظام، ومحبوسًا بلا قيود. روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قال: (( تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد القطيفة وعبد الخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يُعطَ لم يرضَ ) ).
بقّيتَ مالكَ ميراثًا لوارثِه فليتَ شعريَ ما بقّى لك المالُ
القوم بعدك في حال تسُرُّهمُ فكيف بَعدهم حَالت بك الْحالُ
ملّوا البكاءَ فما يَبكيك من أحدٍ واستحكم القيل في الميراث والقالُ
مالت بِهم عنك دنيا أقبلت لَهم وأدبرت عنك والأيام أحوالُ
سكنت زهرة المال في قلبه ورسخت، وأزاحت كل محبوب قبلها وهدمت إذ:
محا حبها حبَّ الألى كن قبلها وحلَّت مكانًا لم يكن حل من قبلُ
عباد الله، إن المال فتنة عظيمة، اغترّ به كثير من الناس فلم يعرفوا حقه، ولم يحسنوا التعامل معه، فثمة أناس أكلوا حق الله فيه، وآخرون أفرطوا في حبه، فحرمهم مكارم ومحاسن، وآخرون تعلقوا به فقدموه على الواجب والمفروض، فضلّوا بجمعه ضلالًا مبينًا، وخسروا خسرانًا عظيمًا.
روى أحمد والترمذي وقال:"حديث حسن صحيح"عن كعب بن عياض رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: (( إن لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال ) ).
رُبَّ غنيٍ حاز أشكالَ الأموال فجمعها وعدها عدًا، ورأى بها عزًا ومجدًا، لكنه في الصلاة مع المضيعين معدود، ولحَقّ المال مانع جحود، وفي الشهامة لئيم مفقود، وفي الإخوة بخيل محدود.
ليست المصيبة محبة المال، لكن المصيبة أن تطغى المحبة فتُضيع الفرائض وتهمل الحقوق وتفسد النفوس وتهان الأخلاق، روى الترمذي بسند صحيح عن كعب بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( ما ذئبانِ جائعانِ أُرسلا في غنم بأفسدَ لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه ) ).
أيها الإخوة، إن المال زينة في الدنيا فأتموا زينته بطاعة الله، وراقبوا الله في حبه وجمعه، واقضوا به الحقوق، وأدوا به المغارم، واكتسبوا الأخلاق، ولا تنسوا حق الله فيه، فإن الله واهبه ومعطيه، وهو الرزاق ذو القوة المتين سبحانه وتعالى، وتذكروا ما يصيبكم في جمعه من متاعب وفتن وأسقام، وجره إلى همومه وبلايا وخصومات. فاعرفوا ما يزينكم فيه ويعلي أجركم ويرفع درجاتكم، وهو طريق خصيب إلى الجنة.
روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال: أتيت النبيَّ وهو يقرأ: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ، قال: (( يقول ابن آدم: مالي مالي! وهل لك ـ يا ابن آدم ـ من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت؟! ) ).
ليست الأموال غاية السعادة ولا منتهى اللذاذة إذا ضيعت منها حقوق الله، وجمعت من أي طريق، وأعطيت أغلى قرابين الولاء والعبودية، إنها عندئذ نكسات عظيمات وحسرات أليمات، ثبت في المتفق عليه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي قال: (( إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها ) )، وفي صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيُصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابنَ آدم، هل رأيت خيرًا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ويؤتى بأشد الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة، فيقال له: يا ابن آدم، هل رأيت بؤسًا قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا والله ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط ) )، وفي الصحيحين عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما عن النبي قال: (( قمت على باب الجنة فكان عامة من دخلها المساكين، وأصحاب الجدّ ـ أي: أصحاب الحظ والغنى ـ محبوسون، غير أن أصحاب النار قد أُمر بهم إلى النار ) )، وفي الصحيحين أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قال: (( ليس الغنى عن كثرة العرَض، ولكن الغنى غنى النفس ) )، والعرَض هو المال.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه إنه هو التواب الرحيم.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا كما يحب ربنا ويرضى، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها المسلمون، إن مكاسب الأموال وملاذها لا تَزين بغير خُلُق رفيع وكرم نبيل وصدق عظيم، كيف يجمع المال ويشرف مَنْ بالبخل يعيَّر وباللوم يُعرف ويوصف ومن إذا دُعي للبذل والمروءة كان أبخل وأحقر؟!
فاتقوا الله يا أصحاب الأموال، وتحرّروا من عبودية المال، وجودوا بما يطهّر نفوسكم ويزيد أجوركم ويسمو بأخلاقكم.
عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( يا ابن آدم، إنك إن تبذل الفضل خير لك، وإن تمسكه شر لك، ولا تلام على كَفاف، وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى ) )رواه مسلم، وفي صحيح البخاري أنه قال للأعراب: (( أعطوني ردائي، فلو كان لي عدد هذه الحصاة نَعَمًا لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلًا ولا كذابًا ولا جبانًا ) ).
أيها الإخوة الكرام، اجتمع جماعة بفناء الكعبة فتذاكروا الأجواد، وامتدحوا وتلاحقوا ثلاثة منهم، فقال أحدهم: أجود الناس عبد الله بن جعفر، وقال أحدهم: أجود الناس قيس بن سعد بن عبادة، وقال الآخر: أجود الناس عَرابة الأوسي، وكثر نزاعهم، فقال رجل: يمضي كل واحد لصاحبه حتى ينظر ما يعطيه ونحكم على العيان، فقام صاحب عبد الله فصادفه قد وضع رجله في الركاب يريد سفرًا، فقال له: يا ابن عم رسول الله ، ابن سبيل ومنقطع، فثنى رجله وقال: خذ الناقة بما عليها، ولا تُخدع عن السيف فإنه من سيوف ابن أبي طالب قُوّم عليّ بألف دينار، فجاء بالناقة بما عليها، ومضى الآخر إلى قيس بن سعد فوجده نائمًا، فقال غلامه: ما حاجتك؟ قال: ابن سبيل منقطع به، قال: حاجتك أيسر من أن أوقظه، هذا كيس فيه سبعمائة دينار، والله ما في داره اليوم غيرها، خذه وامضِ إلى مواطن الإبل بغلامه كذا إلى من فيها، فخذ راحلة وعبدًا وامضِ لشأنك، فلما انتبه قيس وأعلمه غلامه بما صنع أعتقه، وقال: هلا أيقظتني فكنت أزيده، ومضى صاحب عرابة إليه، فلقيه قد خرج من منزله يريد الصلاة وهو متوكئ على عبدين وقد كُفَّ بصره، فقال: ابن السبيل ومنقطع به، فتخلى عن الغلامين، وصفق بيده وقال: أواه! ما تركت الحقوق لعرابة مالًا، خذ العبدين، فقال الرجل: ما كنت بالذي أقصّ جناحيك، قال: إن لم تأخذهما فهما حرّان، فإن شئت خذ، وإن شئت فأعتق، ورفع يديه عنهما وتركهما، وأقبل يلمس الحائط بيده فأخذ الرجل الغلامين ومضى، فأجمع الناس على أن عرابة أجود الثلاثة؛ لأنه أعطى جهدًا من مقلّ، وغيره أعطى من سَعة وفضل.
رأيت عرابة الأوسي يسمو إلى العلياء منقطعَ القرينِ
إذا ما رايةٌ رفعت لمجدٍ تلقاها عرابة باليمينِ
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها...