فهرس الكتاب

الصفحة 3439 من 5777

علامات توفيق الله للعبد

الإيمان, الرقاق والأخلاق والآداب

خصال الإيمان, فضائل الأعمال

ناصر بن يحيى الحنيني

غير محدد

غير محدد

1-الخوف من الفتن. 2- أهمية الحديث عن علامات التوفيق. 3- علامات التوفيق: العمل الصالح، طلب العلم، الدعوة إلى الله، التوبة، قضاء حوائج الناس، العناية بالقرآن، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حسن الخلق، ترك ما لا يعني، الإحسان إل الأهل، الحكمة، الجهاد في سبيل الله.

أما بعد: عباد الله، إن الله عز وجل خلق الخلق لطاعته ومحبته ومرضاته، والله سبحانه يحبّ من عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، ولا يرضى لعباده الكفر، والله سبحانه لا يأمر بالفحشاء والمنكر، وأعظم نعمة على العبد وهي النعمة التي لا توازيها نعمة أن هداه للإسلام والعيش بين المسلمين والتنعم بأحكام وشرائع هذا الدين، ولكن ـ يا عباد الله ـ المؤمن يعيش في هذه الدنيا وهو يخاف من فتنها ومن تقلّباتها، ويخشى على نفسه الفتنة والزيغ بعد الهدى، فاللهمّ ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وخاصةً ـ أيها المسلمون ـ بعد أن فُتح على المسلمين من وسائل اللهو والعبث والاتصال ما فتح؛ ولهذا كان حريّا بالمسلم في خضمّ هذه الفتن والمشغلات أن يتلمّس مرضاة الله وتوفيقه ويتعرّف علاماتِ توفيق الله لعبده، فإن كانت فيه فليحمد الله ولْيَثْبُت ويزدد منها، وإن لم تكن فيه تدارك نفسه وأكثر منها.

ومما يجعل لطرح مثل هذا الموضوع أهميةً كبرى اختلالُ موازين كثير من الناس، وظنُّهم أن من توفيق الله للعبد هو أن تفتح له الدنيا وإن ضيّع أمر دينه وآخرته، وهذا من الجهل المركّب بدين الله وبكتاب الله وسنة مصطفاه، وعليه فإنّ من تأمّل كتاب الله وسنة رسوله الكريم وتدبّرهما حقّ التدبر يجد أن من علامات توفيق الله للعبد ما يلي:

أولًا: إن أعظم ما يمكن أن يكون من علامات التوفيق هو التوفيق للعمل الصالح عمومًا على اختلاف أنواعه بدنيا أو ماليًا أو قوليًا، والله عز وجل بيّن أن الطاعة والتوفيق لها هو الفوز العظيم فقال سبحانه: وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:71] ، وجاء في الحديث الصحيح عنه أنه قال: (( إذا أراد الله بعبد خيرا استعمله ) )قالوا: يا رسول الله، وكيف يستعمله؟ قال: (( يوفقه لعمل صالح قبل موته ) ). وجاء أيضا في الحديث عنه عن أبي بكرة أن رجلا قال: يا رسول الله، أي الناس خير؟ قال: (( من طال عمره وحسن عمله ) )قيل: فأي الناس شر؟ قال: (( من طال عمره وساء عمله ) ).

ثانيًا: أن يوفّق العبد لطلب العلم الشرعي والتفقه في دين الله، ومن سلك طريقَ العلم فإنه على خير كثير، فقد جاء في الحديث الصحيح عنه أنه قال: (( من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ) ).

ثالثًا: التوفيق لنشر الخير والدعوة إلى الله وإصلاح الناس، فإن هذه مهمة الأنبياء والرسل، وقد قال الله عز وجل: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33] . وإن من توفيق الله للداعية والذي ينشر الخير أن يدعوهم للأصل العظيم والأمر الأول الذي لأجله خلقَت السموات والأرض، وهو الدعوة إلى توحيد الله، والتي كانت أساس دعوة الأنبياء والرسل عليهم السلام؛ لأن الدعوة إلى التوحيد والتحذير من الشرك ووسائله مما يحبه الله عز وجل؛ لأن التوحيد أعظم ما يطاع الله به في هذه الأرض، والشرك أعظم ما عصي الله به في الأرض كما صحّ عنه أنه سئل أي الذنب أعظم؟ قال: (( أن تجعل لله ندًا وهو خلقك ) )، وفقنا الله وإياكم للدعوة إلى توحيده ومحاربة الشرك وأهله، إنه ولي ذلك والقادر عليه سبحانه.

رابعًا: أن يوفق العبد للتوبة من الوقوع في المعاصي حتى لو تكرّرت منه، أو يحال بينه وبين المعاصي فلا يستطيع أن يصل إليها، فإن هذا من علامة التوفيق والسداد وإرادة الله به خيرًا، كما قال جل وعلا: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا [النساء:27] ، والله عز وجل يفرح بتوبة عبده، نسأل الله أن يمنّ علينا وعليكم بقبول توبتنا وأوبتنا إلى ربنا، وأن يحول بيننا وبين المعاصي وكل ما يبغض ربنا.

فيا أيها الشاب الكريم، إذا هممت بأن تعصي ربّك وأعددت العدّة لذلك وأغلقت الأبواب وأرخيت الستورَ وحيل بينك وبين المعصية فاحمد الله كثيرًا، واشكره كثيرًا، فإن ربك يريد بك خيرًا، فربك لما أراد بيوسف عليه السلام خيرًا عصمه من الوقوع في الفاحشة وصرفها عنه فقال سبحانه: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف:24] ، عصمنا الله وإياك من الزلل والوقوع فيما يغضبه سبحانه.

خامسًا: ومن علامات التوفيق أن يوفّق العبد لنفع الناس وقضاء حوائجهم كما صحّ عنه أنه قال: (( أحب الناس إلى الله أنفعهم ) ).

سادسًا: أن يوفق العبد للعناية بكتاب الله تعلّما وتعليما، (( خيركم من تعلم القرآن وعلمه ) ). فهنيئًا لك يا من تدرس كتاب الله وتدرّسه ويا من تقرؤه كلّ يوم. وأنت يا من فرّطت في كتاب الله وتلاوته، تدارك نفسك فإن من علامة التوفيق أن توفّق لتلاوة كتاب الله حتى تحوز على هذه الخيرية والأجر العظيم.

سابعًا: أن يوفق العبد للقيام بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قال جل وعلا: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110] ، وقال سبحانه: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران:104] ، فعلق سبحانه الفلاح والتوفيق على من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وجعل الخيرية في هذه الأمة لمن أمر ونهى، جعلنا الله وإياكم منهم.

ثامنًا: أن يوفق العبد لكريم الخصال وحسن الأخلاق وسلامة الصدر ومحبة الخير للمؤمنين كما جاء في الحديث: (( إن من خياركم أحاسنكم أخلاقًا ) ). وحسن الخلق أثقل شيء في الميزان، وأما سلامة الصدر من الغلّ والغشّ والحسد فهو من توفيق الله للعبد؛ لأنه من أسبابِ دخول الجنّة كما جاء في الحديث والرسول قال: (( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) ).

تاسعًا: عدم تدخل الإنسان فيما لا يعنيه كالاشتغال بتتبّع أخبار الناس وما فعلوا وما أكلوا وما شربوا، والتدخّل في الأمور التي لا يحسنها ونحو ذلك، فقد قال النبي: (( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ) )، وجاء في سير أعلام النبلاء في ترجمة الصحابي الجليل أبو دجانة المجاهد البطل أنه دخل عليه بعض أصحابه وهو مريض ووجهه يتهلل فقيل له: ما لوجهك يتهلل؟ فقال:"ما من عمل شيء أوثق عندي من اثنتين: كنت لا أتكلم فيما لا يعنيني، والأخرى فكان قلبي للمسلمين سليمًا".

عاشرًا: حسن عِشرة الإنسان لأهله، فقد قال: (( خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي ) )، فالعبد إذا قضى حوائج أهله وقدّمها على الأصدقاء والأصحاب والأقارب كان موفّقًا مسدّدًا، فحقّهم أولى وأوجب من غيرهم، فيجب عليك ـ أخي ـ أن تعطيَ لكلّ ذي حقّ حقه.

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.

أما بعد: ومن علامات توفيق الله للعبد وهي العلامة الحادية عشرة: أن يلهم السداد والصواب في الأقوال والأعمال والمواقف، وهي الحكمة التي قال الله عنها سبحانه: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا [البقرة:269] .

العلامة الثانية عشرة: أن يوفق العبد وييسّر له الجهاد والشهادة في سبيل الله، فإنها من أفضل القربات وأعلى المقامات، وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:95] ، كيف لا والله عز وجل قال عمّن استشهد أنه مصطفى ومختار فقال سبحانه: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ [آل عمران:140] ، فاتخذهم الله واصطفاهم وأنعم عليهم بالشهادة في سبيله. فاللهم ارزقنا الشهادة في سبيلك مقبلين غير مدبرين.

فيا عبد الله، بعد أن تعرّفنا على بعض علامات توفيق الله للعبد عليك أن تلهجَ بالدعاء لربّك صباحا ومساء بأن يوفقك لما يحبه ويرضاه، وأن يوفقك لخير الأعمال وأفضلها عنده سبحانه، فاللهم وفقنا لما تحب وترضى يا حي يا قيوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت