فهرس الكتاب

الصفحة 5013 من 5777

اجتناب كثرة الضحك وفضول الكلام

الرقاق والأخلاق والآداب

آفات اللسان

حسين بن حسن أحمد الفيفي

خميس مشيط

جامع صوامع الغلال

1-العقوبات المترتبة على كثرة الضحك. 2- التحذير من آفات اللسان. 3- خوف السلف من اللسان.

أما بعد: إن من الأسباب المعينة على صلاح القلب اجتناب كثرة الضحك واللهو، والابتعاد عن الثرثرة واللغو وهذيان الكلام، فإن هذه الأمور تسبب موت القلب وغفلته وقسوته، وإذا غفل القلب وقسا فلن يسابق إلى الطاعات والخيرات، فإن فساد القلب يترتب عليه فساد البدن كله، وصلاحه صلاح للبدن كله.

وقدوتنا وأسوتنا في ذلك محمد ، فما كان ضحكه إلا تبسمًا، عن عبد الله بن الحارث بن جزء قال: ما رأيت أحدًا أكثر تبسمًا من رسول الله ، وفي رواية: ما كان ضحك الرسول إلا تبسمًا. أخرجه الترمذي.

قال معاذ بن جبل: (ثلاث من فعلهن فقد تعرض للمقت: الضحك من غير عجب، والنوم من غير سهر، والأكل من غير جوع) .

وكثرة الضحك تقسي القلب، وإن أبعد ما يكون من الله القلب القاسي. وإذا قسا القلب كان أبعد ما يكون من الخشوع في الصلاة.

وكثرة الضحك تجعل المسلم ساهيًا لاهيًا عما خلقه الله له، لا يأخذ الأمور بجد ولا يعيش الحياة بجد، بل حياته لهو وضحك ولعب، لا يعرف رسالته في الحياة، ولا يعرف الهدف من وجوده.

وكذلك فإن فضول الكلام والقيل والقال مما كرهه الله لعباده، كما في الحديث أنه قال: (( إن الله كره لكم ثلاثا: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال ) ).

لذلك كان حريًا بالمسلم أن يضبط لسانه، ويسأل نفسه قبل أن يتحدث عن جدوى الحديث وفائدته، وما الذي يترتب على كلامه، يقول الله عز وجل: إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: 17، 18] .

ففي هذه الآية تذكير للمؤمنين برقابة الله عز وجل التي لا تتركهم لحظة من اللحظات، ولا تغفل عنهم في حال من الأحوال، في كل ما يصدر عنهم من أقوال وما يخرج من أفواههم من كلمات، كل قول محسوب لهم أو عليهم، وكل كلمة مكتوبة في سجل أعمالهم، مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ، يسجله الملكان في الدنيا، ويوم القيامة ينكشف للحساب كل شيء ويكون الجزاء.

فعلى العبد أن يفكر فيما يقول قبل أن يتكلم، فإن كان خيرًا تكلم وإلا سكت. والسكوت في هذه الحالة عبادة يؤجر عليها، يقول الرسول الله: (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت ) )أخرجه البخاري ومسلم، وروى الترمذي عن رسول الله قال: (( إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان؛ تقول: اتق الله فينا؛ فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا ) ).

وضبط المؤمن للسانه ومحافظته عليه وسيلة لضمان الجنة بإذن الله، وهذا وعد رسول الله حيث قال: (( من يضمن لي ما بين لحييه ـ يعني لسانه ـ وما بين رجليه ـ يعني فرجه ـ أضمن له الجنة ) )أخرجه البخاري.

واللسان هو ترجمان القلب، وقد كلفنا الله عز وجل أن نحافظ على استقامة قلوبنا، واستقامة القلب مرتبطة باستقامة اللسان، ففي الحديث الذي رواه الإمام أحمد: (( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ) ).

إن آفات اللسان كثيرة ومتنوعة، من بذاءة في الألفاظ وفحش في الكلام وسب ولعن وكذب وغيبة ونميمة وشتم بأساليب عديدة، وهذه ليست من صفات المؤمن، يقول: (( ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء ) )أخرجه الترمذي. وهذه الألفاظ تجري على الألسنة ويتساهل الناس بها دون تفكير في العاقبة، وقد لا تطيب المجالس عند البعض ولا يحلو الحديث إلا بهذه الأساليب الساقطة التي تناقض الحياء الذي ينبغي أن يكون عليه المؤمن، والأنكى من ذلك والأشد أن بعض النفوس استمرأت ذلك، ويرون أنه من باب المزاح والتسلية وقضاء الأوقات وتحلية المجالس، وما علم هؤلاء أنهم وقعوا بذلك في الفسق وأضاعوا أوقاتهم، وحملوا أنفسهم الأوزار.

في الحديث الذي يرويه البيهقي أنه قال: (( إن العبد ليقول الكلمة لا يقولها إلا ليضحك بها المجلس يهوى به أبعد ما بين السماء والأرض، وإن المرء ليزل عن لسانه أشد مما يزل عن قدميه ) )، ويقول كما عند البخاري: (( وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا يهوي بها في جهنم ) ).

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه ثم توبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

أما بعد: إذا أطلق العبد للسانه العنان أن يتكلم بما يشاء كان عرضة للنهاية التعيسة والإفلاس في الآخرة، وشتان بين إفلاس الدنيا وإفلاس الآخرة. روى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله قال: (( أتدرون من المفلس؟ ) )قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، قال: (( المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار ) ).

وعن بلال بن الحارث قال: قال رسول الله: (( إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى، ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله عز وجل له بها رضوانه إلى يوم القيامة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى، ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله تعالى بها عليه سخطه إلى يوم يلقاه ) )أخرجه الترمذي؛ ولذلك كان علقمة رحمه الله ـ وهو أحد رواة هذا الحديث ـ يقول:"كم من كلام أردت أن أتكلم به منعنيه حديث بلال بن الحارث". فكان يمتنع عن كثير من الكلام حتى لا يسجل عليه قول أو ترصد عليه كلمة من اللغو الذي لا فائدة فيه.

قال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ [المؤمنون: 1-3] . فأثنى عليهم سبحانه وجعلهم من المفلحين، وجعل من أوصافهم أنهم عن اللغو معرضين.

ولقد كان خوف السلف من آفات اللسان عظيمًا، فقد كان أبو بكر الصديق يأخذ بلسان نفسه ويقول: (هذا أوردني الموارد) ، وقال عمر: (من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه، ومن كثرت ذنوبه كانت النار أولى به) ، وهذا عبد الله بن مسعود يقول: (وما من شيء أحوج إلى طول سجن من لسان) ، وكان أبو الدرداء يقول: (أنصف أذنيك من فيك، فإنما جعلت أذنان وفم واحد لتسمع أكثر مما تكلم به) ، وكان ابن عباس رضي الله عنهما يأخذ بلسانه ويقول: (ويحك! قل خيرا تغنم، واسكت عن سوء تسلم، وإلا فاعلم أنك ستندم) ، وقال الفضيل بن عياض رحمه الله:"خصلتان تقسيان القلب: كثرة الكلام، وكثرة الأكل"، وقال أيضًا رحمه الله:"أشد الورع في اللسان".

قال ابن القيم رحمه الله:"قسوة القلب من أربعة أشياء إذا جاوزت قدر الحاجة: الأكل والنوم والكلام والمخالطة، وكما أن البدن إذا مرض لم ينفع فيه الطعام والشراب، فكذلك القلب إذا مرض بالشهوات لم تنجع فيه المواعظ".

فعلى المسلم أن يحرص كل الحرص على كل ما يقربه من الله، ويبتعد كل البعد ويحذر كل الحذر عن كل ما يبعده من الله، من الأقوال والأعمال التي تبعده عن ربه، فليس هناك مصيبة أعظم من المصيبة في الدين.

ألا وصلوا وسلموا على خير الخلق محمد بن عبد الله عليه من ربه أفضل الصلاة وأتم التسليم، إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56] .

اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن بقية أصحاب محمد أجمعين، وعن التابعين وتابع التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك وإحسانك يا أرحم الراحمين...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت