الإيمان, الرقاق والأخلاق والآداب
فضائل الأعمال, فضائل الإيمان
فريح بن محمد الفريح
الذيبية
جامع بلدة السمار
1-تعرف إلى الله في الرخاء. 2- الاستعداد للموت. 3- قصة الثلاثة الذين توسلوا إلى الله بصالح أعمالهم. 4- إنجاء الله تعالى للمؤمنين.
أيها الناس، اتقوا الله تعالى، ولازموا الأعمال الصالحة، وأكثروا من فعل الطاعات، فإنها سبب للنجاة من المهلكات العاجلة والآجلة، يقول تعالى: ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ ، والنبي يقول: (( تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة ) )، يعني أن العبد إذا اتقى الله وحفظ حدوده وراعى حقوقه في حال رخائه فقد تعرف إلى الله، وصار بينه وبين ربه معرفة خاصة، فإذا وقع في شدة فإن الله ينجيه منها، فمن عامل الله بالتقوى والطاعة في حال رخائه عامله الله باللطف والإغاثة في حال شدته، قال تعالى: وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ.
أيها المسلمون، يروى أن يونس عليه السلام لما دعا في بطن الحوت قالت الملائكة: يا رب، هذا صوت معروف، من بلاد غريبة، فقال الله عز وجل: أما تعرفون ذلك؟ قالوا: ومن هو؟ قال: عبدي يونس، قالوا: عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبل ودعوة مستجابة؟ قال: نعم، قالوا: يا رب، أفلا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجيه من البلاء؟! قال: بلى، قال: فأمر الله الحوت فطرحه بالعراء. وقال الضحاك: اذكروا الله في الرخاء، إن يونس كان يذكر الله تعالى، فلما وقع في بطن الحوت قال الله: فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ، وإن فرعون كان طاغيًا ناسيًا لذكر الله، فلما أدركه الغرق قال: آمنت، فقال الله تعالى: آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ.
أيها المسلمون، إن أعظم الشدائد التي تنزل بالعبد في الدنيا الموت، وما بعده أشد منه، فالواجب على المؤمن الاستعداد للموت وما بعده في حال الصحة بالتقوى والأعمال الصالحة، قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ، فمن ذكر الله في حال صحته ورخائه واستعد حينئذ للقاء ربه عز وجل ذكره الله عند هذه الشدائد، فكان معه فيها وأعانه وثبته على التوحيد، وتوفاه وهو راضٍ عنه، ومن نسي الله في حال صحته ورخائه ولم يستعد للقائه نسيه الله في هذه الشدائد، بمعنى أنه تركه وأعرض عنه ولم يعنه إذا وقع فيها.
وانظروا ـ حفظني الله وإياكم ـ إلى نجاة أهل التقوى والأعمال الصالحة في هذه الواقعة العجيبة التي أخبر بها أصدق الخلق نبينا محمد في الحديث المتفق على صحته قال: (( انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى آوهم المبيت إلى غار، فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، قال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلًا ولا مالًا، فنأى بي طلب الشجر يومًا، فلم أرح عليهما حتى ناما، فجلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أوقظهما وأن أغبق قبلهما أهلًا ومالًا، فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر، والصبية يتضاغون عند قدمي، فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئًا لا يستطيعون الخروج منه، وقال الآخر: اللهم إنه كانت لي ابنة عم، كانت أحب الناس إلي، فراودتها على نفسها، فامتنعت مني، حتى ألمت بها سنة من السنين، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها، ففعلت، حتى إذا قدرت عليها قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إليّ، وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها، وقال الثالث: اللهم استأجرت أجراء، وأعطيتهم أجرهم، غير رجل واحد، فجاءني بعد حين فقال: يا عبد الله، أدِّ إلي أجري، فقلت: كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق، فقال: يا عبد الله، لا تستهزئ بي، فقلت: لا أستهزئ بك، فأخذه كله فاستاقه، فلم يترك منه شيئا، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون ) ).
فالأول منهم توسل إلى الله ببره بوالديه، وأنه كان لا يؤثر عليهما أهلًا ولا مالًا، والثاني توسل إلى الله بعفافه عن الفاحشة وتركه إياها بعدما قدر عليها خوفًا من الله عز وجل، والثاني توسل إلى الله بأداء حق الأجير وحفظ الأمانة، ففرج عنهم الشدة لما دعوه بصالح أعمالهم.
عباد الله، الأعمال الصالحة تكون سببًا للنجاة من المهالك في الدنيا والآخرة، قال تعالى: إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ يَوْمَ لاَ يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ؛ ولهذا أهلك الله عز وجل أعداء الرسل كقوم نوح وعاد وثمود وأصحاب الرس وقوم لوط وأهل مدين وأشياعهم، وأنجى الله تعالى من بينهم المؤمنين، فلم يهلك منهم أحدًا، وأهلك الكافرين ولم يفلت منهم أحدًا.
فاتقوا الله أيها المسلمون، وحافظوا على دينكم الذي به نجاتكم وسعادتكم في الدنيا والآخرة، ولا تضيعوه فتهلكوا، فإن كثيرًا من الناس قد غرقوا في المعاصي والمحرمات، وهؤلاء إذا رأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب لا يحصلون على النجاة.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللّهِ حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...
لم ترد.