فهرس الكتاب

الصفحة 2976 من 5777

عذاب القبر ونعيمه

الرقاق والأخلاق والآداب

الموت والحشر

ناصر بن محمد الأحمد

الخبر

النور

1-ضرورة تفكر الإنسان في قاله. 2- ظلمة القبر. 3- ضمة القبر. 4- سؤال القبر. 5- موعظة في الموت والاحتضار. 6- حديث عن النزع والقبض والقبر. 7- احتضار بعض السلف.

أما بعد: هناك الكثير من الحقائق الإيمانية، والتي يعتقد بها المسلم، ويعلم علمًا يقينًا أنه سيمر بها، لكنه مع زحمة الحياة، والتناسي والانشغالات يغفل عن هذه الحقائق. وإن كان يعتقد بها.

وهذه الغفلة يا عباد الله، يجب أن لا تطول بل لابد بين كل آونة وأخرى، أن يقف مع نفسه، ويتذكر ويتأمل، تلك اللحظات التي سوف يمر بها، ويفكر بعد ذلك بحاله ومآله، هل سيكون من الذين يقال في حقهم، يُثَبّتُ ?للَّهُ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ بِ?لْقَوْلِ ?لثَّابِتِ فِى ?لْحَيَو?ةِ ?لدُّنْيَا وَفِى ?لآخِرَةِ [إبراهيم:27] . أم يكون من الذين قال الله تعالى فيهم: وَلَوْ تَرَى إِذِ ?لظَّـ?لِمُونَ فِى غَمَرَاتِ ?لْمَوْتِ وَ?لْمَلَئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ ?لْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ?لْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ?للَّهِ غَيْرَ ?لْحَقّ وَكُنتُمْ عَنْ ءايَـ?تِهِ تَسْتَكْبِرُونَ [الأنعام:93] .

أيها المسلمون، إن القبر أول منزل من منازل الآخرة، القبر ذلك المكان المظلم الضيق، الذي لابد لكل منا أن يلِجَه، ويسكن فيه ما شاء الله له أن يسكن ثم يذهب بعد ذلك إلى مستقره، فإما إلى جنة وإما إلى نار.

فكر يا أخي في القبر، هل وقفنا مع أنفسنا يا عباد الله، وحاولنا أن نتذكر القبر وضمته، وضيقه وظلمته، أم أننا مشغولون بدنيانا، حتى لم نجد لحظة واحدة، نتذكر فيه هذا الموقف العظيم. في كل يوم نفقد أحد الأحباب، وندفن بعض الأصحاب.وكأن هذه المواقف تمر بغيرنا، ونحن بعيدون عنها.

الموت في كل يوم ينشر الكفنا ونحن في غفلة عما يراد بنا

لا تطمئن إلى الدنيا وبهجتها وإن توشحت من أثوابها الحسنا

أين الأحبة والجيران ما فعلوا أين الذين همُ كانوا لنا سكنا

سقاهم الموت كأسًا غير صافية فصيرتهم لأطباق الثرى رهنا

أيها المسلمون، والله إن القبر له هول عظيم، وإن فظاعته لشديدة، قال عليه الصلاة والسلام: (( ما رأيت منظرًا قط إلا القبر أفظع منه ) ).

إن القبر له ظلمة شديدة، قال عليه الصلاة والسلام ذلك، عندما ماتت المرأة التي كانت تَقُمّ المسجد في عهد الرسول الله صلى الله عليه وسلم، ففقدها الرسول صلى الله عليه وسلم، فأخبروه أنها ماتت من الليل، ودفنوها، وكرهوا إيقاظه، فطلب من أصحابه أن يدلوه على قبرها فجاء إلى قبرها، فصلى عليها ثم قال: (( إن هذه القبور مليئة ظلمة على أهلها، وإن الله عز وجل منورها لهم بصلاتي عليهم ) )متفق عليه.

إن للقبر لضمة، لا ينجو منها أحدا، كبيرًا كان أو صغيرًا، صالحًا كان أو ظالمًا، ولو نجى منها أحد، لنجى منها سعد بن معاذ، كما قال عليه الصلاة والسلام، ذلك الذي تحرك لموته عرش الرحمن، وفتحت له أبواب السماء، وشهده سبعون ألفًا من الملائكة رضي الله عنه.

أيها المسلمون، يا من تقدمون على قبوركم، وليس بينكم وبين ذلك، إلا مفارقة الروح للبدن، اعلموا أيها الإخوة، أن للقبر فتنة، وإن هذه الأمة تفتن في قبورها، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق، صلى الله عليه وسلم، ثبت فيما صح عنه: (( أنه إذا قبر الميت أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما: المنكر، وللآخر النكير، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول ما كان يقول، هو عبد الله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله وإن كان منافقًا قال: سمعت الناس يقولون قولًا، فقلت مثله، لا أدري ) ). وفي رواية البراء بن عازب رضي الله عنه: (( فيأتيه ملكان شديدا الانتهار، فينتهرانه ويجلسانه، فيقولان له:من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن، فذلك حين يقول الله عز وجل: يُثَبّتُ ?للَّهُ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ بِ?لْقَوْلِ ?لثَّابِتِ فِى ?لْحَيَو?ةِ ?لدُّنْيَا فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم، فينادى منادٍ من السماء أن صدق عبدي ) )وقال في العبد الكافر أو الفاجر: (( ويأتيه ملكان شديدا الانتهار، فينتهرانه ويجلسانه فيقولان له: من ربك؟فيقول: هاه هاه، لا أدري، فيقولان له ما دينك فيقول: هاه هاه، لا أدري، فيقولان: فما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فلا يُهتدى لاسمه، فيقال محمد، فيقول: هاه هاه، لا أدري، سمعت الناس يقولون ذاك، قال: فيقولان: لا دريت ولا تليت، فينادي منادى أن كذب عبدي ) ).

اللهم إنا نسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت، أن تجعلنا من الذين تثبتهم بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. اللهم اجعل قبورنا، وقبور آبائنا وأمهاتنا، وقبور من له حق علينا، وجميع المسلمين، روضة من رياض الجنة، ولا تجعلها حفرة من حفر النيران، يا أرحم الراحمين.

أيها الأحبة في الله، تفكروا في الموت وسكرته، وصعوبة كأسه ومرارته، فيا للموت من وعد ما أصدقه، ومن حاكم ما أعدله، كفى بالموت مفزعًا للقلوب، ومبكيًا للعيون، ومفرقًا للجماعات، وهادمًا للذات، وقاطعًا للأمنيات.

هل فكرت يا عبد الله، في يوم مصرعك، وانتقالك من موضعك إلى قبرك، إذا نُقلت من سعة إلى ضيق، وخانك الصاحب والرفيق، وهجرك الأخ والصديق، وأُخذت من فراشك وغطائك إلى غرر، وغطوك من بعد لين لحافها بتراب ومدر، فيا جامع المال، والمجتهد في البنيان، ليس لك من مالك إلا الأكفان، بل هي للخراب والذهاب، وجسمك للترائب والمتاب. فأين الذي جمعته من المال، فهل أنقذك من الأهوال، كلا بل تركته لمن لا يحمدُك، وقدِمت بأوزارك على من لا يعذرُك.

أيها المسلمون، ألا تبكون وتنوحون على أنفسكم باقي حياتكم، من كان القبر طالبه، والقبر بيته، والتراب فراشه، والدود أنيسه، وهو مع هذا ينتظر الفزع الأكبر، فكيف يكون حاله؟.

مثِّل لنفسك يا عبد الله وقد حلت بك السكرات ونزل بك الأنين والغمرات، فمن قائل يقول، إن فلانًا قد أوصى، وماله قد أحصى، ومن قائل يقول: إن فلانًا ثقل لسانه، فلا يعرف جيرانه، ولا يكلم إخوانه، فكأني أنظر إليك تسمع الخطاب، ولا تقدر على رد الجواب، فتخيل نفسك يا عبد الله، إذا أُخذت لفراشك، إلى لوح مُغسّلك، وغسلك الغاسل، وألبست الأكفان، وأوحش منك الأهل والجيران، وبكت عليك الأصحاب والإخوان، وقال الغاسل: أين زوجة فلان تحلله، وأين اليتامى، ترككم أبوكم، فما ترونه بعد هذا اليوم أبدًا.

ألا أيها المغرور مالك تلعب تؤمل آمالًا وموتك أقرب

وتعلم أن الحرص بحر مُبعدٌ سفينة الدنيا فإياك تعطب

وتعلم أن الموت ينقضّ مسرعًا عليك يقينًا طعمُه ليس يُعْذَب

كأنك توصي واليتامى تراهم وأمهم الثكلى تنوح وتندب

تغص بحزن ثم تلطم وجهها يراها رجال بعدما هي تحجب

وأقبل بالأكفان نحوك قاصدٌ ويحثى عليك التراب، والعين تسكب

يا غافلًا عن هذه الأحوال، يا غافلًا عن قبرك والمآل، إلى كم هذه الغفلة أتحسب أن الأمر بسيط، وتزعم أنه يسير، وتظن أن سينفعك حالك، إذا آن ارتحالك أو ينتقذك مالك، حين تُوبِقُك أعمالك، أو يفنى عنك ندمك، إذا زلت بك قدمك، أو يعطف عليك عشيرتك، حين يضحك محشرك.

كلا والله ساء ما تتوهم، ولابد أن ستعلم. لا بالكفاف تقنع، ولا من الحرام تشبع، ولا للعظات تسمع، ولا بالوعيد ترتدع، دأبك أن تتقلب مع الأهواء، وتخبط خبط عشواء، يعجبك التكاثر بما لديك، ولا تذكر ما بين يديك، أتزعم أن ستترك سدى، وأن لا تحاسب غدًا، أم تحسب أن الموت يقبل الرِشا؟

كلا، لن يُدفع عنك الموت بمال ولا بنون، ولا ينفع أهل القبول إلا العمل المبرور، فطوبى لمن سمع ووعى، وحقق ما ادعى، ونهى النفس عن الهوى، وعلم أن الفائز من ارعوى، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يرى، ثم يجزاه الجزاء الأوفى وأن إلى ربك المنتهى، فانتبه من هذه الرقدة، واجعل العمل الصالح لك عدة، ولا تتمن منازل الأبرار، وأنت مقيم على الأوزار، عاملٌ بعمل الفجار.

راقب الله يا عبد الله في الخلوات، ولا يغرنك الأمل، فتزهد عن العمل.

تزود من معاشك للمعاد وقم لله واعمل خير زاد

ولا تجمع من الدنيا كثيرا فإن المال يجمع للنفاد

أترضى أن تكون رفيق قوم لهم زاد وأنت بغير زاد

اللهم ارحمنا برحمتك فإنك الغافر ولا تعذبنا فإنك علينا قادر.

بارك الله لي ولكم..

أما بعد: أيها المسلمون، قال صلى الله عليه وسلم: (( القبر أول منزل من منازل الآخرة، فإن نجا منه صاحبه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه ) ).

أيها الأحبة في الله، في بعض الكلام تكرار، وغالبه معروف وليس بجديد، لكن نحن بحاجة إليه، بحاجة أن يذكر بعضنا بعضًا بين فترة وأخرى بمثل هذا الكلام.

وهذا من أجل أن يتنبه الإنسان ويحاسب نفسه، نحاسب غيرنا وننسى محاسبة أنفسنا. فقفوا الوقفة الصادقة مع النفس محاسبةً ومساءلة. فوالله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتجزون بما كنتم تعملون.فجنة للمطيعين، ونار جهنم للعاصين أَفَمَن يُلْقَى? فِى ?لنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِى ءامِنًا يَوْمَ ?لْقِيَـ?مَةِ ?عْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [فصلت:40] .

إخوتي في الله، من غفل عن نفسه تصرمت أوقاته ثم اشتدت عليه حسراته. وأي حسرة على العبد أعظم من أن يكون عمره عليه حجة.وتقوده أيامه إلى المزيد في الردى والشقوة. إن الزمان وتقلباته أنصح المؤدبين، وإن الدهر بقوارعه أفصح المتكلمين.. فانتبهوا بإيقاظه، واعتبروا بألفاظه. ورد في الأثر:"أربعة من الشقاء: جمود العين، وقسوة القلب، وطول الأمل، والحرص عن الدنيا".

معاشر الإخوة، من حاسب نفسه في الدنيا خف في القيامة حسابه، وحسن في الآخرة منقلبه، ومن أهمل المحاسبة دامت حسرته وساء مصيره. وما كان شقاء الأشقياء إلا لأنهم كانوا لا يرجون حسابًا. وقعوا ضحايا خداع أنفسهم، وأحابيل شياطينهم، وافتهم المنايا وهم في غمرة ساهون.

في الشباب من غره شبابه فنسى فقدان الأقران، وغفل عن سرعة المفاجآت، وتعلق بالآمال والأماني، وما هي والله إلا أوهام الكسالى، وأفكار اللاهين، وما الاعتماد عليها إلا بضائع الحمقى، ورؤوس أموال المفاليس، والتمني والتسويف إضاعة للحاضر والمستقبل.

وفي أهل العلم من جدّ في التحصيل وغفل عن العمل، أعطوا علومًا فصرفوها في الرياء والمجادلات، والعلو على الأقران، يمزق دينه من أجل ترقيع دنياه، لا يتحاشى غيبة ولا يسلم من حسد.

وفي أهل الدنيا من صرف أمواله في الشهوات والمحرمات. وأشد هؤلاء من كسب مالًا، فأدخله النار وورثه من بعده قوم صالحون عملوا فيه بطاعة الله، فأدخلهم الجنة. ليس أعظم حمقًا ممن ضيع ماله وأصلح ماله غيره، وقد علم أن ماله ما قدم، ومال غيره ما خلّف.

ألا ينظر هؤلاء وهؤلاء: لقد وهن العظم، وابيض الشعر، ورحل الأقران، ولم يبق إلا الرحيل. عجيب حال هذا الغافل: يوقن بالموت ثم ينساه ويتحقق من الضرر ثم يغشاه، يخشى الناس، والله أحق أن يخشاه، يغتر بالصحة وينسى السقم، ويفرح بالعافية ولا يتذكر الألم، يزهو بالشباب ويغفل عن الهرم، يهتم بالعلم ولا يكترث بالعمل، يحرص على العاجل ولا يفكر في خسران الآجل، يطول عمره ويزداد ذنبه، يبيض شعره ويسود قلبه، قلوب مريضة عز شفاؤها، وعيون تكحلت بالحرام فقل بكاؤها. وجوارح غرقت في الشهوات فحق عزاؤها.

سبحان الله ـ عباد الله ـ ألم يأنِ لأهل الغفلة أن يدركوا حقيقة هذه الدار. أما علموا أن حياتها عناء، ونعيمها ابتلاء، جديدها يبلى، وملكها يفنى، وُدّها ينقطع، وخيرها ينتزع، المتعلقون بها على وجل، إما في نعم زائلة، أو بلايا نازلة، أو منايا قاضية. ي?قَوْمِ إِنَّمَا هَـ?ذِهِ ?لْحَيَو?ةُ ?لدُّنْيَا مَتَـ?عٌ وَإِنَّ ?لاْخِرَةَ هِىَ دَارُ ?لْقَرَارِ [غافر:39] ، العمر قصير، والخطر المحدق كبير. والمرء بين حالين: حال قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه، وأجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه.

إذا كان الأمر كذلك أيها الأحبة، فعلى صاحب البصر النافذ أن يتزود من نفسه لنفسه، ومن حياته لموته، ومن شبابه لهرمه، ومن صحته لمرضه، فما بعد الموت من مستعتب، ولا بعد الدنيا سوى الجنة أو النار.

ومن أصلح ما بينه وبين ربه كفاه ما بينه وبين الناس، من صدق في سريرته حسنت علانيته، ومن عمل لآخرته كفاه الله أمر دنياه.

والمحاسبة الصادقة ما أورثت عملًا، فعليك ـ يا عبد الله ـ أن تستدرك ما فات بما بقي فتعيش ساعتك ويومك، ولا تشتغل بالندم والتحسر من غير عمل. واعلم أن من أصلح ما بقي غُفر له ما مضى، ومن أساء فيما بقي أُخذ بما مضى وبما بقي. والموت يأتيك بغتة، فأعط كل لحظة حقها، وكل نَفَس قيمته، فالأيام مطايا، والأنفاس خطوات والصالحات هي رؤوس الأموال، والربح جنات عدن، الخسارة نار تلظى، لا يصلاها إلا الأشقى. وأنت حسيب نفسك.

روى الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح، حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولمّا يلحد، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مستقبلًا القبلة، وجلسنا حوله، وكأن على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت في الأرض، فجعل ينظر إلى السماء، وينظر إلى الأرض، وجعل يرفع بصره ويخفضه ثلاثًا، فقال: (( استعيذوا بالله من عذاب القبر ـ مرتين أو ثلاثًا ـ ) )، ثم قال: (( اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ثلاثًا، ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة. نزل إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت عليه السلام حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من فيّ السقاء، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، فذلك قوله تعالى: تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرّطُونَ [الأنعام:61] ، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، قال: فيصعدون بها، فلا يمرون، يعني بها، على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب، فيقولون: فلان بن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح لهم، فيشيعه من كل سماء مقربوها، إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي به إلى السماء السابعة، فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وما أدراك ما عليون، كتاب مرقوم، يشهده المقربون، فيكتب كتابه في عليين، ثم يقال: أعيدوه إلى الأرض فإني وعدتهم أني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال: فيرد إلى الأرض وتعاد روحه في جسده، قال: فإنه يسمع خفق نعال أصحابه إذا ولوا عنه مدبرين، فيأتيه ملكان شديدا الانتهار، فينتهرانه ويجلسانه، فيقولان له: من ربك ؟فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك ؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له، ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟، فيقول: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولان له: وما يحملك، فيقول: قرأت كتاب الله، فآمنت به وصدقت، فينتهره فيقول: من ربك، ما دينك، من نبيك، وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن، فذلك حين يقول الله عز وجل: يُثَبّتُ ?للَّهُ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ بِ?لْقَوْلِ ?لثَّابِتِ فِى ?لْحَيَو?ةِ ?لدُّنْيَا فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم فينادى مناد في السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا من الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره، قال: ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، أبشر برضوان من الله، وجنات فيها نعيم مقيم، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت، فوجهك الوجه يجيء بالخير فيقول: أنا عملك الصالح، فوالله ما علمتك إلا كنت سريعًا في إطاعة الله بطيئًا في معصية الله، فجزاك الله خيرًا، ثم يفتح له باب من الجنة، وباب من النار، فيقال: هذا منزلك لو عصيت الله، أبدلك الله به هذا، فإذا رأى ما في الجنة قال: رب عجل قيام الساعة كيما أرجع إلى أهلي ومالي، فيقال له: اسكن ) ).

قال: (( وإن العبد الكافر وفي روايةٍ الفاجر، إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة غلاظ شداد، سود الوجوه، معهم المسوح من النار، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت، حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتفرق في جسده فينزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، فتقطع معها العروق والعصب، فيلعنه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء، وتغلق أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله ألا تعرج روحه من قبلهم، فيأخذها، فإذا أخذها، لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يجعلوها في تلك السموح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأٍ من الملائكة، إلا قالوا:ما هذا الروح الخبيث فيقولون: فلان ابن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهى به إلى السماء الدنيا، فيستفتح له، فلا يفتح له ) )، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْو?بُ ?لسَّمَاءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ ?لْجَنَّةَ حَتَّى? يَلِجَ ?لْجَمَلُ فِى سَمّ ?لْخِيَاطِ [الأعراف:40] ، (( فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتابه في سجين، في الأرض السفلى، ثم يقال، أعيدوا عبدي إلى الأرض، فإني وعدتهم أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، فيطرح روحه من السماء طرحًا، حتى تقع في جسده ) )، ثم قرأ: وَمَن يُشْرِكْ بِ?للَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ?لسَّمَاء فَتَخْطَفُهُ ?لطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ ?لرّيحُ فِى مَكَانٍ سَحِيقٍ [الحج:31] .

(( فتعاد روحه في جسده، قال: فإنه ليسمع خفق نعال أصحابه إذا ولوا عنه، ويأتيه ملكان شديدا الانتهار، فينتهرانه، ويجلسانه، فيقولان له، من ربك، فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟فيقول: ها هاه لا أدري، فيقولان: فما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟فلا يهتدي لاسمه، فيقال محمد، فيقول: هاه هاه لا أدري، سمعت الناس يقولون ذاك، قال: فيقال: لا دريت ولا تلوت، فينادى مناد من السماء، أن كذب، فأفرشوا له من النار وافتحوا له بابًا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره، حتى تختلف منه أضلاعه. ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت؟ فوجهك الذي يجيء بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث، فو الله ما علمتك إلا كنت بطيئًا عن طاعة الله، سريعًا إلى معصية الله، فجزاك الله شرًا، ثم يقيض له أعمى أصم أبكم في يده مرزبة، لو ضرب بها جبل كان ترابًا، فيضربه ضربة حتى يصير بها ترابًا، ثم يعيده الله كما كان، فيضربه به ضربة أخرى، فيصيح صيحة يسمعه كل شيء إلا الثقلين، ثم يفتح له باب من النار، ويمهد من فرش النار، فيقول: رب لا تقم الساعة ) ).

فاتقوا الله عباد الله، كفى بالموت واعظًا، فإنه لا يقرع بابًا، ولا يهاب حجابًا لا يقبل بديلًا، لا يأخذ كفيلًا، ولا يرحم صغيرًا، ولا يوقر كبيرًا.

أكثروا من ذكر هادم اللذات، ومفرق الجماعات، ولا تغتروا يا عباد الله، بهذه الأعمال البسيطة التي تقدمونها.

يروى أنه لما احتضر أبو بكر الصديق رضي الله عنه، قالت عائشة:

لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يومًا وضاق بها الصدر

فقال: ليس كذلك، ولكن قولي: وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19] .

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه عند موته، ويلي وويل أمي، إن لم يرحمني ربي.

ولما احتضر أبو هريرة رضي الله عنه بكى، فقيل له: وما يبكيك؟فقال: بُعد المفازة وقلة الزاد، وعقبةٌ كئود، المهبط منها إلى الجنة أو إلى النار.

ولما احتضر عمر بن عبد العزيز، قال: إلهي أمرتني فلم ائتمر، وزجرتني فلم أنزجر، غير أني أقول: لا إله إلا الله.

وقال المزني، دخلت على الشافعي في علته التي مات فيها، فقلت له: أبا عبد الله، كيف أصبحت؟ قال: أصبحت من الدنيا راحلًا، ولإخواني مفارقًا، وبكأس المنية شاربًا، وعلى الله وارادًا، ولا أدري نفسي تصير إلى الجنة فأهنئها أم إلى النار فأعزيها. ثم بكى وقال:

ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي جعلت رجائي نحو عفوك سلما

تعاظمني ذنبي فلما قرنته بعفوك ربي كان عفوك أعظما

وما زلت ذا عفو عن الذنب سيدي تجود وتعفو منّة وتكرما

ولولاك لم يغوِ بإبليس عابد فكيف وقد أغوى صفيك آدما

وصلوا وسلموا على خير خلق الله محمد بن عبد الله كما أمركم.

اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال.

اللهم اجعل قبورنا روضة...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت