فهرس الكتاب

الصفحة 5457 من 5777

حقيقة التوحيد

التوحيد

الشرك ووسائله, شروط التوحيد

سعيد بن سالم سعيد

الشارقة

غير محدد

1-الغاية من خلق الخلائق. 2- حقيقة كلمة التوحيد. 3- تفسير خاطئ لكلمة التوحيد. 4- كلمة التوحيد هي دعوة الأنبياء كلهم. 5- فضائل التوحيد الخالص. 6- تعريف الشرك وبيان خطورته. 7- من صور الشرك في زماننا.

اعلموا ـ رحمني الله وإياكم ـ أن الله ما خلقنا عبثا، بل لغاية عظيمة، قال تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ أي: أفحسبتم ـ أيها الخلق ـ أنما خلقناكم عبثا، أي: سدى وباطلا، تأكلون وتشربون وتمرحون وتتمتعون بلذات الدنيا ونترككم لا نأمركم ولا ننهاكم ولا نثيبكم ولا نعاقبكم؟! بل خلقنا الله لهدف عظيم، قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56] . هذه هي الغاية التي خلقنا لأجلها يا عباد الله، وهي عبادة الله عز وجل وتوحيده، أن نفرد الله عز وجل بالعبادة دون ما سواه؛ لأنه هو المستحق لها دون غيره.

ولهذه الحقيقة التي هي التوحيد أرسل الله الرسل والنبيين مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتب ليبينوا للناس ما اختلفوا فيه، وقامت سوق الجنة والنار، وانقسم الناس إلى مؤمنين وكفار، وأمر الله رسله بقتال من كفر وأعرض.

فما حقيقة التوحيد الذي بعث الله به الرسل وأمر به الخلق؟ إنها كلمة:"لا إله إلا الله محمد رسول الله"، فما معنى شهادة أن لا إله إلا الله؟ كلنا يقولها والقليل منا يعلم معناها، يقول تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: 25] .

معنى"لا إله إلا الله"هو إفراد الله بالعبادة دون ما سواه، فلا تعبد إلا الله، قال تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام: 162] ، فالدعاء والاستغاثة والصلاة والزكاة والذبح وغيرها من العبادات القولية والعملية هي لله وحده، فلا يجوز صرف شيء منها لصنم ولا لملك ولا لنبي ولا لشجر، فمن أدى العبادة لغير الله فقد أشرك بالله، ومن قال هذه الكلمة عارفا لمعناها عاملا بمقتضاها من نفي الشرك وإثبات الوحدانية لله مع اعتقاد ذلك والعمل به فهو المسلم حقا.

وكثيرا ما نسمع أن معنى"لا إله إلا الله"أنه لا خالق ولا رازق إلا الله، هذا التفسير ـ عباد الله ـ تفسير خاطئ وتحريف للكلم عن مواضعه؛ وذلك لأن كفار قريش يؤمنون بأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت، ولم ينفعهم هذا مطلقا، بل بقوا على كفرهم، والدليل على ذلك من كتاب الله ربنا قوله تعالى: قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ [يونس: 31] ، وقال تعالى: وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ [العنكبوت: 61] . فهذا الاعتقاد وهو أن الله هو الخالق الرازق يؤمن به كل الناس، الكفار والمؤمنون، ولكن لم ينفع الكفار إيمانهم بذلك.

فمعنى"لا إله إلا الله": لا معبود بحق في السموات والأرض إلا الله، ففيها نفي وإثبات، نفي لجميع الآلهة وإثبات الإلهية الله تعالى وحده دون غيره، وهذا ما فهمه الكفار وهو ترك عبادة الأصنام والأوثان وعبادةُ الواحد الديان، ولذلك استغربوا لهذه الكلمة وقالوا: أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ، وقال تعالى مبينا فهمهم لكلمة التوحيد: قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا.

عباد الله، هذه الكلمة دعا إليها جميع الأنبياء والرسل، قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: 25] ، وإلى ذلك دعا نوح عليه السلام: لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ، ثم جميع الأنبياء من بعده صالح وهود وغيرهم كلهم قالوا لقومهم: يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ.

وقد أمر رسولنا بالدعوة إليها وقتال من كفر بها، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: (( أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ ) ).

قول:"لا إله إلا الله"سبب لنيل الجنة، قال: (( فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ ) )رواه البخاري، ولكن هذا الأجر العظيم لمن قالها خالصا من قلبه ومات عليها ولم يناقضها بشرك.

وعَنْ مُعَاذٍ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ: عُفَيْرٌ، فَقَالَ: (( يَا مُعَاذُ، هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟ ) )قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: (( فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لا يُعَذِّبَ مَنْ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ) )، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلا أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ؟ قَالَ: (( لا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا ) ).

فإذا علمنا معنى كلمة التوحيد وهو أنه لا إله في الكون يستحق العبادة إلا الله، فما ضد التوحيد؟ إنه الشرك، ومعناه ما رواه البخاري عن عَبْد اللَّهِ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ: أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: (( أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ ) ). فالشرك هو صرف العبادة لغير الله.

والشرك ذنب عظيم لا يغفره الله مطلقا إلا لمن تاب وآمن وعمل صالحا، أما من مات عليه فهو في النار، قال تعالى: إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا. ولو غفر الشرك لأحد لغفر لابن نوح الذي قال والده له: وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ. ولو غفر لأحد لغفر لعم النبي الذي نصره وكان له ظهيرا لنشر الدين، ولكنه مات على الكفر والشرك، عن الْعَبَّاسُ بْن عَبْد الْمُطَّلِبِ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ: قلت لِلنَّبِيِّ: مَا أَغْنَيْتَ عَنْ عَمِّكَ فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ؟ قَالَ: (( هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، وَلَوْلا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرَكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ) ).

عباد الله، ولخطورة الشرك أن الله حرم الجنة على المشرك، وحكم عليه بالخلود في النار، كما في قوله تعالى: إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ. الشرك أعظم الظلم، قال تعالى: وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ.

ولخطورة الشرك استعاذ منه نبي من أنبياء الله وهو إبراهيم عليه السلام، الذي حارب الأصنام وكسرها وألقي في النار بسببها يخاف على نفسه الشرك، قال تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ. فإذا خافه هذا النبي من أولي العزم على نفسه وعلى ذريته فمن باب أولى أن نخافه على أنفسنا.

لخطورة الشرك خافه على صحابته أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، قال رَسُولَ اللَّهِ: (( إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ ) )، قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (( الرِّيَاءُ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمُ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا، فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً ) ). وأحاديث كثيرة غير ذلك تبين خطر الشرك بالله.

عباد الله، فإن سأل سائل: ما هي بعض صور الشرك المنتشر في زماننا؟ نقول: من صور الشرك المنتشر في زماننا دعاء غير الله لطلب الرزق وجلب النفع ودفع الضر، كدعاء النبي أو الصالحين أو الأولياء من دون الله، مع أن كاشف الضر وجالب النفع هو الله، قال تعالى: وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ.

من صور الشرك تعليق الحروز والتمائم على رقاب الأولاد؛ لدفع الأمراض والحسد عنهم، أو تعليقها في السيارات. من صور الشرك الذبح عند القبور بحجة التقرب لهذا الميت لكي يكون واسطة بينه وبين الله، أو للجان، أو الذبح عند العيون الحارة للشفاء، والنبي قال: (( لعن الله من ذبح لغير الله ) ). من صور الشرك الذهاب للسحرة والكهان للعلاج والسؤال، وقراءة الأبراج في الصحف والمجلات. ومن صوره الغلو في الأنبياء والصالحين، وأن يجعل لهم بعضا من خصائص الرب، كقول ذلك الشاعر في قصيدة البردة:

فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم

وهذا كذب، فإن علم الغيب وهو علم اللوح والقلم من علم الله لا من علوم الأنبياء، قال: (( لا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ) ).

عباد الله، لا تستهينوا بأمر التوحيد وخطورة الشرك، فوالله إن أمرهما لجد مهم، بل هو أهم المهمات وأولى الأمور بالتعلم والحذر، فتعلموا أمور دينكم تفلحوا في الدنيا والآخرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت