الإيمان
خصال الإيمان
سعيد بن سالم سعيد
الشارقة
غير محدد
1-من أسباب زيادة النعم شكرها. 2- شكر النعم من صفات الأنبياء والمرسلين وعباد الله الصالحين. 3- آثار الشكر. 4- بم يكون الشكر؟
يقول ربنا سبحانه وتعالى: وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ [النحل: 18] .
لقد أجزلَ الله على عباده من نعمه العظيمة، وأغدق عليهم من آلائه الجسيمة، فنعم الله الظاهرة والباطنة على العباد بعدد الأنفاس واللحظات، من جميع أصناف النعم، مما يعرف العباد ومما لا يعرفون، وما يدفع عنهم من النقم فأكثر من أن تحصى.
وطلب منا ربنا مقابل هذه النعم الشكر له فقال سبحانه: فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [النحل: 114] ، وقال سبحانه آمرا عباده بذكره وشكره: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ [البقرة: 152] . قال ابن القيم رحمه الله في الفوائد:"مبنى الدين على قاعدتين: الذكر والشكر، وهذان الأمران هما جماع الدين؛ فذكره مستلزم لمعرفته، وشكره متضمن لطاعته، وهذان هما الغاية التي خلق لأجلها الجن والإنس، أن يذكر وأن يشكر، يذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، وهو سبحانه ذاكر لمن ذكره شاكر لمن شكره، فذكره سبب لذكره وشكره سبب لزيادته من فضله".
وشكر الله على نعمه هو من صفات الأنبياء والمرسلين ومن صفات عباد الله الصالحين، قال الله تعالى عن نوح عليه السلام: إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا [الإسراء: 3] ، وقال عن إبراهيم الخليل عليه السلام: إِنَّ إِبْراهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِرًا لأنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِراطٍ مُّسْتَقِيمٍ [النحل: 120، 121] ، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله يقوم من الليل حتى تتفطّر قدماه، فقلت: يا رسول الله، تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر! فقال: (( أفلا أكون عبدًا شكورًا؟! ) )رواه البخاري. ولذلك كانت هذه العبادة صفة القليل من العباد كما قال سبحانه: وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ: 13] .
والشكر وصية النبي لأصحابه، فقد قال: (( يا معاذ، أني أحبُّك، فلا تدعنّ أن تقول دبرَ كلّ صلاة: اللهم أعنِّي على ذكرك وشُكرك وحسن عبادتك ) ). ودعاء العبد ربَّه أن يوافيَ نعمَ الله بالشكر من أفضل الأدعية، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"تأمّلتُ أفضلَ الدعاء فإذا هو: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك".
ولما عرف عدوُّ الله إبليس قدرَ مقام الشكر وأنه من أجلِّ العبادات وأعلاها جعل غايتَه السعيَ في قطع الناس عنه، فقال: ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف: 17] .
والشكر أمنةٌ من العذاب، قال عز وجل: مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ [النساء: 147] . ونجَّى الله لوطًا عليه السلام من العذاب بالشكر: إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَـ?هُم بِسَحَرٍ نّعْمَةً مّنْ عِندِنَا كَذَلِكَ نَجْزِى مَن شَكَرَ [القمر: 34، 35] .
وكلُّ نعمة لا تقرِّب من الله فهي نقمة، والشكر هو الحافظ للنعم الموجودة والجالبُ للنعم المفقودة، يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (النعمة موصولةٌ بالشكر، والشكر يتعلّق بالمزيد، ولا ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر) .
والعبد إذا كانت له عند الله منزلة فحفظها وبقي عليها ثم شكر الله على ما أعطاه آتاه الله أشرفَ منها، وإذا ضيَّع الشكرَ استدرجه الله، يقول الحسن رحمه الله:"إن الله يمتِّع بالنعمة ما شاء، فإذا لم يشكر عليها قلبها عذابًا".
وإذا رأيت ربَّك يوالي عليك نعمَه وأنتَ تعصيه فاحذره، قال سبحانه: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ [القلم: 44] ، قال سفيان رحمه الله:"يُسبغ عليهم النعم ويمنعهم الشكر".
عباد الله، الشُكر يكون بالقلب واللسان والجوارح، فالشُكر بالقلب يكون بالاعتراف بالنعم للمُنعِم وأنها منه وبفضله، ومن الشُكر بالقلب محبة الله على نعمه والإخلاص له والخوف منه. والشُكر باللسان: الثناء بالنِّعم وذكرها وتعدادها وإظهارها، قال الله تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ. والشُكر بالجوارح: أن لا يُستعان بالنِّعم إلا على طاعة الله عز وجل، وأن يحذر مِن استعمالها في شيء من معاصيه، فمن عصى الله بنعمه فإنه لم يؤد شكرها، وهو معرّض للحرمان منها.
ويبين لنا ذلك القصة التي رواها البخاري ومسلم عن أبي هريرة أنه سمع النبي يقول: (( إن ثلاثة في بني إسرائيل: أبرص وأقرع وأعمى، فأراد الله أن يبتليهم ـ أي: يختبرهم ـ فبعث إليهم ملكًا، فأتى الأبرص فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن وجلد حسن ويذهب عني الذي قد قذرني الناس، قال: فمسحه فذهب عنه قذره وأعطي لونًا حسنًا وجلدًا حسنًا، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الإبل، قال: فأعطي ناقة عشراء ـ أي: قريبة الولادة ـ فقال: بارك الله لك فيها، ـ قال: ـ فأتى الأقرع فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن ويذهب عني هذا الذي قذرني الناس، قال: فمسحه فذهب عنه قذره وأعطي شعرًا حسنًا، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: البقر، فأعطي بقرة حاملًا، فقال: بارك الله لك فيها، ـ قال: ـ فأتى الأعمى فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: أن يرد الله إلى بصري فأبصر به الناس، قال: فمسحه فرد الله إليه بصره، قال: فأي شيء أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطي شاة والدًا، فكان لهذا وادٍ من الإبل، ولهذا وادٍ من البقر، ولهذا وادٍ من الغنم. ثم إنه أتى الأبرص ـ أي: الملَك الذي جاءهم أول مرة ـ في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين قد انقطعت بي الحيل ـ أي: الأسباب والطرق ـ في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيرًا أتبلّغ عليه في سفري، فقال: الحقوق كثيرة، فقال له: كأني أعرفك، ألم تكن أبرص يقذرك الناس فقيرًا فأعطاك الله؟! فقال: إنما ورثت هذا المال كابرًا عن كابر ـ أي: عن آبائي ـ فقال: إن كنت كاذبًا فصيرك الله إلى ما كنت، ـ قال: ـ وأتى الأقرع في صورته وهيئته، فقال له مثل ما قال لهذا، ورد عليه ما رد على هذا، فقال: إن كنت كاذبًا فصيرك الله إلى ما كنت ) ). هذان مثالان للكافر بالنعمة، وأما الثالث صاحب الغنم فإنه مثال الشاكر الذي يعرف نعم الله فيؤدي شكرها كما ينبغي، يقول: (( وأتى الأعمى في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين وابن سبيل، انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري، فقال: قد كنت أعمى فرد الله إلي بصري، فخذ ما شئت ودع ما شئت، فوالله لا أجهدك اليوم شيئًا أخذته لله ـ أي: لا أشق عليك برد شيء تأخذه ـ، فقال: أمسك مالك، فإنما ابتليتم، فقد رُضي عنك وسُخط على صاحبيك ) ).
ألا فكونوا ـ عبادا لله ـ شاكرين معترفين بنعم الله ظاهرا وباطنا، وأن نستغل نعم الله في طاعة الله لا في معصيته، فمن فعل ذلك فهو العبد الشاكر.