فهرس الكتاب

الصفحة 2465 من 5777

أحداث فلسطين ووهن الأمة

العلم والدعوة والجهاد, فقه

القتال والجهاد, المساجد, المسلمون في العالم

عبد العزيز بن الطاهر بن غيث

طرابلس

بلال بن رباح

1-واقع أمة الإسلام وذلها بين الأمم. 2- ضعف إيماننا هو سبب تسلط عدونا علينا. 3- وقوع الغثائية والوهن في الأمة. 4- تمكن الأمة اليهودية التي كتب الله عليها الذلة والمهانة. 5- النصر يطلب من الله لا من الغرب ودوله. 6- واجب الشعوب بمأساة إخواننا في فلسطين.

وبعد:

تمر أمة الإسلام هذه الأيام بمرحلة حرجة وتجتاز منعطفًا خطيرًا يمثل تهديدًا لوجودها المادي والمعنوي بين أمم الأرض وبين شعوب العالم، ولابد للأمة أن تثبت وجودها، لابد للأمة أن تتدارك حالها وتعدل من وضعها حتى لا يكون ما تمر به في هذه الأيام سُبّة في جبين كل من ينتمي إليها، وحتى لا يستحي الإنسان من الإعلان على أنه مسلم أو عربي، ولن يكون تدارك حال الأمة إلا بالرجوع إلى خالقها ومولاها لطلب العون والنصر والتأييد منه، فلا ملجأ إلا إلى الله ولا ملاذ إلا إلى الله ولا مهرب إلا إلى الله وَمَا ?لنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ?للَّهِ [آل عمران:126] .

إن الأمة ـ عباد الله ـ أهينت ومرغت سمعتها في التراب وتفرج القاصي والداني على اليهود، أحفاد القردة والخنازير وهم يقتلون الشيوخ والنساء والأطفال في فلسطين بدم بارد، ويهدمون المباني فوق رؤوس أصحابها ويدمرون المؤسسات والمساجد، دون أن ينتفض مسلم ليرفع هذا الظلم ويغسل هذا العار، بكى الأطفال وذهل الشيوخ واستنجدت الحرائر الطاهرات وهن يواجهن صلف ورعونة وفحش الصهاينة، ولكن لا مجيب، فماذا عسانا نقول ومن عسانا ننادي....

أمتي هل لك بين الأمم منبر للسيف أو للقلم

أتلقاك وطرفي مطرق خجلا من أمسك المنصرم

أمتي كم غصة دامية خنقت نجوى علاك في فمي

أي جرح في إبائي راعف فاته الآسي فلم يلتئم

آل إسرائيل تعلو راية في حمى المهد وظل الحرم؟

اسمعي نوح الحزانى واطربي وانظري دمع اليتامى وابسمي

ودعي القادة في أهوائها تتفانى في خسيس المغنم

لا يلام الذئب في عدوانه إن يك الراعي عدو الغنم

رب وامعتصماه انطلقت ملء أفواه البنات اليتم

لامست أسماعهم لكنها لم تلامس نخوة المعتصم

لم يعجز المسلمون عن مساعدة إخوانهم ولم يعجزوا عن منازلة عدوهم بسبب الضعف المادي، وإن كانوا ضعفاء ماديًا، إنما عجزوا بسبب ضعف الإيمان أو غيابه، فالمسلم إنما يستمد قوته من إيمانه بالله سبحانه، فإذا آمن بالله ثبته الله وسدده ووفقه، وأنزل الرعب في قلوب أعدائه، فاندحروا وإن كانوا أكثر عدة وعددًا، ولنا في تاريخ رسول الله وأصحابه والمسلمين الصادقين من بعده خير دليل على هذا.

فضعف إيماننا وإيثارنا للملذات والشهوات وحبنا للدنيا هو مكمن دائنا، وهذا ما أشار إليه رسول الله حين قال في الحديث النبوي الذي رواه أبو داود عن ثوبان والذي يعد من معالم النبوة ومن دلائل صدقه لأنه يخبر عن أمر لم يحضره رسول الله ، أمر يقع في المستقبل، يقع لنا إن نحن آثرنا الحياة الدنيا على الآخرة، وهذا ما يحصل الآن يقول في هذا الحديث: (( يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن. فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت ) ).

وهاهو الوهن في أوضح صوره، يعيشه المسلمون، وهاهي الأكلة من كل اتجاه تتداعى علينا كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، وها نحن غثاء يحمله السيل هنا وهناك كما وصفنا رسول الله (( غثاء ) )لا شخصية ولا هوية ولا انتماء ولا جذور، كل هذا لأن الأمة ركنت إلى الدنيا، كل هذا لأن الأمة ارتكبت المحرمات، كل هذا لأن الأمة اجتمعت فيها الموبقات التي أهلك الله بها الأمم السابقة، كل هذا لأن الأمة فارقت دينها وعقيدتها ففارقها العز وفارقها النصر وقهرت واستبيحت وذلت ذلًا ما بعده ذل، فالذل درجات، وأكبره كان من نصيب هذه الأمة في هذه الأيام، فقد يذل إنسان أمام إنسان، وقد تذل أمة أمام أمة، فهذه سنة الحياة، أما أن تذل أمة أمام شرذمة من الأفاقين، أن تذل أمة أمام عصابة، أن تذل أمة أمام من كتب الله عليهم الذل والمسكنة إلى يوم القيامة، فهذا هو أذل الذل.

كتب الله على اليهود الذل إلى يوم القيامة ولكنهم أذلونا، يقول سبحانه ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ?لذّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مّنْ ?للَّهِ وَحَبْلٍ مّنَ ?لنَّاسِ وَبَاءوا بِغَضَبٍ مّنَ ?للَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ?لْمَسْكَنَةُ [آل عمران:112] ، فارق المسلمون دينهم وعقيدتهم، فسلط الله عليهم أذل خلق الله، من جعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت، وكان على الأمة حين ابتليت بهذا أن تعود إلى دينها وتتوكل على ربها ليعود لها عزها ومكانتها، لكنها ابتعدت عن دينها وتوكلت على أمريكا طالبة منها العون والنجدة ونسيت قول ربها سبحانه: ?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مّنَ ?لَّذِينَ أُوتُواْ ?لْكِتَـ?بَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَـ?نِكُمْ كَـ?فِرِينَ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى? عَلَيْكُمْ ءايَـ?تُ ?للَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِ?للَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَى? صِر?طٍ مّسْتَقِيمٍ [آل عمران:100، 101] ، ينتظر أتباع محمد بن عبد الله وأحفاد خالد وعاصم وصهيب، ينتظرون الحل من البيت الأبيض أو البيت الأحمر، ونسوا كلام الله الذي يتلى على مر العصور: ?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ ?لْبَغْضَاء مِنْ أَفْو?هِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الاْيَـ?تِ إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ [آل عمران:118] .

إن هذه الأمة ـ عباد الله ـ لن تكون أمة جديرة بالنصر والتمكين إلا إذا كانت على ثقة بأن النصر من عند الله، وأننا بقدر ما نرضي الله بقدر ما يوفقنا ويسددنا سبحانه، بقدر ما نعتز بديننا وانتمائنا بقدر ما ننصر، وبقدر ما نتبع أهواءنا وسنن وعادات الذين كفروا بقدر ما نخذل ونذل، فعندما كان رجال من هذه الأمة مخلصين لربهم وحريصين على مصالح قومهم كتب الله على أيديهم الفتح وأيدهم بنصره، ففي مثل هذه الظروف التي تمر بها الأمة الإسلامية كان الصليبيون في القرن السادس الهجري يعيثون فسادًا في بيت المقدس، وجاءت رسالة إلى صلاح الدين مكتوبة على لسان المسجد الأقصى تقول هذه الرسالة:

يا أيها الملك الذي لمعالم الصلبان نكس

جاءت إليك ظلامة تسعى من البيت المقدس

كل المساجد طهرت وأنا على شرفي أنجس

فانتفض صلاح الدين وجدّ ونسي الهزل، ونذر نفسه لتخليص الأقصى من براثن الصليبيين، فأعلنها حربًا لإعلاء كلمة الله وإنقاذ مقدسات المسلمين وكتب الله على يديه النصر، وبقي الأقصى معززًا مكرمًا إلى أن عاد المسلمون إلى اللهو والعبث وتركوا تعاليم دينهم وراءهم ظهريًا، واستبدلوا بالإيمان النفاق، وبالسنة البدعة، وبمكارم الأخلاق سفاسفها، عندها عاد الصليبيون واحتلوا بيت المقدس ووضع قائدهم قدمه على قبر صلاح الدين قائلًا: ها قد عدنا يا صلاح الدين، فما أشبه الليلة بالبارحة، فهاهم المسلمون يذلون في بيت المقدس وفي أكناف بيت المقدس، فإلى أين المفر وإلى أين الملجأ ؟ لا ملجأ إلا إلى الله، ولا توكل إلا عليه سبحانه فتوبوا إلى الله يرحمكم الله، أقول قولي هذا وأستغفر الله...

الحمد لله... الحمد لله القائل في كتابه وَ?عْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ?للَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَ?ذْكُرُواْ نِعْمَةَ ?للَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُم أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا [آل عمران:103[، والصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبد الله القائل فيما صح عنه: (( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إن اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) )رواه مسلم عن النعمان بن بشير، هذا هو مثل المؤمنين في كل مكان، إن اشتكى مسلم في الغرب أحس به أخوه في الشرق وسعى إلى مساعدته والتخفيف عنه لأن الله أمرنا بذلك، ولأن من بدأ بالاعتداء على أخي فإنه سينتقل بعد الانتهاء منه إلي، فالمؤمنون إخوة، وبلادهم واحدة، وما هذه الحدود التي تقسمنا إلا عوائق وضعها الاستعمار وحافظ عليها أذنابه ليفرقوا بين الأخ وأخيه، فلسان حال المسلم يقول:

أنا الحجاز أنا نجد أنا يمن أنا الجنوب بها دمعي وأشجاني

بالشام أهلي وبغداد الهوى وأنا بالرقمتين وبالفسطاط جيراني

وفي ثرى مكة تاريخ ملحمة على ثراها بنينا العالم الفاني

في طيبة المصطفى روحي ووا ولهي في روضة المصطفى عمري ورضواني النيل مائي ومن عمان تذكرتي وفي الجزائر إخواني وتطوان

فأينما ذكر اسم الله في بلد عددت ذاك الحمى من صلب أوطاني

هذه كلها بلاد الإسلام التي ينبغي أن يفرحنا ما يفرحها ويحزننا ما يحزنها، لا ينبغي عباد الله أن نكون كالأنعام التي إن وفرت لها العلف والمرعى تنافست عليه ونسيت ما دون ذلك، بل ينبغي أن نحس بمعاناة إخواننا ونحزن لأجلهم ونتضرع إلى الله أن يلطف بحالهم، فليس من المعقول أنه بينما يذبح الفلسطينيون جهارًا نهارًا نجد الأمة مشغولة بمن سيحرز كأس إيطاليا أو مشغولة بمن سيربح المليون وليست مشغولة بما يفعل شارون، فإلى الله المشتكى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت