الرقاق والأخلاق والآداب
أعمال القلوب
عبد الله بن محمد البصري
القويعية
جامع الرويضة الجنوبي
1-الخوف الطبيعي. 2- الفرق بين خوف المؤمن وخوف غيره. 3- ذم الخوف الشديد على أمور الدنيا. 4- من أنواع خوف الناس في هذا الزمان. 5- الخوف جند من جنود الله. 6- لماذا يخاف المسلمون اليوم؟
أما بعدُ: فاتقوا اللهَ تعالى وخافوه وتوكّلوا عليه، وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا [الطلاق:3] .
أيها المسلمون، هل يخافُ المؤمنون منَ الأعداءِ ويفزعون؟ هل ترتعدُ فرائصُهُم خوفًا منَ الكفارِ ويقلقون؟ هل يحسِبون للمستقبلِ حسابَه ويتأهّبون؟ أسئلةٌ تتواردُ على الخواطرِ بتكرارٍ، ويكثرُ ورودُها على النفوسِ في هذهِ الأيامِ بإلحاحٍ، خاصةً بعدَ هذهِ الحروبِ الظالمةِ الغاشمةِ، وفي إثرِ تلك التفجيراتِ المروّعةِ الآثمةِ، وفي مثلِ هذهِ الأوضاعِ المتردّيةِ والأحوالِ المنتكسةِ التي تهددُ دولُ الكفرِ فيها أمنَ المنطقةِ بأكملِها، بعدَ أن أرست قواعدَها في كلِّ شبرٍ منها. وللإجابةِ عن مثلِ هذهِ الأسئلةِ يقالُ: إن الخوف شعور إنساني طبيعي، ينتاب الإنسان عند تعرّضه لما يفزعه، والمؤمن ما هو إلا فرد من بني جنسه، يعتريه ما يعتريهم من الخوف والفزع، ويصيبه ما يصيبهم من الخشية والقلق، ولكنه يختلف عن غيره في أثر ذلك الخوف ونتيجته، وطريقة معالجته له والتخلص منه.
إن المؤمن يفزع في الظاهر ويخاف، بل الأنبياء يفزعون ويخافون، فهذا موسى عليه السلام عندما أمره الله أن يلقي عصاه التي في يده فألقاها فتحولت إلى ثعبان عظيم خاف من ذلك ورهب، بل فرّ وهو في حضرة الله استجابة لذلك الشعور الإنساني الطبيعي لديه، قال تعالى: وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ [النمل:10] ، وقال سبحانه: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى [طه:67] ، ولما قتل عليه السلام ذلك الرجل الذي من عدوه أصبح في المدينة خائفًا يترقب، ولما خرج منها خرج خائفًا يترقب، هكذا حكى الله لنا خبره في القرآن.
وهكذا المؤمن يخاف ويفزع، ولكنه في نفس الوقت لا يشمله عميم الخوف، ولا تملؤه الرهبة، ولا يحتويه الفزع، ولا يستولي عليه الهلع مطلقًا، وإنما خوفه الحقيقي من الله سبحانه وتعالى الذي قال: وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:175] ، فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ [التوبة:13] .
إن المؤمن ـ أيها المؤمنون ـ لا ينفعل بالخوف، ولا يتحرك في غاياته بناءً على ذلك الخوف، وإنما خوفه مجرد رد فعل مؤقت لالتماس الاطمئنان، ووسيلة آنية لطلب الأمان، وإلا فإن المدبر عنده للأمور والحاكم فيها هو الله سبحانه الآمر الناهي والنافع الضار، الذي لو اجتمعت الأمة على أن ينفعوا أحدًا بشيء لم يكتبه له لم يستطيعوا، ولو اجتمعوا على أن يضروه بشيء لم يكتبه عليه لم يقدروا، ومن هنا يتميز المؤمن في طريقة معالجة الخوف، إذ يعالجه باللجوء إلى الله والأنس به والاستعلاء بدينه، ويدافعه بالطمأنينة بالله والثقة في موعوده، قال تعالى: قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى [طه:68] ، وقال سبحانه: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28] .
والحاصل أن المؤمنين يخافون ويفزعون، ويتزلزلون ويقلقون، ولكنهم لا يرتدون على أدبارهم ناكصين، ولا يرجعون عن دينهم مرتدين، ولا يزهدون في قيمهم أو مبادئهم شاكّين مرتابين، وحتى وإن استبيحت ديارهم واحتلت مقدساتهم أو زعزع أمنهم وأضعف اقتصادهم فإنهم يظلون أقوياء بربهم، أعزة بدينهم وإيمانهم، يطلبون الحياة كريمة، أو يموتون ميتة شريفة. ولقد حكى الله موقف المسلمين من الأحزاب، وأنهم خافوا منهم وفزعوا، بل زلزلوا لهول ما رأوا زلزالًا شديدًا، قال تعالى: إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا [الأحزاب:10، 11] . نعم، خاف المسلمون وهم مع رسول الله من أحزاب الكفر، ولكنه كان في المقام الأول خوفًا على الدين.
وهذا عمر بن الخطاب يطرق عليه رجل الباب بشدة، فيفزع ويقول: هل دخلت الروم؟ نعم، هل دخلت الروم؟ فهذا هو ما كان يخشاه ويخاف منه، لم يخف على جاه أو سلطان أو منصب، ولم يخش أن يؤخذ مال أو تسلب مزرعة أو يستولى على كرسي أو تسقط رئاسة، وإنما كان يخاف هجومهم على الإسلام، وأن يستحلّوا حماه، ويستبيحوا بيضته.
وهذا الصديق قبله في طريق الهجرة خاف على رسول الله من الكفار الذين يلاحقونه ويطلبونه، فكان يمشي تارة عن يمينه، ويتحوّل تارة عن يساره، ومرّة يحميه من خلفه، وأخرى يحرسه من أمامه، كل ذلك خوفًا عليه أن يُقتَل فيذهب الإسلام.
هكذا كان خوف المؤمنين السابقين؛ لأنهم لم يكن لهم رأس مال سوى الدين، فلم يكونوا يخافون على ضياع شيء سواه، لم يكونوا يخافون على عمارة أو ضيعة، أو يخشون على سيارة أو وظيفة، أو يقلقون على رصيد في مصرف أو بضائع في متجر.
أما لو نظرنا إلى المسلمين في هذا الزمان لوجدنا خوفهم لم يعد مقصورًا على دينهم ورأس مالهم الحقيقي؛ لأنهم أقبلوا على الدنيا، وارتموا في أحضانها غير ناظرين إلى ما وراءهم، وصاروا يعبّون من أنواع شهواتها غير آبهين بما قدموا لما أمامهم، ولهذا تشعّبت الهموم عليهم من كل واد، وتعددت أنواع خوفهم من أحزاب الكفر، فصار منهم من يخاف على مكانته ومنصبه فحسب، إذ شغلته لذة الكرسي، وقيّده سحر المكانة، فلا همّ له إلا أن يحافظ على ذلك الكرسي بكل سبيل ولو غير مشروع، ويتشبّث بكل خيط يبقيه على تلك المكانة ولو كان واهيًا. ووجد في المسلمين من يخاف أن تجمد أرصدته أو يؤخذ ماله، أو يحرم رحلات الترف والسرف على موائد الغرب، والتي يأكل فيها الربا، ويأخذ الميسر، ويعاقر الخمر، ويتمتع بالجنس والرقص، وهؤلاء على اختلافهم يسارعون في موالاة أحزاب الكفر والائتمار بأمرهم والسمع والطاعة لهم، بل بعضهم لا يتوانى في التآمر على إخوانه المسلمين، والدلالة على عوراتهم ونقاط الضعف فيهم؛ لكي يظفر بعرض زائل أو مال قليل، أو لتبقى له على الأقل شهواته لا يحرم منها ولا يمنع عنها، وما سقوط بغداد عنا ببعيد فيُنسَى، ولا قتل بعض القادة الربّانيين في الشيشان بسر فيخفى، وما حال فلسطين الجريحة بخاف علينا، إذ يقتل قادة الجهاد فيها بيد عميلة خائنة من عملاء اليهود الذين باعوا وطنهم، ودلّوا على عورات إخوانهم وثغرات بلادهم، ألا فلا نامت أعين الجبناء وعُبّاد الشهوات.
ومن أنواع خوف الناس في هذا الزمان الخوف الناتج من ضعف اليقين بالله وانعدام الثقة به سبحانه، وهذا خوف عامة الناس، حيث يخافون على أنفسهم وأهليهم وأموالهم، وهو بلاء عمّ، وشرّ طمّ، استغرق نفوسًا وطغى عليها، واستولى على قلوب واستحوذ عليها، حتى صارت حال كثير من الناس لا توحي بأنهم يثقون في وعد الله بنصر دينه، فتراهم قد أصيبوا بهزيمة نفسية داخلية، وحملوا بين أضلعهم نفوسًا انهزامية، لا تفكر بنصر ولا تبحث عنه ولا تسعى فيه، وإنما جُلّ همها الدنيا والملذات والشهوات، وحالها الخوف المستمر والهلع الدائم، وعقيدتها الشك في قضاء الله وقدره وفي حصول موعوده سبحانه، وهؤلاء غالبًا ما يكونون من المنافقين المرتابين الذين نزع الله السكينة من قلوبهم، وقذف فيها الرعب، ووصفهم بقوله: فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ [الأحزاب:19] ، وسمّاهم في القرآن وأشار إليهم بأوصاف كثيرة، ووسمهم بأنهم الفُرّار والمثبّطون وأنهم أهل الخبال والمُعَوِّقون، قال الله تعالى فيهم في سورة الأحزاب: وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلاَّ يَسِيرًا وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا [الأحزاب:13-15] ، وقد ردّ عليهم سبحانه بسبق قضائه وقدره ونفاذ حكمه، فقال قارعًا لهم ومذكّرًا للمؤمنين الصادقين: قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوْ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلًا قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا [الأحزاب:16، 17] .
ومن أوصاف هذه الفئة ـ أيها المسلمون ـ الشح على الخير والسخاء في فاحش القول، وهذا وصف حقيقي لأولئك النفر الشاكّين في قضاء الله سبحانه وقدره، حيث تجدهم أحرص الناس على دينار ودرهم، كأنما قد كتب لهم في هذه الدنيا الخلود، أو كأنما قد ضمن لهم فيها طول العمر. وفي المقابل تجدهم أسخياء في الاعتذار والتعلل والانسلاخ من مواقف المواجهة، إضافة إلى الفحش في القول والخوض في أعراض المؤمنين والمجاهدين، قال سبحانه: فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [الأحزاب:19] .
ألا فاتقوا الله أيها المسلمون، وخافوه إن كنتم مؤمنين، وآمنوا بالقدر خيره وشره، قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [التوبة:51] .
أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، وراقبوا أمره ونهيه ولا تعصوه.
واعلموا أن الخوف من أعظم جند الله سبحانه التي يهزم بها أعداءه، وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ [المدثر:31] ، ولذلك أوصى الله جنده المؤمنين بالصبر والثبات وإعداد العدة لإدخال الرعب في قلوب الأعداء، قال سبحانه: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ [الأنفال:60] .
وقد وعد الله سبحانه المؤمنين بأن يقذف في قلوب أعدائهم الرعب؛ تقوية لهم وتثبيتًا، بل قد نصر رسوله والمؤمنين بأن قذف الرعب في قلوب أعدائهم في كثير من الغزوات، فهزموا دون حرب أو قتال، وتفرّق جمعهم، وتشتت شملهم، وتولوا هاربين لما سمعوا هتاف المسلمين وترديدهم قائلين: الله أكبر، قال تعالى: سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ [آل عمران:151] ، وقال جلّ وعلا: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ [الأنفال:12] ، وقال سبحانه: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ [الحشر:2] ، وقال سبحانه: وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا [الأحزاب:26] ، وقال رسول الله في الحديث الذي رواه مسلم: (( أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض طيبة طهورًا ومسجدًا، فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان، ونصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة ) ).
هكذا قال عليه الصلاة والسلام، وهكذا كانت حاله، فلماذا عاد المسلمون اليوم هم الذين يخافون من أعداء الله من اليهود والنصارى؟! لِمَ أصبحوا يخافون والخوف مضروب على أعدائهم؟! لِمَ صاروا يخافون والله معهم ما داموا على الحق ينصرهم ويؤيدهم؟! هل انقلبت الموازين الكونية واختلّت السنن الإلهية؟! أم هل تخلى الله عن عباده والمؤمنين به ونسيهم؟! أم هل من إرادته سبحانه أن يهزم جنده ويمحو دينه؟! لا والله وكلا، وتعالى الله وجلّ أن يخذل من قام بأمره واعتصم به أو يخزيه. وما أجمل قول تلك المرأة المؤمنة الشريفة الصادقة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها حينما جاءها النبي أول ما أنزل عليه الوحي خائفًا يقول: زمّلوني زمّلوني، وقال لها وأخبرها الخبر: (( لقد خشيت على نفسي ) )، فقالت: كلا والله، ما يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلّ، وتُكْسِبُ المعدوم، وتُقْرِي الضيف، وتعين على نوائب الحق. فرضي الله عنها ما كان أعقلها من امرأة! وعفا الله عن إخوان لنا اليوم على ما تكنّه صدورهم من سوء ظن بالله سبحانه، وغفر لهم ما يملأ صدورهم من خوف من أعدائه، وهم الذين ما زالوا تحت قبضته وفي ملكه، لا يملكون من أمر أنفسهم شيئًا، فضلًا عن أن يملكوا لغيرهم نفعًا أو ضرًا.