الأسرة والمجتمع, التوحيد, فقه
الشرك ووسائله, المرضى والطب, قضايا المجتمع
عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
الرياض
جامع الإمام تركي بن عبد الله
1-الحكمة من الابتلاء بالأمراض. 2- الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل. 3- أنواع العلاج. 4- العلاج الضار. 5- تلبيس السحرة والمشعوذين. 6- التحذير من إتيان الكهان والعرافين. 7- أضرار أهل الشعوذة. 8- وجوب التثبت من المدعين للعلاج. 9- الحصن الحصين من السحرة والمشعوذين.
أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.
عبادَ الله، إن من حكمة الله ابتلاءَ عباده بأنواع من الأمراض والأسقام، وهذا الابتلاء سببٌ لرفع درجات المؤمنين وحطِّ خطاياهم، وفي الحديث: (( ولا يزال البلاء بالمؤمن حتى يخرُج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ) ) [1] ، وعنه أنه قال: (( إذا أحب الله قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط ) ) [2] ، وفيه أيضًا عنه: (( لا يصيب المؤمن من همٍ ولا نصب حتى الشوكة يشاكها إلا كفَّر الله بها من خطاياه ) ) [3] .
وربنا تعالى أذن لعباده بالعلاج وتعاطي الأسباب النافعة التي هي سببٌ لتخفيف شيء من البلاء أو إزالته، وفي الحديث: (( تداووا عباد الله، ولا تتداووا بحرام ) ) [4] ، وفيه أيضًا: (( ما أنزل الله من داء إلا أنزل له دواء، علمه من علمه، وجهله من جهله ) ) [5] ، و (( إذا وافق دواء الداء برأ بإذن الله ) ) [6] .
وتعاطي الدواء وأنواعِ العلاج المأذون فيه لا ينافي توكلَ العبد على الله واعتمادَه عليه، بل تعاطي الأسباب من باب الثقة بالله والتوكل على الله، فإن العبدَ يتعاطى الأسباب وكلُّه ثقةٌ بالله وأن الأمر بيد الله، لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءونَ إِلاَّ أَن يَشَاء ?للَّهُ رَبُّ ?لْعَـ?لَمِينَ [التكوير:28، 29] .
أيها المسلم، تعاطيك للعلاج لا ينافي توكلَك على الله، ولا اعتمادَك عليه، ولا تفويضَ أمرك إليه، بل هو من باب التوكل والاعتماد على الله.
وقد جعل الله العلاج على نوعين:
فهناك العلاج المحسوس الذي يُتعاطى بطريق التجارب، وما هدى الله إليه العبادَ الذين اختصّوا بهذا الشأن، فصار العلاج معروفةً آثاره، معروفًا نفعُه، ولا شكَّ أنه فيه خيرٌ ما دام الأجل في فسحة، فالسبب نافع، وإذا حان الأجل لا ينفعك أيُّ سبب، وَلَن يُؤَخّرَ ?للَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَ?للَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المنافقون:11] ، لكن العبد مأمور بالأخذ بالأسباب النافعة، مأمورٌ بالأخذ بها ما دام الأجل في فسحة، فإن الله ينفع بذلك بتوفيق منه وفضل وإحسان.
وهناك العلاج بكتاب الله جل وعلا، فإن الله جعل كتابه شفاءً لأمراض القلوب والأبدان، وَنُنَزّلُ مِنَ ?لْقُرْءانِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ [الإسراء:82] ، وكذلك الأدعية المأثورة عن نبينا ، فهي نافعة بإذن الله، وفاتحةُ الكتاب أفضلُ سور القرآن جعلها الله علاجًا وشفاءً لِلَدِيغٍ لُدِغ، فنفث عليه فرُقي بفاتحة الكتاب، فكأنما نُشط من عقال، وقال النبي لذلك الراقي: (( وما يدريك أنها رقية ) ) [7] .
أيها المسلم، وهناك نوعٌ من العلاج يقصدُه البعضُ من الناس وهو علاجٌ ضارّ، مُمرض للقلب، مضعفٌ للإيمان، أو مزيلٌ له كلِّه والعياذ بالله، هذا العلاج الضارُّ المذموم هو قصد أولئك المشعوذين، أولئك الكهان والعرافين، أولئك الدجالين الذين لا دين عندهم، ولا ورع عندهم، ولكنهم قومٌ أهل حيَل وابتزازٍ لأموال الناس، وفوق ذلك إفساد للعقيدة، إفساد لعقيدة المسلم، وإيقاعه في الأمور المخالفة لشرع الله.
أيها المسلم، هذا النوع من العلاج يدور تحت أمور: فمنها أن أولئك قد يأتون بما يسلِّي الناس من تهريجٍ وأمور فيها هزل وسخرية من طريق أفلام يعرضونها، لكي تُقضى الأوقات في مشاهدة أشياء لا خير فيها، وإنما تؤدِّي إلى تعلُّق الناس بأولئك، واعتقاد أن عندهم خوارقَ العادة بما يفعلونه ويخيِّلونه في أعين الناس، أو يظهرون ما يظهرون من باب أنهم أهلُ زهد وتُقى، وأن تلك الأمور كرامةٌ لهم من الله، أو يظهرونها في قالب الرقية الشرعية، والعلاج بالأعشاب والطب العربي، وكلُّ أولئك يدورون حول أمرٍ واحد هو الاستعانة بالشياطين، يعبدونهم من دون الله، ويذبحون لهم من دون الله، ويستعينون بهم من دون الله، فربما دلتهم الشياطين على موضع السحر، وربما دلتهم على أمور يصدُقون في واحدة ويكذِبون في مائة، فيغترّ بهم من يغتر، وينخدع بهم من ينخدع، ويثق بهم من يثق، وليسوا محلَّ ثقة، ولكن تطمئن النفوس إليهم، وليس عندهم من العلاج إلا ما يفسد الإسلام والإيمان.
أيها المسلم، كن على ثقة بربك، ومعتمدًا عليه، وابحث عن العلاج من طرقه المشروعة، ابحث عن الأطباء المختصِّين، وعن العلاج لديهم مما وهبهم الله وأعلمهم الله، واحذر تلك الطرق الملتوية، تلك المسالك الوعرة، تلك الأمور المشينة. إن كثيرًا من أولئك على ضلال في أمورهم وفي أحوالهم كلها، وإن تظاهر بعضهم بأنه ذو رقية شرعية، وعلاج بالأعشاب والطب الحديث والطب العربي ونحو ذلك، ولكن الواقع أنها ضلالات ودجل وأكلُ أموال الناس بالباطل.
أيها المسلم، إن نبيك محمدًا حذرك من إتيان أولئك، فصحَّ عنه أنه قال: (( من أتى كاهنًا فسأله عن شيء لم تقبل منه صلاة أربعين يومًا ) ) [8] ، فإذا أتيتَ أحدَ الكهان تسأله عن علاج ويهديك من سَحَر فلانا، ومن رمى هذا بالعين، ومن سحَر هذا، لم تُقبل لك صلاة أربعين يومًا، عقوبةٌ من الله عليك؛ لأنك سألتَ من لا يحق أن تسأله، ومن ليس كفئًا أن تسأله، تسأل كذابًا دجالًا، مستعينًا بالجن، عابدًا لهم من دون الله، ذابحًا لهم من دون الله، مستغيثًا بهم من دون الله، وإن صدَّقته في دعواه فاسمع الوعيدَ الشديد، ثبت عنه في سنن أبي داود أنه قال: (( من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ) ) [9] ، ذلك أنهم يدّعون علمَ الغيب، فإذا صدقتَهم في دعوى علم الغيب فأنت مكذّب ربَّك في قوله: قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِى ?لسَّمَـ?و?تِ و?لأرْضِ ?لْغَيْبَ إِلاَّ ?للَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النمل:65] .
أيها المسلم، إذًا احذر إتيانَهم، واحذر تصديقَهم، ولا يغرَّنك دعايةُ من يدعو إليهم، ويروِّج لباطلهم، ويقول: كان عندي مسحور فحصل الشفاءُ على يديهم، وكان عندي كذا وكذا، كلُّ هذه دعاية مضلِّلة، وكل هذه أقوال كاذبة، فهم ليسوا محلَّ الثقة، ولا تطمئنُّ النفس إليهم.
أيها المسلم، إن أولئك أحيانًا يسبِّبون قطيعةَ الرحم، وإيقاعَ العداوة بين الأقارب، والتفريقَ بينهم، يقول قائلهم: إن الساحرَ لك المرأةُ الفلانية، زوجتُك، أمُّ زوجتك، أختك، أخوك، وإلى غير ذلك، وفلانٌ سحرك، وفلان وفلان... وكيف نصدِّق أولئك؟! وكيف نثق بهم؟! وكيف نطمئن إليهم؟! ونبينا يخبرنا أن من أتاهم وصدَّقهم فهو كافر بما أنزل على محمد.
إنهم كاذبون في دعواهم، وإن تعلّقَ القلب بهم وثقتَه بهم يفسد عليك إيمانك، و [تصبح] تتعلَّق بأولئك ولا تصبر عنهم، وإن شُفيت من مرض بُليت بمرض على أيديهم لكي يدوم تعلُّق قلبك بهم وثقتك بهم.
فاتقوا الله معشر المسلمين، ولا تجعلوهم محلَّ ثقة، ولا تقصدوهم في شفاء المرض، ولا رفع البلاء، ولْتتعلقْ القلوب برب العالمين، وفي الحديث: (( من تعلق شيئًا نسب إليه ) ) [10] ، فمن تعلّق بالله ووثق بالله وكَله الله إليه وأعانه، ومن تعلَّق بأولئك خذله الله وأذله وأهانه.
أيها المسلم، فلنتق الله في أنفسنا، ولنفكِّر في حال من نأتيه ليرقينا الرقيةَ الشرعية، لندرس حاله، ما هذا الرجل؟ ما هي رقيته؟ ما هي حاله من حيث استقامته ومحافظته على دين الله والتزامه بشريعة الله؟ ما هي رقيته التي يرقي بها المريض؟ هل هو كتاب الله؟ هل هو شيء من سنة رسول الله أم هي أمور طلاسم وألفاظ لا نعرفها وكلام لا نفهمه؟ ماذا يأمر به؟ أيأمرك بطاعة الله والالتجاء إليه أم يأمرك بأمور تخالف الشرع؟ هل يقول لك: اذبح وقتَ غروب الشمس أو وقت طلوعها أو افعل كذا أو افعل كذا أو يُعطيك رُقى شيطانية وتعوُّذات لا تفهمها ولا تدري ما انطوت عليه؟
فلنتق الله في أنفسنا، لا يغرَّنّكم من الأشخاص كثرة الناس عندهم، ومراجعة الفئام الكثيرة لهم، فليس كلُّ من كثر السواد عنده دليلا على خيريته وصلاحه، قد يغترُّ الناس بالدعاية المضللة، هذه امرأة تروِّج له وتدعو لإتيانه، وهذا رجل يدعو إليه، وتلك تقول: شفى مريضي، أو قرَّبني لزوجي، أو نحو ذلك، فتأخذ النساء هذا الطابع، ويكثر النساء عنده، ويتبع الرجال النساء جهلًا وتقليدًا، فيظنُّ أن هذا الراقي بلغ من العلم والمعرفة ما يشفي المرضى ونحو ذلك. لا نغترّ بكثرة الناس، ولا نغترّ بقيل وقال، بل يجب أن نفكّر في حال هذا الراقي: ما هي حاله؟ ماذا يأمر به؟ ماذا يرشد إليه؟ فإن تأمَّلنا ذلك بعد أيام علمنا حاله واكتشفنا أمره، فإن كثيرا منهم قد يخدع الناس بمظهرٍ ديني، تراه ذا هيأة حسنة ومتبعًا للسنة في ظاهره، ولكن يعلم الله ما وراء ذلك من خداع ونفاق وكذب وأكل مال بالباطل، ترى بعضهم لا تأمنه حتى على النساء، وترى يظهر من أحوالهم وتصرفاتهم ما يدل على فساد طريقتهم وقبح سيرتهم.
فلنتق الله، ولنفكر في كل من نقصد القراءة والرقية من عنده، هل هو على الطريق المستقيم؟ هل سيرته سيرة فاضلة؟ هل تعاملُه مع النساء تعاملُ ذي عفة ونفس رفيعة أم تعامل ذي دناءة وقلة في الحياء وعدم خوف من الله؟ إن كثيرًا منهم تُنقَل عنهم أقوال سيئة، وتصرفات خاطئة، وإن ادعَوا أنهم أهلُ الرقية الشرعية، فما كل من ادعى هذا الأمر نثق به، ونسلِّم الأمر له، ونقول: فلان كذا وكذا. لا نغتر بهم، فأعظم شيء عليك دينُك الذي شرَّفك الله به، فاحذر أن يذهب دينك على أيدي أولئك الكذابين الدجالين.
نسأل الله لنا ولكم الشفاء والعافية في الدين والبدن والأهل والمال.
وأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.
[1] أخرجه أحمد (2/287، 450) ، والبخاري في الأدب المفرد (494) ، والترمذي في الزهد (2399) ، وأبو يعلى (5912، 6012) ، والبيهقي في الكبرى (3/374) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظه: (( ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة ) )، وقال الترمذي:"هذا حديث حسن صحيح"، وصححه ابن حبان (2913، 2924) ، والحاكم (1281، 7879) ، وهو في السلسلة الصحيحة (2280) .
[2] أخرجه الترمذي في الزهد (2396) ، وابن ماجه في الفتن (4031) ، والقضاعي في مسند الشهاب (1121) ، والبيهقي في الشعب (9782) ، والضياء في المختارة (2351) من حديث أنس رضي الله عنه، وقال الترمذي:"حديث حسن غريب من هذا الوجه"، وحسنه الألباني في الصحيحة (146) .
[3] أخرجه البخاري في المرضى (5642) ، ومسلم في البر (2573) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بنحوه.
[4] أخرجه أبو داود في الطب (3874) ، والبيهقي في الكبرى (10/5) ، وابن عبد البر في التمهيد (5/282) من طريق إسماعيل بن عياش، عن ثعلبة بن مسلم، عن أبي عمران الأنصاري، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء رضي الله عنه، وليس عند ابن عبد البر"عن أم الدرداء"، وثعلبة حديثه حسن في الشواهد، انظر: السلسلة الصحيحة (1633) . وفيه اختلاف آخر فقد أخرجه الطبراني في الكبير (24/254) فجعله من مسند أم الدرداء، قال الهيثمي في المجمع (5/86) :"رجاله ثقات".
[5] أخرجه أحمد (1/377) ، وابن ماجه في الطب (3438) مقتصرا على جزئه الأول، والحميدي (90) ، والشاشي (752) ، وأبو يعلى (5183) ، والطبراني في الكبير (10/163) والأوسط (7036) ، والبيهقي في الكبرى (9/343) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، وقد اختلف في رفعه ووقفه، قال الدارقطني في العلل (5/334) :"ورفعه صحيح"، وصححه الحاكم (8205) ، وقال الهيثمي في المجمع (5/84) :"رجال الطبراني ثقات"، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (451) .
[6] أخرجه مسلم في السلام (2204) من حديث جابر رضي الله عنهما، ولفظه: (( لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله عز وجل ) ).
[7] أخرج القصة البخاري في الطب (5736، 5749) ، ومسلم في السلام (2201) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
[8] أخرجه مسلم في السلام (2230) عن صفية عن بعض أزواج النبي بنحوه.
[9] أخرجه أبو داود في الطب (3904) ، وهو عند أحمد (9290، 9536) ، والترمذي في الطهارة (135) ، والنسائي في الكبرى (9017) ، وابن ماجه في الطهارة (339) ، والدارمي (1136) ، وابن الجارود (107) ، والحاكم (1/8) ، وقال الترمذي:"وضعف محمد ـ يعني: البخاري ـ هذا الحديث من قبل إسناده"، ونقل المناوي في الفيض (6/24) تضعيف البغوي وابن سيد الناس والذهبي لهذا الحديث، ووافقهم على ذلك. وله شاهد من حديث جابر أخرجه البزار (9045 ـ كشف الأستار) ، وجوده المنذري في الترغيب (3/619) ، وقال الهيثمي في المجمع (11715) :"رجاله رجال الصحيح خلا عقبة بن سنان وهو ضعيف"، وصححه الألباني في غاية المرام (285) .
[10] أخرجه أحمد (4/311) ، والترمذي في الطب (2072) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (2576) ، وابن قانع في معجم الصحابة (2/117) ، والحاكم (7503) من حديث عبد الله بن عكيم رضي الله عنه بلفظ: (( وُكل إليه ) )، وقال الترمذي:"حديث عبد الله بن عكيم إنما نعرفه من حديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الله بن عكيم لم يسمع من النبي وكان في زمن النبي يقول: كتب إلينا رسول الله"، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي (1691) .
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرا إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.
عباد الله، إن السحرةَ وأمثالَهم لا يؤثِّرون على أحد إلا بإذن الله، ليسوا قادرين أن يعملوا ما يريدون، ولكن الأمر بيد الله، فقد يسلِّطهم الله عقوبةً على بعض عباده، قال تعالى: فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرّقُونَ بِهِ بَيْنَ ?لْمَرْء وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَارّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ?للَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ ?شْتَرَاهُ أي: باعه مَا لَهُ فِى ?لآخِرَةِ مِنْ خَلَـ?قٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ [البقرة:102] ، فلا يهولنك، ولا تخشَ منهم، ثق بالله، واعلم أن الأمر بيد الله.
إن بعض أولئك يهدِّد من يخاصمه باستعمال السحر والاستعانة بالسحرة، فلا يغرنك ذلك ولا يهولنك، ثق بالله، حصّن نفسك بالأوراد الشرعية التي هي وقاية لك من شرهم وكيدهم.
ونبينا أرشدنا إلى أسبابٍ تقينا ـ بتوفيق من الله ـ كيدَهم وشرَّهم، أرشدنا إلى قراءة آية الكرسي دبر كل صلاة [1] ، وعند نومنا، وأن من قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان [2] .
وأرشدنا لقراءة الآيتين من أواخر سورة البقرة: ءامَنَ ?لرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ إلى آخرها [البقرة:285، 286] ، وقال: (( من قرأهما في ليلة كفتاه ) ) [3] ، أي: من كل سوء بتوفيق من الله.
وأرشدنا إلى أن نقرأ: قُلْ هُوَ ?للَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص] ، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبّ ?لْفَلَقِ [الفلق] ، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبّ ?لنَّاسِ [الناس] دبر كل صلاة [4] ، وأن نقرأها في الصباح والمساء ثلاث مرات [5] ، وعند النوم ثلاث مرات [6] .
وأرشدنا إذا نزلنا منزلًا أن نقول: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، وقال: (( من نزل منزلًا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضرَّه شيء حتى يرحل من منزله ذلك ) ) [7] ، قال أحد العلماء: نزلتُ منزلًا فنسيتُ ذلك الورد فلدغتني عقرب، ففكَّرتُ في نفسي فإذا أنا قد أهملتُ هذا الذكر فأصابني ما أصابني.
وكان يأمر أن نقول كلَّ صباح ومساء ثلاث مرات: بسم الله الذي لا يضرُّ مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم [8] .
وكان يرقي بعض أصحابه: بسم الله أرقيك، من كل داء يؤذيه، من كل نفس وعين حاسد الله يشفيك، بسم الله أرقيك [9] ، وكان يرقي أيضًا: أذهب البأس، ربَّ الناس، واشفِ أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا [10] .
فمن حافظ على الأذكار صباحًا ومساءً، والتجأ إلى الله وابتعدَ عن أولئك فإنه في سلامة وعافية من شرهم وكيدهم.
وفق الله الجميع لما يرضيه، وحصَّننا وإياكم بذكره وبالالتجاء إليه، وكفانا وإياكم شر عباده، إنه على كل شيء قدير.
واعلموا ـ رحمكم الله ـ أن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله على الجماعة، ومن شذ شذ في النار.
وصلوا ـ رحمكم الله ـ على محمد بن عبد الله كما أمركم بذلك ربكم قال تعالى: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين...
[1] أخرج النسائي في عمل اليوم والليلة (100) ، والروياني في مسنده (1268) والطبراني في الكبير (8/114) والأوسط (8068) عن أبي أمامة رضي الله عنه مرفوعا (( من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت ) )، وصححه ابن حبان كما في السير (9/235) ، وقال المنذري في الترغيب (2/299) :"رواه النسائي والطبراني بأسانيد أحدها صحيح"، وقال ابن كثير في تفسيره (1/308) :"هو إسناد على شرط البخاري، وقد زعم أبو الفرج ابن الجوزي أنه حديث موضوع. والله أعلم"، وقال الهيثمي في المجمع (10/102) :"رواه الطبراني في الكبير والأوسط بأسانيد، وأحدها جيد"، وصححه الألباني بمجموع طرقه في السلسلة الصحيحة (972) .
[2] جاء هذا في حديث أبي هريرة في قصته مع الشيطان الذي أراد أن يسرق من زكاة رمضان، فأرشده إلى أن يقرأ آية الكرسي كل ليلة، وفي آخره قال: (( صدقك وهو كذوب ) )، البخاري في كتاب بدء الخلق (3275) .
[3] أخرجه البخاري في كتاب المغازي (4008) ، ومسلم في صلاة المسافرين (807) من حديث أبي مسعود البدري رضي الله عنه.
[4] أخرج أحمد (4/201) ، وأبو داود في الصلاة (1523) ، والترمذي في فضائل القرآن (2903) ، والنسائي في السهو (1336) عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: أمرني رسول الله أن أقرأ المعوذات دبر كل صلاة، قال الترمذي:"هذا حديث حسن غريب"، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (1348) .
[5] أخرج أبو داود في الأدب (5082) ، والترمذي في الدعوات (3575) ، والنسائي في الاستعاذة (5428) عن عبد الله بن خبيب رضي الله عنه أن رسول الله قال له: (( قل: قُلْ هُوَ ?للَّهُ أَحَدٌ والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاث مرات تكفيك من كل شيء ) )، صححه الضياء في المختارة (250) ، والألباني في صحيح الترغيب (649) .
[6] أخرج البخاري في فضائل القرآن (5018) عن عائشة رضي الله عنها أن النبي كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما: قُلْ هُوَ ?للَّهُ أَحَدٌ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ?لْفَلَقِ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ?لنَّاسِ ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات.
[7] أخرجه مسلم في الذكر (2708) من حديث خولة بنت حكيم السلمية رضي الله عنها.
[8] أخرج أحمد (1/62، 66، 72) ، والبخاري في الأدب المفرد (660) ، وأبو داود في الأدب (5088) ، والترمذي في الدعوات (3388) ، وابن ماجه في الدعاء (3869) عن عثمان رضي الله عنه مرفوعا: (( ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات لم يضره شيء ) )، قال الترمذي:"هذا حديث حسن صحيح غريب"، وصححه ابن حبان (852، 862) ، والحاكم (1/695) ، وحسنه الضياء في المختارة (309) ، وصححه الذهبي في السير (4/352) ، والألباني في صحيح الترغيب (655) .
[9] هذه الرقية التي رقى بها جبريل عليه السلام النبي ، أخرجها مسلم في السلام (2186) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
[10] أخرجه البخاري في الطب (5743، 5744، 5750) ، ومسلم في السلام (2191) من حديث عائشة رضي الله عنها. وأخرجه البخاري في الطب (5742) من حديث أنس رضي الله عنه.