قضايا في الاعتقاد
الاتباع
عبد الله بن صالح القصير
الرياض
جامع الأمير متعب
1-الكتاب والسنة هما إرث المسلم من نبيّه 2- السنّة شارحة ومُبيّنة للقرآن 3- مِنّة الله على
هذه الأمة بإرسال الرسل 4- طاعة الرسول طاعة للرب وعصيانه عصيانه
5-الأمر بلزوم السنة
أما بعد: فيا أيها الناس: اتقوا الله ربكم، واتبعوا كتابه المبارك الذي أنزله موعظة لكم وذكرى، فاتبعوه واتقوه لعلكم ترحمون قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ?لْكِتَـ?بِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُمْ مّنَ ?للَّهِ نُورٌ وَكِتَـ?بٌ مُّبِينٌ يَهْدِى بِهِ ?للَّهُ مَنِ ?تَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ ?لسَّلَـ?مِ وَيُخْرِجُهُمْ مّنِ ?لظُّلُمَـ?تِ إِلَى ?لنُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى? صِر?طٍ مُّسْتَقِيمٍ [المائدة:15،16] .
لاَّ يَأْتِيهِ ?لْبَـ?طِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:42] . من اتبعه وتمسك به كان على الهدى، ومن تركه كان على الضلال؛ ففي صحيح مسلم أن النبي قال في خطبته في حجة الوداع: (( إني تارك فيكم ما لن تضلوا إن اعتصمتم به: كتاب الله ) ) [1] . وفيه أيضًا عن زيد بن أرقم رضي الله عنه أن النبي قال: (( إني تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله؛ فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله وتمسكوا به ) ) [2] . وفي هذا بيان منه أن اتباع الكتاب والتمسك به عصمة من الضلال، ونجاة من الفتن، ونور في الظلمات، وفرقان بين الحق والباطل عند اشتباه الأمور.
أيها المسلمون: ولقد وكل الله تبارك وتعالى مهمة تفسير القرآن وبيانه للناس إلى رسوله ، فقال تعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ ?لذّكْرَ لِتُبَيّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل:44] . وقال سبحانه: وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ ?لْكِتَـ?بَ إِلاَّ لِتُبَيّنَ لَهُمُ ?لَّذِى ?خْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [النحل:64] . وبيان النبي لكتاب الله والذكر الذي جعله الله هدى ورحمة للمؤمنين هو بوحي من الله تعالى كما قال سبحانه: وَمَا يَنطِقُ عَنِ ?لْهَوَى? لإ إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يُوحَى? [النجم:3،4] .
ولهذا امتن الله تعالى - وله الفضل والمنة - بذلك على هذه الأمة السابقين منهم واللاحقين ببعثته ، فقال تعالى: هُوَ ?لَّذِى بَعَثَ فِى ?لأُمّيّينَ رَسُولًا مّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءايَـ?تِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمُ ?لْكِتَـ?بَ وَ?لْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَلٍ مُّبِينٍ وَءاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ وَهُوَ ?لْعَزِيزُ ?لْحَكِيمُ ذَلِكَ فَضْلُ ?للَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَ?للَّهُ ذُو ?لْفَضْلِ ?لْعَظِيمِ [الجمعة:2-4] .
فمن فضل الله ورحمته علينا أن بعث إلينا عبده ورسوله محمدًا ، وأنزل عليه الكتاب ليتلو علينا آياته، ويعلمنا الكتاب والحكمة التي هي السنة ؛ يبين بها معاني القرآن، ويفصل أحكامه، ويبشر وينذر ويهدي بها إلى صراط مستقيم، كل ذلك فضل من الله على هذه الأمة ورحمة بها، والله ذو الفضل العظيم.
أيها المسلمون: فالنبي أفعاله وتقريره وحاله، ذلك كله من سنته، فولا السنة لم يعرف الناس عدد ركعات الصلاة وصفاتها وما يجب فيها، ولولا السنة لم يعرفوا تفصيل أحكام الصيام والزكاة والحج والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يعرفوا تفاصيل أحكام المعاملات والمحرمات وما أوجب الله فيها من الحدود والعقوبات؛ ولهذا أوجب الله طاعة رسوله وقرنها بطاعته، وجعلها من أسباب رحمته وهدايته، وحذر من معصيته ومخالفته فقال تعالى: وَأَطِيعُواْ ?للَّهَ وَ?لرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [آل عمران:132] .
وقال تعالى: وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ وَمَا عَلَى ?لرَّسُولِ إِلاَّ ?لْبَلَـ?غُ ?لْمُبِينُ [النور:54] .
وقال سبحانه: مَّنْ يُطِعِ ?لرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ?للَّهَ [النساء:80] .
وقال جل ذكره: وَمَا ءاتَـ?كُمُ ?لرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَـ?كُمْ عَنْهُ فَ?نتَهُواْ وَ?تَّقُواْ ?للَّهَ إِنَّ ?للَّهَ شَدِيدُ ?لْعِقَابِ [الحشر:7] . وقال تبارك اسمه: فَلْيَحْذَرِ ?لَّذِينَ يُخَـ?لِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63] .
قال الإمام أحمد رحمه الله: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعل إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك.
فاتقوا الله أيها المسلمون، وتمسكوا بكتاب ربكم وسنة نبيكم ففيهما الهدى والنور والخير الكثير، واحذروا ما يخالفهما من محدثات الأمور، فإنها ضلال وغرور، ولقد وعد الله تعالى من اتبع هداه بأن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة فقال: فَمَنِ ?تَّبَعَ هُدَاىَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى? [طه:123] . وفي الصحيحين عن النبي قال: (( كل أمتي يدخل الجنة إلا من أبي قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى ) ) [3] . وفيهما أيضًا أن النبي قال: (( من رغب عن سنتي فليس مني ) ) [4] . وأخرج البيهقي عن النبي قال: (( لن يستكمل مؤمن إيمانه حتى يكون هواه تبعًا لم جئت به ) ) [5] .
فعليكم عباد الله بلزوم سنة نبيكم في جميع أحوالكم؛ فإنها سعادة لمن تمسك بها ونجاة له من هلكة، واعلموا أنه لا يقبل قول وعلم ونية، ولا يصلح إلا بموافقة السنة، وأن الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا طريق رسول الله ؛ فمن اقتفى أثره فإن الله يجعل له نورًا في قلبه، ونورًا يسعى به على الصراط يوم القيامة. وكان عمر بن عبد العزيز رحمه الله يقول: سن رسول الله وولاة الأمر بعده - يعني خلفاءه وأصحابه - سننًا؛ الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكثار من طاعة الله، وقوة على دين الله، من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين، والله تعالى يقول: نُوَلّهِ مَا تَوَلَّى? وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا [النساء:115] .
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ?للَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لّمَن كَانَ يَرْجُو ?للَّهَ وَ?لْيَوْمَ ?لاْخِرَ وَذَكَرَ ?للَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الهدى والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.
[1] صحيح مسلم (2137) .
[2] صحيح مسلم (4425) .
[3] صحيح البخاري (6737) .
[4] صحيح البخاري (4675) ، صحيح مسلم (2487) .
[5] سنن البيهقي.
لم ترد.