فهرس الكتاب

الصفحة 2240 من 5777

السفر

الرقاق والأخلاق والآداب, موضوعات عامة

اغتنام الأوقات, السياحة والسفر

فهد بن حسن الغراب

الرياض

جامع شيخ الإسلام ابن تيمية

1-فشو ظاهرة السفر. 2- خطورة السفر إلى بلاد الفسق والكفر وأثر ذلك على الفرد والمجتمع. 3- كيف نقضي الإجازة الصيفية.

أما بعد:

فإن من الأمور الخطيرة، والأمراض الفتاكة، داء بدأ ينتشر في مجتمعنا وللأسف، ودب في أوساطنا ويا للفاجعة.

الغني والفقير، القادر والضعيف، كل بحسبه، يرضخ أحدنا تحت ضغوط النساء والأبناء، كل الناس يسافرون، ونحن من بينهم محرمون. جارنا أقل منا مالًا، وأضعف منا جاهًا، ومع ذلك يسافرون. وتبدأ الخطوة الأولى، برحلة إلى العمرة، ويا حبذا هذه الرحلة، والثانية إلى المدينة النبوية، ويا لها من فرصة وأكرم به من سفر، والثالثة إلى أحد مصايفنا، حيث الجو البارد، والهواء اللطيف، وحيث متعة الأبناء، بما هو متوفر من أجواء اللهو والتسلية، ثم تنجر القدم إلى الأمر الخطير ويبدأ الإنسان في تبرير هذا التصرف، الأسعار هنا مرتفعة، والأماكن أصبحت مألوفة، والمناظر أصبحت متكررة، ولا بد من التجديد. إلى أين الوجهة يا ترى، ويأتي الشيطان يلبس الحق بالباطل: إلى بلد عربي قريب، أرخص أسعارًا وأجمل عقارًا، وأنقى هواءً، كل ما تريد متوفر، وشركات السياحة تتكفل بالحجز، وما عليك إلا إخراج جواز السفر وربط الأحزمة، ويا ليت الأمر يتوقف على سفره وحده، مع ما فيه من الخطر العظيم، ويعظم الخطب، وتكبر الفاجعة، إذا وطأت قدم بنت الجزيرة مكان التصوير، تعظم المصيبة، عندما تأتي بنت فلان العفيفة الشريفة، طالما رباها أبوها على العفاف، كانت درة مصونة، وجوهرة مكنونة، يتقدمها زوجها بكل رضى إلى مكان التصوير، فتنزع خمارها، وتلقي حجابها، ذلك الحجاب الذي طالما سترها عن الرجال، وذلك الجلباب الذي طالما تمسكت به، كانت مستعدة قبل ذلك لأن تقدم حياتها رخيصة ولا يراها الرجال، الحياء يمنعها، والدين يوجهها، والإسلام يقودها، والمجتمع يساندها، تلقيه اليوم لكل طواعية، وتكشف وجهها للمرة الأولى، ومع هذا التصرف، تبدأ الخطوة الأولى لنزع الحياء، لا تقل الأمر يسير، وأنت في هذا متشدد والأمر غير خطير، فكل الناس يسافرون، وما علمنا أنهم في الرذيلة يقعون، والسفر مباح، فلماذا كل هذا الصياح؟ يا مدافعًا عن خطئه، يا أسيرًا لهواه، يا عبدًا لشهوته، والله لو تجردت للحق، وسألت نفسك سؤال صديق. لقلت: سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله. تذهب للسياحة فاتحًا ـ لا مقهورًا. تذهب للسياحة مجاهدا ـ لا ذليلًا، تذهب للسياحة مؤثرًا لا متأثرًا، تذهب للسياحة داعيًا لا مدعوًا، تذهب للسياحة قائدًا لا مقودًا، تذهب للسياحة رافع الرأس لا حقيرًا، تذهب للسياحة مظهرًا لدينك لا متخفيًا، أين غيرتك يوم ألقت حجابها، أين رجولتك يوم نزعت جلبابها، أين شهامتك يوم رآها المصور، أين شميتك يوم نظر إليها موظف الجوازات، أماتت الغيرة أم أصاب العين العمى، أقتل الحياء أم علاه الغبار، أكل هنا من أجل السفر، أكل هذا من أجل النزهة، أكل هذا من أجل السياحة، قاتل الله السياحة، وتصل إلى البلد المراد بأسرتك وأبنائك لا تدري ما يفعله ذلك في نفوسهم ـ ولا تعلم ما سينعكس على تصرفاتهم، لا تتصور خطر ما أقدمت عليه على دينهم، تتنقل بهم في أسواق ما ألفوها، تتحرك بهم إلى مهرجانات ما عرفوها، يشاركون في مسابقات ما رأوها، يرون طبائع وأخلاق ما جربوها، يطلعون على ديانات، ويمارسون بعض العادات، ويشاهدون شيئًا من الحضارات، وإن شئت فقل الحضيرات، تبرج وسفور، ونساء وخمور، واختلاط وهمجية، مسرحيات وغناء، سحر ودجل، أندية وبارات، عروض وشعارات.

ثم يعود الابن والبنت بتذمر من وقع هذا المجتمع ـ لماذا لا تكون مثل المجتمع الفلاني، وما هذا الدين الذي يقيدنا، وما هذه النظم التي تأسرنا، كبت للحريات، وتدخل في الخصوصيات. لماذا كل هذا الحياء، لماذا الحجاب والحشمة، لماذا تغطية الوجه، لماذا لا نقود السيارات، لماذا لا نقيم علاقات، لماذا ـ لماذا ـ لماذا، أسئلة تدور في ذهن ابنك وبنتك، أنت الذي سببتها، وبمالك وفرتها، ربما لا يجرؤ على طرحها عليك، لكنها في ذهنه تدور، ويتحين فرصتها للظهور.

ثم يتكرر هذا السفر إلى بلد عربي قريب، وبعد فترة يصبح هذا البلد مألوفًا، ويذكر بلد غربي كافر، أو شرقي ملحد، أرخص أسعارًا، وأقل كلفة، يتوجه إليه هذا المسكين بأسرته وأولاده، وقد ألف السفر، وأدمن السياحة، ونسي أو تناسى ما رواه الترمذي عن جرير عن رسول الله أنه قال: (( أنا برئ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين ) ). فكيف بمن يؤاكلهم، ويدخل في نواديهم، ويدعم اقتصادهم، ويدعوا غيره للسياحة عندهم.

اللهم ردنا إليك ردًا جميلًا.

أقول ما تسمعون...

أما بعد:

فقد يتساءل البعض وحق له ذلك، فكيف تقضى الإجازة إذًا؟ ولا بد من مسايرة الواقع، والترفيه عن الأبناء بعد عناء الاختبارات، والوقت طويل، والفراغ قاتل، وقديمًا قيل:

إن الشباب والفراغ والجدة مفسدة للمرء أي مفسدة

ولا بد من إشغال الأبناء. فأقول: يا أمة الإسلام، نحن أمة لها خصوصيتها فلا تقبل التقليد، لها مبادئها فلا ترضى التنازل، لها ثوابتها فلا تركض وراء المتغيرات، لنا عقيدة سامية، ديننا كامل في مبناه، سام في معناه، لا يقبل الله دينًا سواه. نحن أمة تتبع ولا تتبع، أمة تقود ولا تقاد، أمة تسود ولا تساد، لا تهدر أوقاتها في اللهو واللعب، ولا تضيع أنفاسها في الملاهي والغناء، ولا تضيع أموالها في الميسر والقمار. فإذا تقرر هذا فإليك بعض البرامج المقترحة لقضاء الإجازة الصيفية.

في حفظ كتاب الله أو أجزاء منه، فكم من عبد صالح أعد العدة لهذا الأمر العظيم، وكم من موفق سيقضيها في حفظ كتب أهل العلم الموثوقين، يرفع الجهل عن نفسه، ويحتسب الأجر في تعليمه للناس، لعلمه بفضل العلم، والسعي في تحصيله كم من عبد صالح رتب أموره في هذه الإجازة لحضور الدورات العلمية المكثفة، التي تقام في عدد من المساجد ولله الحمد ومنها هذا الجامع المبارك.

ومن المقترحات، أن تقيم مسابقات مختلفة لأبنائك في المنزل كحفظ سور من القرآن، أو شيء من الأذكار، وتوفر لها المراجع، وترصد عليها الجوائز، يتسابق عليها أبناؤك، فتنفعهم وتحميهم، ويستغلون أوقاتهم في خير وبر، وكمشاركتهم في حل المسابقات التي تعقد في بعض المساجد، ودور تحفيظ القرآن النسائية، مع شيء من الترفيه المباح، كنزهة برية، أو رحلة خلوية.

وكم من عبد صالح سيقضي هذه الإجازة، في صلة رحم، وزيارة قريب، وإحسان إلى فقير، في إغاثة ملهوف، وإعانة مكروب.

وكم من عبد صالح جهز أسرته، وحزم حقائبه لأداء عمرة، أو زيارة لمسجد رسول الله ، يبتغي الأجر والمثوبة، ويغرس في نفوس أبنائه حب هذه البقاع، والتقرب إلى الله بهذه الطاعات، مع حرصه على أبنائه، والتنبه لما قد يقع من المخالفات.

ومن الأمور التي يمكن الاستفادة منها في هذه الإجازة، حلقات تحفيظ القرآن للرجال والنساء، فكم فيها من الخير العظيم، والنفع العميم. فبادر بتسجيل أبنائك وبناتك، بل ونسائك في هذه الحلقات.

أيها الناس، إننا نرى في واقعنا بعض الناس، الذين وفقهم الله لطاعته، فهم يتقلبون في محاب الله، صلاة وصيام، وذكر ودعاء، استغلال للأوقات، ومسارعة للخيرات، ومسابقة إلى الطاعات، مؤتمرين بأوامر الله، منتهين عن نواهيه، علموا قيمة الأوقات، فشغلوها بالعيادات، ليس في حياتهم إجازات قُلْ إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى للَّهِ رَبّ ?لْعَـ?لَمِينَ [الأنعام:162] ، وَ?عْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى? يَأْتِيَكَ ?لْيَقِينُ [الحجر:99] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت