فهرس الكتاب

الصفحة 3067 من 5777

إلى رجال الإعلام والصحافة

العلم والدعوة والجهاد

الإعلام

مراد وعمارة

باب الوادي

التقوى

1-وقفة مع قوله تعالى: وَإِذَا جَاءَهُم أَمرٌ مِنَ الأَمنِ أَو الخَوفِ أَذَاعُوا بِهِ. 2- بعض سقطات رجال الإعلام وعثراتهم. 3- خطر العلمانية على الأمة الإسلامية. 4- أدب مناصحة الولاة وذوي السلطة.

أمَّا بعد: يقول الله تعالى: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلًا [النساء:83] .

أيُّها الناس، لقد فصّلت هذه الآية بين رجل الإعلام والصحفي الصدوق وبين الكذوب، وهي أدبٌ يؤدِّب الله تعالى به عباده بعامَّة، ورجال الإعلام منهم بخاصَّة.

ومعنى الآية على ما ذكره إمام التفسير أبو الفداء ابن كثير رحمه الله أنَّ هذا إنكارٌ على من يُبادر إلى الأمور قبل تحقُّقها، فيخبر بها ويُفشيها وينشرها، وقد لا يكون لها صحَّة.

وقوله تعالى: يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ أي: الذين يستخرجون الخبر من معادنه، ويستعلمونه من مظانِّه، فلا يحرِّف الخبر ولا يزيد فيه ولا ينقص، ولا يذيعه حتَّى يحقِّقه ويرجو الخير والمصلحة في نشره وإذاعته، وهذه هي مهمَّة رجال الإعلام الصدوقين.

وسبب نزول هذه الآية يزيد في وضوحها، وذلك أنَّ رسول الله حين اعتزل نساءه تحدَّث الناس فقالوا: طلَّق رسول الله نساءه، فقال عمر: لأعلمنَّ ذلك اليوم، وبعد قصَّة طويلة في التحرِّي استأذن على رسول الله، فلمَّا أذن له سأله: يا رسول الله، أطلَّقت نساءك؟ قال: (( لا ) )، ثمَّ استأذن رسول الله في إذاعة الخبر، فأذن له، فنزل وقال: أيُّها الناس، لم يطلِّق رسول الله نساءه، ونزلت على إثر ذلك هذه الآية: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ، قال عمر: فكنت أنا استنبطتُ ذلك الأمرَ. رواه مسلم. فكان عمر بن الخطَّاب أوَّل من باشر وظيفةَ الإعلام في الأمَّة بحقِّها، وهو الصدوق.

وقد جاء في معنى هذه الآية عن رسول الله أحاديث هي بمثابة دستور عام لمن يباشر وظيفة الإعلام، منها قوله: (( بئس مطيَّة الفتى زعموا ) )رواه أبو داود، وقال: (( من حدَّث بحديث وهو يرى أنَّه كذبٌ فهو أحد الكاذبين ) )رواه مسلم في المقدمة، وفي الصحيحين أنَّ رسول الله: (( نهى عن قيل وقال ) )أي: الذي يكثر من الحديث عمَّا يقول الناس من غير تثبُّت ولا تدبّر ولا تبيُّن ولا تفكُّر في شؤم العواقب.

وأنتم ـ أيُّها الناس ـ فحظُّكم من هذه الآية وما معها أن لا تكونوا سمَّاعين للكاذبين من المتعاطين للصحافة والإعلام، مروِّجين لباطلهم، حتَّى لا تكونوا ممَّن ذم الله في هذه الآية وجعلهم من متبعي الشيطان.

وأمَّا أنتم أيُّها اللصوص اللئام، المفتئتون على منصب الإعلام، فمن أين لكم الرفعة وأنتم تجولون في أعراض الناس وتصولون بالشتم والسباب والبهت والبهتان والكذب والافتراء والطعن واللمز والثلب والقذف وإشاعة الفاحشة بين المؤمنين والتجسُّس على شؤون الناس في خاصة أنفسهم وتلمُّس هفوات ذوي الهيئات وترقُّب العثرات وتتبّع عورات الناس وإظهار ما يجب ستره منها؟! أهذه هي المهمة النبيلة لرجل الإعلام؟ كلاَّ، ما هؤلاء بالإعلاميِّين المرضيين في الأمَّة.

إنَّهم اليوم قلقون وساخطون، لأنَّ مشروعًا تعزيريًّا يراد ترسيمه، قد وجدوا فيه تضييقًا لما يسمُّونه بحرِّية الصحافة وحرِّية الرأي.

وحريّة الرأي ما حريّة الرأي، إنَّها النافذة التي يدخل منها كلّ مبطل يريد لباطله رواجا، وكلًُّ أفَّاك يريد لكذبه ترويجا.

أين ما يتبجَّح به هؤلاء من حماية حرِّية الرأي؟! فحرِّية الرأي عندهم أن يقولوا ما شاءت لهم أهواؤهم، وينتقدوا من شاءوا لا بالنقد النزيه البنّاء، بل بالبهت والزور والافتراء والإفك والكذب والقذف والشتم والسباب. فمن حقِّهم أن يسبّوا من شاءوا، ولا حقَّ لأحد سواهم أن ينتقدهم أو يأخذ على أيديهم.

لا جرم أنَّ الساخطين على مشروع العقوبات هم هذه الحثالة من المفتئتين على منصب الإعلام بغير حق، بل بالباطل والإذاية للخلق.

إنَّهم حفنة لا تخفى على الأمَّة حقيقة أمرهم ومذهبِهم الذين ينتمون إليه، وهو الاتجاه المعروف بالاتجاه اللائكي العلماني، أي: ما نسميه نحن بالاتجاه اللاديني.

والعلمانية مذهب شاذٌّ ونبتة هجينة في أوطان المسلمين، ربَّما وجد مسوِّغات وجوده في أمم الضلال والظلاميَّة في أوروبا، لأنَّ كلَّ من سلَّم لعقله السليم اصطدم ضرورةً بخرافات المسيحيَّة وضلالات النصرانيَّة وظلم البابوات والقساوسة وانحرافهم، فكلُّ ذلك قد يوجب ثورة العقل وانفصاله عن ذلك الدين المحرَّف.

أمَّا نحن فليس ديننا محرَّفًا، ولا فيه ما يناقض العقل، بل هو دين كاملٌ محفوظ ناسخ لكل ما سبقه من أديان، ولا ينسخه بعده دين أبدًا.

وإنَّ من نكد الدنيا أن يتسرَّب هذا المذهب الشاذُ ـ أعني اللائكية أو العلمانية ـ إلى أوطان المسلمين، فيصاب به رهطٌ من قومنا ومن بني جلدتنا.

ويكأنَّهم نبتوا في غير أرضهم، وغُذُّوا بغير أسمِدتهم، فجاءوا بفكر دخيل، وعقلٍ بالفهم كليل، وقلب عليل، ولسان هو بلسان أمَّتهم قصير وثقيل، وبلسان المستعمر سريع وطويل، أولئك هم العلمانيُّون اللائكيُّون.

إنَّهم حفنة عفنة وطغمة نتنة، أفئدتهم عند صولة الحقِّ هواء، وقلوبهم أشربت بالأهواء، وعقولهم خواء، انقلبوا على أمَّتهم، فتنكَّروا لدينهم ولغتهم وتاريخ أمَّتهم وحضارتهم، وهؤلاء ينصبون أنفسهم أوصياء على الجميع في جميع مناحي الحياة، ولا وصاية لأحد عليهم.

ويسمُّون أنفسهم السلطة الرابعة، ويغيب عن أذهانهم أنَّ ذلك لو صحَّ فإنَّما ينطبق على الإعلامي الصدوق الذي همُّه إيصال ما تحتاج الأمَّة إلى الاطلاع عليه ومعرفته كما هو دون تحريف أو تبديل.

نعم، هم يرَون في هذا المشروع تضييقًا لوظيفتهم لأنَّ الكذب والدعاية الكاذبة وتحريف الأخبار لأغراض سياسية وقذف الأشخاص هي رأس مالهم والمادَّة الخام لعملهم، فإذا منعت عنهم أو منعوا منها فلا يجدون ماذا ينشرون.

ومن هنا تظهر الحاجة بل الضرورة للتعجيل بإصلاح المنظومة الإعلاميَّة، وتطهير وسائل الإعلام من الممارسات والنظم والأنماط الوافدة من دول ومجتمعات تختلف تقاليدها وعاداتها وطباعها عن موروثنا الإسلامي في تقاليدنا وعاداتنا وطباعنا، بفرض عقوبات زاجرة لكلِّ متطاول طويل اللسان في كلِّ محترَم مُصان.

والله المستعان وعليه التكلان.

قد تعجبون إذا علمتم أنَّ الذي زاد من غيظ هؤلاء أنَّهم أُلحقوا في ذلك المشروع بأئمَّة المساجد، فهم لا يرون أنفسهم في منزلة واحدة مع الأئمَّة، بل يرون أنَّهم أشرف وأنبل من الأئمَّة، لا بل هم قد نصبوا أنفسهم سلطة رابعة، وأمَّا الأئمَّة فهم بمعزل عنها؛ لأنَّهم في نظرهم ليسوا سوى أناس متخلِّفين عن اللحاق بركب حضارة الغرب، يثيرون الفتن والفوضى، ويقفون حائلا دون إباحة التمتع بالشهوات والشعوذات، ويصدُّون عن كلِّ رأي خبيث يثير الشبهات في الأمَّة.

ولذلك فهم غاضبون وقلقون، وللسخط على هذا المشروع معلنون، وله رافضون ولاعنون. وأعداء الدين منهم لا يكترثون بالطعن في الدين وعلمائه وانتهاك مقدَّساته تحت غطاء المعارضة السياسية، وتحت شعار حرِّية الرأي، ولا يتورَّعون من الزجِّ بالعلماء والدعاة والأئمة ـ وهم سادة الأمة وذوو الهيئات الذين تقال عثراتهم ـ في معترك الأحداث التي تناولها الجرائد السيارة، تقليدًا للغرب الذين يتناولون رجال الدين عندهم كما يُتناول المجرم والعربيد واللصّ العنيد. وتجدونهم يقحمون القضايا المحترمة كالفتاوى الشرعية المجمع على صحَّتها في خضمِّ الآراء القابلة للطعن فيها.

وإذا كانت طبيعة التعايش عند الغرب تستلزم احترام الرأي والرأي الآخر، فالأولى من ذلك والأحق بالاحترام ما يصدر عن السادة الفقهاء والأئمَّة العلماء من فتاوى، والتي يجب احترامها شرعًا.

وإذا كان من مذهبهم العلماني الفصل بين الدين والحياة، وأنَّه لا دخل للإمام في شؤون الحياة، فما الذي يبيح لهم أن يتدخَّلوا في شؤون الدين؟!

يحدث هذا كلُّه في ظلِّ غياب الرادع السلطاني المسؤول عن حراسة الدين وحماية البيضة، فكان لا بدَّ من العقوبات الرادعة للأفَّاكين من هؤلاء وهؤلاء.

فنحن إنَّما نفهم أنَّ هذا المشروع الرادع لتصرفات الطائشين ينصرف إلى من يخون الله في دينه وكتابه ورسوله، ويخون وطنه وأمَّته؛ فيدعو إلى خلاف ما أمر الله به من الائتلاف والاجتماع على كتابه وسنة نبيه ونهج أصحابه، ويدعو الناس إلى البدع والخرافات وعبادة القبور ويزرع فيهم بذور الشر والفساد والافتراق، ويحرِّم لهم الحلال ويحلِّل لهم الحرام، فمثل هذا إذا نصب إمامًا أو افتأت على منصب الإمامة أو انتصب صحفيًّا فما أحراه أن تنزَّل به أشدُّ أنواع العقوبات والتعازير، وأن يجعل عبرةً ونكالا لكل مفتئت على منصب الإمامة أو متعاط لوظيفة الإعلام بغير حق وبغير مؤهِّل شرعي علمي وخلقي.

ومع تحفّظنا في كيفية تطبيق هذا المشروع فإنَّنا نقبل به، ولا نرى فيه ما يخالف مهمَّة الإمام التربويَّة والتوجيهيَّة ورسالته الإعلاميَّة والثقافية، وما يتعيَّن عليه من واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشروطه وضوابطه، كما كنت شرحت لكم منها كثيرًا في خطب مضت، وكما سأبسطه إن شاء الله في مناسبة لاحقة.

وقد كان مطرِّف بن عبد الله بن الشخِّير يقول:"لئن لم يكن لي دين حتَّى أقوم إلى رجل معه مائة ألف سيف أرمي إليه كلمة فيقتلني، إنَّ ديني إذًا لضيِّق". رواه ابن عبد البرّ.

يريد رحمه الله أنَّ ديننا أوسع من أن يضيَّق في دائرة واحدة وهي إعلان النكير على السلطان، وأنَّ الله لم يضيِّق علينا في ترك ذلك.

فمجال العمل التربوي والإعلامي بالنسبة للإمام واسع رحب، وهي وظيفة شريفة في غاياتها ووسائلها، مضبوطة بآداب رفيعة وأخلاق كريمة في مبادئها وأهدافها. فلا مجال للتخوُّف أو إعلان السخط.

ونحن إذ ندلي بالنصائح، ونحن أحوج ما نكون إلى من يُسدي إلينا النصيحة، فإنَّنا نراعي فيها الآداب الشرعيَّة المتعلِّقة بالنصيحة مع الكبراء وذوي السلطة، وهي آداب مباينةٌ للطرق الوافدة علينا والغريبة عن ديننا وتقاليدنا، في كيفية توجيه النصيحة، أو في كيفية التعبير عن السخَط وعدم الرضا بالحاكم أو ببعض أعماله.

وقد بيَّن ذلك رسول الله إذ قال: (( من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية، ولكن يأخذ بيده فيخلو به، فإن قبل منه فذاك، وإلاَّ كان قد أدَّى الذي عليه ) ).

وأنتم تلاحظون الفرقَ بين هذه الطريقة الإسلاميَّة الشريفة المسؤولة في توجيه النصيحة لذي السلطة، أو في التعبير له عن السخط وعدم الرضا ببعض أعماله، وبين الطرق الوافدة الغريبة عن ديننا وتقاليدنا، فهي طريقةٌ وسَطٌ بين طريقة الخوارج الغلاة التي أخذ بها كثير من الوُعَّاظ والخطباء وأدعياء العلم والفتوى والدعوة، وبين طريقة الغرب الجفاة التي أخذ بها كثيرٌ من الصحفيين والإعلاميين والسياسيين في التشهير بالحاكم والجهر له بالتعيير والإعلان له بالنكير.

فمن ابتُلي بوجوب النصح لذي سلطان فالأدب أن يخلوَ به ويكلِّمه فيما بينه وبينه سرًّا، بلطف ورفق ولين، ولا يخشِّن ولا يعيِّر ولا يسبُّ ولا يُعلن له بالنكير جهارا. بهذا جاءت السنَّة، وهكذا كانت أحوال السلف مع أمرائهم. وسوف أبسط لكم هذا في خطبة لاحقة إن شاء الله.

فنحن ـ معاشر الأئمَّة ـ لسنا نعْدُو هذه الآداب الإسلاميَّة الرفيعة في نصيحة الرعيَّة لراعيها.

والله يحفظني وإيَّاكم، ويغفر لي ولكم، وقوموا إلى صلاتكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت