فهرس الكتاب

الصفحة 4892 من 5777

ودوا لو تدهن فيدهنون(1)

الإيمان, الرقاق والأخلاق والآداب, العلم والدعوة والجهاد

الفتن, حقيقة الإيمان, قضايا دعوية

سامي بن عبد العزيز الماجد

الرياض

جامع الرائد

1-صور من يسر الشريعة. 2- أصول الشريعة ثوابتُ لا يجوز التنازل عنها ولا المساومة عليها. 3- من صور المساومة على دين الله.

أيها المسلمون، في الشريعة من اليسر والرخصة ما يبيح للمسلم أن يتفوّه بكلمة الكفر إذا أُكره عليها، وأن يشرب الخمرة أو يأكل الميتة إذا اضطر إليها؛ فإنه إن قال كلمة الكفر فإنما يقولها مُكرهًا وقلبه مطمئن بالإيمان، وإن شرب الخمر أو أكل الميتة عند الضرورة فإنما يفعل ذلك استبقاءً لنفسه ودفعًا لمخمصته غيرَ باغٍ ولا عادٍ، فهو يفعل ما يفعله مكرهًا لا مختارًا، ومستبطنًا لعقيدته بيقين واطمئنان لا مبدلًا ولا ناكثًا.

إن للإسلام من سعة الرخصة والتيسير ما يرفع عن الناس الحرجَ في دينهم، مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ [المائدة:6] ، وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78] .

وعلى ما في الشريعة من سعة التيسير والترخيص فإن منها ما لا سبيل للترخيص فيه مهما عصفت المحن واشتدت الأحوال، إنها العقيدة المستكنّة في القلوب والتي تقع فيها موقع اليقين والإيمان الخالص.

إن للمسلم المضطهد في دينه أن يستخفي بعقيدته فلا يبديها، ولكن ليس له أن ينسلخ منها فيستبدل في قلبه الكفر بالإيمان والشك باليقين والضلالة بالهدى؛ ولذا لم يرخص الإسلام في التلفظ بكلمة الكفر إلا أن يقولها المكرَه وقلبُه مطمئنٌ بالإيمان.

إن أصول الشريعة ثوابتُ لا يجوز التنازل عنها، ولا المساومة عليها، ولا إعادةُ النظر فيها، فليست محلًا للاجتهاد والنظر، فتتغير لتغير الزمان والمكان، بل هي أصول ثابتة لا تختلف في حال الضعف عنها في حال القوة، ولا في حال الرخاء عنها في حال الشدة. وإن إبطال أصل منها هو إبطال للشريعة كلِّها، والخروج عن أصل منها خروج عن أصولها كلها.

أيها الأحبة في الله، قد يكون المسلمون في فرقة وضعف فيسقط عنهم بعض الشعائر التي تشترط لها القدرة كجهاد الطلب مثلًا، وقد يكونون أقليةً في بلد كافر فتسقط عنهم إقامة الحدود، ويعذرون أن لا يقوموا بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مجتمع لا يدين أصلًا بالإسلام، وقد يباح للمرأة منهم أن تتخفف من بعض الحجاب كارهةً غيرَ راضية إذا خافت على نفسها وعرضها. ولكن ليس لأحد مهما كانت الظروف أن يبدّل شريعة الإسلام، فينكر شيئًا من الحدود كحد السرقة أو الزنا، أو ينفي عن الإسلام شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو يزعم أن الحجاب إنما هو عادةٌ عرفها الناس في الجاهلية فاستصحبها المسلمون وأقرهم الإسلام لظروف معينة.

إن المسلم قد يعذر أن لا يقوم بإحدى الشعائر عند الحرج والاضطرار، ولكنه ليس بمعذورٍ أن ينكرها في دينه؛ فيعتقدَ أنها مما أُضيف للإسلام وليست منه.

لقد أكمل الله لنا دينَه فليس لنا أن نزيد فيه، وأتم علينا نعمته بإتمام دينه فليس لنا أن ننتقص منه شعيرة أو ننكر منه حكمًا، ولقد رضي لنا الإسلامَ دينًا فليس لنا أن نستبدل به غيره فنرضى بدينٍ غيره، ولا يجوز لنا إلا أن نرضى بما رضيه الله لنا.

إن أحكام الشريعة القطعية ليست قناعاتٍ شخصية حتى تخضع للمساومات أو المزايدات والمناقصات، ولكنها دينٌ لا يسع المسلم إلا التسليم بها والإذعان لها، فقد نص عليها الوحي وانعقد عليها الإجماع.

وهذا التسليم والإذعان لقطعيات الشريعة هو أصل آخر من أصول الإسلام، أكد عليه القرآن وقرّره كثيرًا، كقوله جل جلاله: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36] ، وقولِه: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65] ، وقوله عن المنافقين: وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمْ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمْ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ [النور:47-50] ، ثم قال عن المؤمنين: إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ [النور:51] .

أيها الأحبة في الله، إن التأكيد على هذا الأصل الذي لا يجهله مسلم إنما هو للتواصي بالاستمساك به أمام حملات المساومة في دين الله، والتي صار أعداؤنا يشُنّونها علينا بإلحاح، ويمتطون لها ضعاف الإيمان ومرضى القلوب، وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [الأنعام:121] ، والمعنى أنكم إن أطعتموهم في تبديل حكم الله والعدولِ عنه إلى حكم غيره وأجبتموهم إلى ما يدعونكم إليه إنكم إذن لمشركون، كما قال تعالى عن اليهود والنصارى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ [التوبة:31] . قال عدي بن حاتم: يا رسول الله، ما عبدوهم! فقال: (( بلى، إنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم ) ).

إن المساومة على دين الله لم تكن بدعًا في هذا العصر، ولكنها طريقة ابتدعها كفار مكة حينما شعروا بخطر دعوة النبي عليهم، فاقترحوا عليه أن يعبد معهم آلهتهم سنةً على أن يعبدوا معه إلهه سنةً أخرى، وقالوا: يا محمد، هلم فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد، فنشترك نحن وأنت في الأمر، فإن كان الذي تعبد خيرا مما نعبد كنا قد أخذنا بحظنا منه، وإن كان ما نعبد خيرا مما تعبد كنت قد أخذت بحظك منه، فأنزل الله تعالى فيهم: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [سورة الكافرون] .

ومنها مساومة بعضهم من غير أهل مكة له أن يجعل أرضهم حرامًا كالمسجد الحرام الذي حرمه الله. ومنها طلب بعض الكبراء أن يجعل لهم مجلسا غير مجلس الفقراء.

وينهى الله نبيه أن يداهنهم في دينه أو يقبلَ المساومة في شيء منه، فيرضى بأنصاف الحلول معهم، والالتقاء بهم في منتصف الطريق: فَلا تُطِعْ الْمُكَذِّبِينَ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [القلم:8، 9] . ودوا لو تلينُ لهم وتداهِنُهم وتتنازلُ لأجلهم عن بعض الإسلام، ليُدهنوا لك ويَلِينوا؛ فيتخلوا عن بعض دينهم.

ولكن النبي كان حاسمًا في دين الله، لا يداهن فيه ولا يلين، وهو فيما عدا ذلك ألينُ الناس جانبًا وأحسنُهم معاملة وأحرصُهم على اليسر والتيسير.

لقد كاد النبي أن يجيبهم إلى بعض ما دعوه إليه مما لا يمس العقيدة بتشويه ولا إنقاص، كأن يجعل لكبراء المشركين عنده مجلسًا لا يجلس فيه معهم فقراء المسلمين، فهَمَّ بذلك ترغيبًا لهم في الإسلام لولا أن ثبّته الله، وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا [الإسراء:74] .

ويا ترى! ما الجزاء الذي سيلاقيه النبي لو أنه ركن إليهم شيئًا قليلًا، فداهنهم وأجابهم إلى بعض ما يطلبون؟ قال تعالى: إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا [الإسراء:75] . هذا جزاؤه لو ركن إليهم شيئًا قليلًا، فأجابهم إلى بعض ما يسألونه مما لا يمس جوهر العقيدة، فكيف هو الجزاء لمن ركن إليهم شيئًا كثيرًا؟!

واليوم يُعاود أعداء الإسلام مساومة الأمة على دينها بطرق خبيثة ماكرةٍ، فهي لا تعمِد إلى العقيدة في جوهرها، ولكنها تنقُصُ الشريعةَ من أطرافها تشكيكًا وتشغيبًا، حتى إذا كثُر الطَرْقُ والإلحاح أصبح كل شيء في دين الله قابلًا لإعادة النظر والمنازعة.

وللأعداء في هذه المساومة أعوانٌ مستخدَمون لهم مغرَّرون، ينوبونهم في المساومة وهم لا يشعرون، يقصدون بزعمهم تحسين صورة الإسلام، فيهدمون بعضًا من قطعياتِه في الفروع وربما في الأصول؛ لأن أحكامها لم تَرُقْ للغربيين، وراموا تبديلها أو تعطيلها إرضاءً لهم، ولكن الله يقول: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120] . فمهما تنازلتَ عن شيء من شرائع الإسلام ومهما عطلت من أحكامه فلن يرضوا عنك حتى تنسلخَ من دينك، وليس ذلك كافيًا، بل حتى تتبع ملتهم، فما لم تتبع ملتهم فلن يرضوا عنك.

غير أنه لا غرابة أن يفعل هذا أناسٌ افتقدوا شعورَ الاعتزاز بالإسلام، وأحاطت بهم عقدةُ الشعورِ بالنقص، فجعلوا نظر الغرب ميزانًا للتحسين والتقبيح، وجعلوا البرهان ما اهتدت إليه بصائر أولئك، لا ما دل عليه نص الوحي وهدي النبي.

اللهم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك...

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت