الأسرة والمجتمع, الرقاق والأخلاق والآداب
الآداب والحقوق العامة, قضايا المجتمع
عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
الرياض
جامع الإمام تركي بن عبد الله
1-نعمة المراكب. 2- وجوب شكر هذه النعمة. 3- أدب النبي في السير. 4- آداب الطريق. 5- من أسباب الحوادث. 6- حق الطريق. 7- وجوب الأخذ بأسباب السلامة. 8- حسن المعاملة عند الخطأ.
أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.
عباد الله، يقول الله جل جلاله في كتابه العزيز: وَ?لأنْعَـ?مَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْء وَمَنَـ?فِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى? بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَـ?لِغِيهِ إِلاَّ بِشِقّ ?لانفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ وَ?لْخَيْلَ وَ?لْبِغَالَ وَ?لْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [النحل:5-8] .
هذه الآيات من سورة النحل، يسميها العلماء سورة النِّعم لكثرة ما ذكر الله وعدَّد فيها من النعم على عباده، وفيها يقول الله: وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ?للَّهِ لاَ تُحْصُوهَا [النحل:18] ، وفيها يقول: وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ ?للَّهِ [النحل:53] .
أيها المسلم، فالله امتنَّ علينا بالأنعام التي خلقها لنا، وذكر لنا فوائدها ومنافعها، وهذا أمرٌ أدركه المخاطَبون ومن بعدهم، امتنَّ الله بها علينا كما قال جل وعلا: أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعـ?مًا فَهُمْ لَهَا مَـ?لِكُونَ وَذَلَّلْنَـ?هَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ وَلَهُمْ فِيهَا مَنَـ?فِعُ وَمَشَـ?رِبُ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ [يس:71-73] .
فعدَّد الله هذه النعمَ على العباد امتنانًا منه عليهم، وتذكيرًا لهم بنعمه عليهم؛ ليقابلوها بشكره والثناء عليه، وقال في آخرها: وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ، أي: يخلق من المراكب ما لا علم لكم به، وما لم تدركه عقولكم ولا تصوّرُكم، وحقًا لقد خلق الله ما لم يعلموا، وسيخلق ما لا نعلم نحن، وهو على كل شيء قدير.
أيها الإخوة، إن الله يقول: وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ، خلق الله من المراكب ما لم يعلم الخلق، ما لم يعلم المخاطَبون ومَن بعدهم، ولكنَّ في الآية إشعارًا بأمر سيأتي، فجاءت تلك الوسائل المختلفة، من وسائل جوية وبرية وبحرية، فكم شاهد الناس من هذه المراكب التي سيَّرها الله وتفضَّل بها، وله الفضل والمنّة، والله َيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ، فجاءت هذه الوسائل البرية من سيارات وقطارات، وجاءت البواخر البحرية من الباخرات العظيمة التي يُحمَل فيها الخير الكثير، وجاءت المراكب الجوية، وسبحان القادر على كل شيء.
والله جل وعلا يقول: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى ?لسَّمَـ?و?تِ وَمَا فِى ?لأَرْضِ جَمِيعًا مّنْهُ [الجاثية:13] ، فكلها نعمٌ بإرادةِ الله، نعمٌ بتدبير الله، نِعمٌ للعباد ابتلاءً وامتحانًا، هل يؤدوا شكرها أم لا؟
وإن المسلم حينما ينتفع بهذه النعم يجب أن يتصوَّر فضلَ الله عليه في كل الأحوال، ولهذا قال الله: وَجَعَلَ لَكُمْ مّنَ ?لْفُلْكِ وَ?لأَنْعَـ?مِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُواْ عَلَى? ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبّكُمْ إِذَا ?سْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَـ?نَ ?لَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَـ?ذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى? رَبّنَا لَمُنقَلِبُونَ [الزخرف:12-14] . إذًا فعلى المسلم عندما يستعمل وسيلةً من تلكم الوسائل التي أراد الله وجودها أن يتذكَّر نعمةَ الله عليه، ولولا نعمةُ الله عليه ما حصل عليها، ولولا فضل الله عليه ما تهيَّأت له، فسبحان القادر على كل شيء.
هذه الوسائل التي استبان نفعها، وتحقق خيرها، وحققت لبني الإنسان المنافعَ العظيمة، يقطع بها المسافات، وينتقل بها من إقليم إلى إقليم، ويحمل فيها الخير الكثير، هذه نعم أنعم الله بها على العباد، والنعمة تحتاج من المسلم إلى أن يقابلها بشكر الله عليها، ثم بإحسان استعمالها لتكون عونًا له على طاعة ربه، وقيامًا بحق الله عليه.
أخي المسلم، ونحن في هذا العصر، ونشاهد هذه السيارات التي ملأت السهل والجبل، وعمَّت المدن والقرى والهجر، وأصبح الناس باديةً وحاضرة مضطرّين إليها، بل أصبحت أحيانًا من الضروريات، بل هي من ضروريات هذا العصر، وتلك نعمة من نعم الله علينا. ولكن يا أخي المسلم، هذه النعمة تحتاج منا إلى شكر الله عليها قبل كل شيء، وتذكّر هذه النعمة لنشكر الله عليها، ثم لنحسن استعمالها، ثم نستعين بها على ما يقرّبنا إلى الله.
أخي المسلم، هذه السيارة التي هي من نعم الله أصبحت بيد الكثير من الناس، يقودها صغيرٌ وكبير، ويقودها العاقل وربما قادها السفيه من الناس، فهي وسيلة تنوَّع استعمال الناس لها، فاستعملها من يدرك منفعتَها ومن لا يتصوَّر منفعتَها، من يتصوَّر منفعتها، ومن يتصور الضررَ الناتج من سوء الاستعمال، ومن ليس كذلك، فصغيرٌ لا يحسن، وسفيهٌ لا يعقلها، وكل ذلك من الابتلاء والامتحان، فهي وسيلة أصبحت ضرورية، لكن على المسلم العاقل أن يتقي الله في تصرفاته كلها، وأن يلزم أدبَ الإسلام في كلِّ أحواله ليكون من المؤمنين حقًا.
أيها المسلم، محمد وهو يقود الحجيج من عرفة إلى مزدلفة كان ينظِّم سيرَ الناس في طريقهم، أولًا كان هو الممتثل بهذا الأمر ، يذكر أسامة بن زيد أنه كان في انصرافه إن وجد سعةً نصّ، أي: أسرع، وإن وجد ضيقًا فإنه لا يسرع [1] ، فيسرع عندما يرى المناسبة، ويهدِّئ السيرَ عندما يرى الزحام، ويقول للناس بيده: (( السكينةَ السكينةَ ) ) [2] ، فيمشي العَنَق، يعني: السير السريع، فإن رأى سعة أسرع، وإن رأى زحامًا فإنه يهدّئ سيرَ راحلته ، وهذا مما يعطيك ـ أيها المسلم ـ أن المسلم يتأدّب بآداب الإسلام، فلا يضايق الناس [ولا يضرهم] ، ولا يسعى في إلحاق الضرر والأذى بهم.
أيها المسلم، وأنت تخرج من منزلك وتمتطي سيارتك فعليك أولًا بتقوى الله في سرك وعلانيتك، وأن تُحضِر عند خروجك الدعاءَ الشرعي، ذِكر ذلك الذكر الذي يجعله الله سببًا لحفظك في أحوالك، والله على كل شيء قدير. فتقول:"بسم الله، توكلت على الله"، يقول لك الملك: كُفيت وهديت، ويتنحى عنك الشيطان، ويقول: كيف لي برجل قد هدي وكُفي ووقي؟! [3] ، لأن ذكر الله حِصنٌ لك، يقيك المكاره بتوفيق من الله.
ثم عليك ـ أخي ـ بأن لا تكون وقت قيادة سيارتك ذا عُجب وكِبر في نفسك، بل كن متواضعًا لربك، ذاكرًا نعمة الله عليك، قال جل وعلا: لِتَسْتَوُواْ عَلَى? ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبّكُمْ إِذَا ?سْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ [الزخرف:13] ، فتعلم أن وجودَها بيدك نعمة من الله أنعم بها عليك، هل تسخرها في الخير أم في ضده؟
ثم يا أخي المسلم، تعلم عند سيرك لستَ الوحيد في الطريق، وليستْ الطرق خاصةً بك، أنت فردٌ من أفراد المجتمع، وواحد من أولئك الألوف الذين يسيرون على هذا الطريق، إذًا فما الواجب عليك؟ الواجب التحلي بالرفق والأناءة في الأمور، فإن الرفق ما وُضع في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه، والأناءة من الرحمن، والعجلة من الشيطان، فتمشي مشيًا مطمئنًا، لا إفراط ولا تفريط، وَلاَ تَمْشِ فِى ?لأرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ?لأرْضَ وَلَن تَبْلُغَ ?لْجِبَالَ طُولًا كُلُّ ذ?لِكَ كَانَ سَيّئُهُ عِنْدَ رَبّكَ مَكْرُوهًا [الإسراء:37، 38] ، واسمع وصايا لقمان لابنه: وَ?قْصِدْ فِى مَشْيِكَ وَ?غْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ ?لأصْو?تِ لَصَوْتُ ?لْحَمِيرِ [لقمان:19] ، والقصد في الممشى سواء على الأقدام أو سواء على المركوب أمرٌ مطلوب من المسلم، والقصد هو المشي بالاعتدال، فلا ضرر ولا إضرار.
يا أخي المسلم، تمشي وخلفك وأمامك وعن يمينك وعن شمالك آخرون مثلك، فماذا تريد؟ هل تريد أن تُربك السير؟ وهل تريد أن تمشي سيرًا جنونيًا يدل على هوَج وضعف في العقل، وقلة في التصرّف وبعدٍ عن المسؤولية، أم تريد أن تسير سيرًا محكمًا تقضي غرضك، وتحقِّق أملك، وتدرك مقصودَك من غير أن يلحق ضرر منك على الآخرين، ولا يلحقك ضرر من الآخرين.
إن تأدّبك في الطريق وتعقّلك أثناء القيادة يدلّ على رزانة في العقل، وقوة في التروّي، وحسن في استعمال الطرق، هذا هو الخلق الذي يجب أن يكون عليه المسلم الذي يخاف الله ويتّقيه.
أخي المسلم، تعلمُ حقًا أن السيرَ في الطرقات يختلف، فهل سيرٌ داخل البلد وزحامها يماثل سيرًا خارجها؟! وهل سيرٌ في طرق معوجّة كسير في طريق مستقيم؟! لا شك أن الأمر يتفاوت من مكان إلى مكان، فإذًا فالعاقل من الناس من يعطي كلَّ طريق حقَّه، ويتعامل مع الواقع بحكمةٍ وبصيرة، مستعينًا بالله؛ ليدرك المقصود والغرض، من غير إلحاق ضرر وأذًى بالآخرين.
أخي السائق المسلم، وأنت تسير في الطريق تعلمُ أن دماءَ المسلمين محترمة، وأن أموالهم محترمة، فإياك أن تجني على مسلم، إياك أن تكون سببًا في وقوع ضرر بمسلم، إن الهوَج في السياقة وعدمَ التعقل يترك آثارًا سيئة، فكم جناية ترمّل النساء وتيتّم الأطفال وتحمِّل أضرارًا مادية وروحية، وكم تُلحق أذىً حتى بالجاني، إن يكن عنده ضمير يتألّم بالضرر الذي ألحقه بالآخرين.
أيها السائق المسلم، وأنت تسير في طريقك فاتق الله في أمتك، اتق الله في نفسك، واتق الله في إخوانك السائرين معك، فمن أخطاء بعضهم ـ هدانا الله وإياهم ـ أن الواحد لا يبالي في سياقته، معجبٌ بنفسه، منخدعٌ بنفسه، لو وُجِّه وقيل: ارفُق في سيره، وانتبه واحذر الخطأ، لأجابك بكل قول سيئ، فلا يرعوي ولا ينتهي. الأنظمة المرورية الواضحة يحاول تجاهلَها وعدم التقيد بها، وكل هذا من الجهل والخطأ، فهي ما وُضعت إلا لتنظيم السير؛ حتى يكون الناس على نمط واحد في سيرهم، فالتعاون في ذلك أمرٌ مطلوب من المسلم.
يا أخي السائق المسلم، كم يجني بعضنا على بعض، وكم يرى مَن أمامه فيحاول مجاوزةَ من أمامه دون أن يفكِّر هل هذه المجاوزة سليمة في الأمر، أو هي مخالفة لنظام السير؟ وهل هذه المجاوزة في طريق واسع، أم في طريق ضيق؟ وهل يأمن السلامة من هذه المجاوزة، أم لا يأمنها؟ فإن يكن لا يأمن ولا يستطيع التحكّم فالواجب تقوى الله، وأن لا يزجَّ بنفسه في أمور قد يجني [بها] على نفسه، ويجني على غيره من غير تروٍ.
أيها المسلم، وأنت حينما تسير وتشاهد إشارات المرور تنظِّم سيرك، وتحكم عليك وعلى غيرك، وتجعل سيرك منتظمًا مع سير غيرك، وتعطي كل طريقٍ لاتجاهٍ حقَّه؛ ليسلكه السالك على بصيرة، يأتي هذا المتهوِّر، ويأتي هذا المتعجِّل، ويأتي من لا يبالي، فيقطع إشارات المرور، معللًا أحيانًا بأنه لا يوجد أمامه شيء، ومعللًا أحيانًا بأمور لا يمكن قبولها، وما النتيجة؟ النتيجة أحداث تقع، ومصائبُ تقع؛ لأنه قد يكون الطريق لغيره وهو حقٌ له، فيأتي مَن الطريق له يسير مَن أُذِن له بالسير، وعند ذلك تقع المصيبة والعياذ بالله. إذًا فالذي يتخطى جانٍ على نفسه، وجانٍ على غيره، وواقع في الظلم من حيث لا يشعر.
أخي السائق المسلم، إن بعض أولئك لا يبالون حين يقودون سياراتهم، بعضهم ربما استعمل السيارة مع زملائه الآخرين مزاحًا في الطرقات، ومجاراةَ بعضهم لبعض، وتهديدَ بعضهم لبعض مع الضحك واللعب، وكأن السيارة وسيلة للمزاح فيما بينهم، وربما جنوا على أنفسهم أو على الآخرين، وكلُّ هذه من الأخطاء التي يجب الترفع والبعد عنها.
أخي السائق المسلم، وكم نسمع أحيانًا، ويُشاهد الناس ما يفعله المتهورون وضعفاء العقول مهما كانوا من اللعب بالسيارات في الطرقات، وفي الليل، حتى يقلقوا راحة الناس، وربما تذهب السيارة التي قيمتها كذا وكذا، تذهب هباءً منثورًا بين [لحظة] وأخرى. هذا تبذير وهذا إنفاق للمال بالباطل، وتصرّف يدل على عدم عقل ورأي، وضعف في الإيمان، وعدم خوف من الله.
أيها المسلم، فلنتق الله في أمورنا، إن طرقنا وقد صمِّمت على أحدث طراز، وهيئت للسير بكل وسيلة، لكن الأخطاء نتيجتُها من تصرفاتنا، نتيجتُها في الغالب من تصرفات بعضنا، وعدم المراعاة للأمور، وعدم الخوف من الله، وقلة الحياء وضعف المروءة، وسوء التصرف، فليتق المسلمون ربهم، وليتأدّبوا بآداب إسلامهم، ليكونوا على المنهج القويم في أخلاقهم كلها، أسأل الله للجميع التوفيق والسداد والعون على كل خير.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.
[1] أخرجه البخاري في الحج (1666) بنحوه.
[2] أخرجه مسلم في الحج (1218) من حديث جابر رضي الله عنهما.
[3] جاء في ذلك حديث عن أنس رضي الله عنه، أخرجه أبو داود في الأدب (5095) ، والترمذي في الدعوات (3426) وقال:"حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه"، وصححه ابن حبان (822) ، والضياء في المختارة (4/372-373) ، وهو في صحيح أبي داود (4249) .
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.
عباد الله، النبي قال لأصحابه: (( إياكم والجلوس في الطرقات ) )، قالوا: يا رسول الله، مجالسنا لا بد لنا منها، قال: (( إن كنتم فاعلين فأعطوا الطريق حقه ) )، قالوا: وما حق الطريق؟ قال: (( كفّ الأذى، وردّ السلام، وغضّ البصر، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ) ) [1] . فذكر من حق الطريق كفَّ الأذى، يعني: أن من حق الطريق على المسلم أن لا يُحدث فيه أذى، ولا يلحق أذى بأي مؤمن. وإن من الأذى الذي يرتكبه بعض الناس ـ إما تجاهلًا أو عدم مبالاة ـ يأتي بسيارته أحيانًا فيوقفها في الطريق فيعطِّل على الناس جزءًا من الطريق الذي يسلكونه، أو في طريق المارة الذي يسلكه المارة بأقدامهم فيضيّق عليهم، أو يوقفها بجوار بيت يضيّق عليه، أو يجعلها أحيانًا تصدّ على الآخرين الطريق، فيبقى من سبقك في الموقف حائرًا لا يدري مَن هذه سيارتُه، ومتى يأتي هذا الإنسان ليخلِّص هذا من هذه المشكلة، وكلّ هذا من الجهل وقلة التعاون، والمسلم إذا أنصف من نفسه يعلم أن هذه الأخطاء لو أُخطئ عليه فيها لشعر بالضرر والأذى، فأنزِل الناس منزلة نفسك.
أيها المسلم، المسلم يأخذ بأسباب السلامة، ويسعى فيها جاهدًا، والتوفيق بيد الله، لكن من أخذ بأسباب السلامة وتحراها، ثم جاء الأمر على خلاف ذلك فليقل: هذا قدر الله وما شاء فعل، إنما عليه الأخذ بالأسباب التي جعلها الله وقايةً للأمور، والأمر بيد الله، وما شاء الله كان، يقول: (( احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا يعجزن، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل ) ) [2] .
أخي المسلم، قد تحدث أشياء، وقد تكون منك أو عليك، فاتق الله في معاملتك مع الآخرين، قد يحدث منك خطأ على الآخر، إما سرعة منك أو غفلة، فحصل ما حصل، فاتق الله إذًا في تعاملك مع من جنيت عليه، ولا تحاول الفرار والهروب، ولا تحاول اللجاج والخصام؛ لتغطي على عيبك ونقصك، وتُحمّل الآخرين ما أنت السبب في جنايته، بل عامل من جنيتَ عليه بالحسنى، وحاول الإصلاحَ، وحاول إعطاءَه حقَّه، أما [أن] تجمع بين جنايةٍ عليه ثم المغالطة ورفع الصوت والقيل والقال؛ [لتظهر] نفسك بأنك السائر على الخط المستقيم، وأن غيرك لا يفهم ولا يدرك، هذا كله من الخطأ، بل إذا وقع الأمر منك، وبعدَ بَذْلك للسبب، فلا بد من تعاون مع من أخطأت عليه، وتساعدٍ مع من أخطأت عليه، ولا تجمع بين سوء الفعل وسوء القول والتهرب من المسؤولية، فهذه أمور لا تليق بالمسلم، لو كنت مجنيًا عليك ما حالك؟ إذًا فأنصف من نفسك، وأعط الناس حقوقهم، واتق الله في التعامل مع الآخرين.
أسأل الله أن يعين الجميع على فهم الحق والعمل به، إنه على كل شيء قدير.
واعلموا ـ رحمكم الله ـ أن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله على الجماعة، ومن شذ شذ في النار.
وصلوا ـ رحمكم الله ـ على سيد الأولين والآخرين وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، كما أمركم بذلك رب العالمين: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك نبينا محمد، وارض اللهم عن خلفائه الأربعة الراشدين...
[1] أخرجه البخاري في المظالم (2465) ، ومسلم في اللباس (2121) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
[2] أخرجه مسلم في القدر (2664) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.