الرقاق والأخلاق والآداب
الآداب والحقوق العامة
عبد الرحمن بن عبد العزيز السديس
مكة المكرمة
جامع الفرقان
فطرة الخلق على التوحيد - موقف الناس تجاه دعوة الرسل وأقسامهم - أهمية المسلم وميزانه
عند الله , والنصوص في ذلك - حرمة دم المسلم والنصوص في ذلك , وخطورة التهاون في
المحافظة على أرواح المؤمنين - عدم جواز اتخاذ العزل من النساء والصبيان مادة للصراع
والنصوص الدالة على ذلك
عباد الله: إن الله خلقنا ورزقنا ولم يتركنا هملًا , بل أرسل إلينا رسلًا من أطاعهم دخل الجنة ومن عصاهم دخل النار , خلقنا جميعًا حنفاء مائلين عن الشرك وأهله فأقم وجهك للدين حنيفًا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا كل حزب بما لديهم فرحون , فالتوحيد الخالص هو الذي فطر الله الناس عليه , كان الناس أمة واحدة (أي على التوحيد ثم اختلفوا) فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين , وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى: (( خلقت عبادي حنفاء(أي مائلين عن الشرك وأهله) فاجتالتهم الشياطين )) [1] , وحذرنا سبحانه من عبادة الشيطان بقوله: ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان.
فانقسم الناس حيال دعوة الأنبياء إلى قسمين ذكرهما ربنا في كتابه في غير موضع, كقوله سبحانه: هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن , وبين مصير كلًا منهما بقوله: فأما من أعطى وأتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى , وبقوله سبحانه: فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكًا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرًا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى , وبقوله جل شأنه: فريق في الجنة وفريق في السعير , وبين سبحانه أنهما لا يستويان في ميزانه أبدًا: لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون , وقال سبحانه: أفنجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار. فالمؤمن التقي له عند الله شأن عظيم وهو أكرم الناس في ميزان الله: إن أكرمكم عند الله أتقاكم , ولو كان عبدًا فقيرًا لا يملك إلا ثوبه , صح عنه أنه صلى الله عليه وعلي آله وسلم قال لأحد أصحابه ممازحًا: (( من يشتري مني هذا العبد؟ فقال: إذًا تجدني كاسدًا يا رسول الله. قال: لكنك عند الله لست بكاسد ) ) [2] .
وقد تواترت النصوص في الكتاب والسنة ببيان أهمية المسلم وميزانه عند الله , وكلما حسن إسلامه زاد شأنه , صح أن ابن مسعود رضي الله عنه كان على شجرة فهبت الريح فكشفت ساقيه فضحك الصحابة من دقتهما, أي من نحالتهما, فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( أتضحكون من دقة ساقيه, والذي نفسي بيده إنها لأثقل عند الله من جبل أحد ) ) [3] , (( ومر عليه رجل ذو أبهة فسألهم عنه فقالوا: هذا حري إن قال أن يسمع له, وإن شفع أن يشفع وإن خطب أن ينكح, ثم مر أخر رث الهيئة فسألهم عنه: ما تقولون في هذا؟. فقالوا: حري إن شفع أن لا يشفع وإن سأل أن لا يعطى وإن خطب أن لا ينكح. فقال: هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا ) ) [4] , فبالله عليكم تأملوا قول الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى ملء الأرض ثم تفكروا كم فردًا يملؤن الأرض إنهم عدد لا يحصيه إلا الله , كل هؤلاء إذا تجردوا عن الإيمان وكانت أفئدتهم هواء فهم هباء لا قيمة لهم , فرد مسلم صالح خير منهم جميعًا, فاعتبروا يا أولي الأبصار.
وصح عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء ) ) [5] , فالكافر إذًا في ميزان الله لا يستحق جناح بعوضة, ولولا أن الدنيا أهون عند الله من جناح البعوضة ما سقى الكافر منها.
ودم المسلم حرام حرمة عظيمة بل جاء في بعض الأحاديث أن دم المسلم أعظم من حرمة الكعبة [6] التي قال فيها صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما صح عنه: (( ما أطيبك من بلد وأحبك إلى ولولا أن قومك أخرجوني منك ما سكنت غيرك ) ) [7] , وقال فيما صح عنه: (( والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلي وإلى الله ولولا أني أخرجت منك ما خرجت ) ) [8] .
والمسلم هو المصلي كما صح عنه صلى الله عليه وعلي آله وسلم أنه قال: (( نهيت عن قتل المصلين ) ) [9] , وصح عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما رواه الشيخان عن ابن مسعود رضي الله عنه: (( لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه مفارق الجماعة ) ) [10] , وإن الأمر لبلغ مبلغًا عظيمًا حين نسمع قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما رواه الترمذي والنسائي بسند صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم ) ) [11] , وفي رواية ابن ماجة: (( لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مؤمن بغير حق ) ) [12] , فما أعظم حرمتك أيها المصلي أن تزول الدنيا كلها وتأملوا رحمكم الله ذلك فيذهب جميع بهرجها وزخرفها وزينتها وما عليها وما فيها كل ذلك أهون عند الله من إراقة دمك, أنت يا من جئت للصلاة يا من شهدت أن لا إله إلا الله, وما ذاك إلا لعظمة ما انطوت عليه نفسك من التوحيد لله في العبادة ورسوله في الاتباع, بل إن الأمر يبلغ ذروته حين ننصت لقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الثابت عنه فيما رواه الترمذي عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما بسند صحيح أنه قال: (( لو أن أهل السماء والأرض اشتركوا في دم مؤمن لكبهم الله عز وجل في النار ) ) [13] , لا إله إلا الله الملائكة الأطهار الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون, الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون, الذين أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع شبر إلا وفيه ملك ساجد, الذين يعمرون البيت المعمور بالطواف يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه آخر ما عليهم, لو أن هؤلاء الملائكة ومن في الأرض جميعًا اشتركوا في قتل مؤمن بغير حق لكبهم الله في النار, هذه قيمتك يا عبد الله عند الله , أنت صمام الأمان فلا تقوم الساعة وعلى ظهر الأرض مسلم, صح عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما رواه أحمد ومسلم: (( لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس ) ) [14] , وفيهما عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله ) ) [15] . فما أعظم الإسلام يعصم دمك وما أعظمه يعظم قدرك حتى إن الذي خلقك يقول: (( إن ذكرني عبدي في نفسه , ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ) ) [16] . فليت شعري ما نفسك وما ملؤك وما نفس الله وما ملؤه. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون.
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه, أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
[1] صحيح مسلم (2865) .
[2] مسند أحمد (3/161) .
[3] مسند أحمد (1/420-421) .
[4] صحيح البخاري (6447) .
[5] سنن الترمذي (2320) .
[6] سنن الترمذي (2032) وهو موقوف على عبد الله بن عمر رضي عنهما.
[7] سنن الترمذي (3926) .
[8] مسند أحمد (4/305) ، وسنن الترمذي (3925) ، سنن ابن ماجة (3108) .
[9] سنن أبي داود (4928) .
[10] صحيح البخاري (6878) صحيح مسلم (1676) .
[11] سنن الترمذي (1395) ، وسنن النسائي (3987) .
[12] سنن ابن ماجة (2619) .
[13] سنن الترمذي (1398) .
[14] صحيح مسلم (2949) ، مسند أحمد (1/394) .
[15] صحيح مسلم (148) ، مسند أحمد (3/107) .
[16] صحيح البخاري (7405) ، صحيح (2675) .
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اللهم صلى وسلم عليه وعلى آله أجمعين.
أما بعد: فيا عباد الله تلكم هي قيمة المؤمن في ميزان الله, فكيف يسوغ لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يتهاون في أرواح المؤمنين فلا يجوز أن يتهاون في المحافظة عليها فضلًا عن أن يكون متسببًا في إتلافها أو مباشرًا لقتلها, إن مما يجلب الأسى ما نسمعه المرة بعد المرة مما تتناقله بعض وكالات الأنباء في بعض البلدان من ذبح للمدنيين العزل من المسلمين فمرة تسعين ومرة أربعين ومرة تزيد ومرة تنقص , بل لا يكاد يمر أسبوع إلا ونروع فيه مرة أو مرتين بالسماع عن مذابح بشعة تجز فيها رؤوس النساء والصبيان والكبار العزل من الرجال وأيًا كان الفاعل لهذه الجرائم التي لا يرضاها دين ولا خلق سواء قلنا هم الجهلة الذين حملوا السلاح دفاعًا عن الدين, وهم جهلة بأحكامه وشرائعه, أو قلنا هم عدوهم عدو الدين يريد تشويه سمعة الدين كما يدعيه كل من طرفي الصراع. إلا أن الأمر الذي يجب أن يعيه الجميع أنه لا يجوز أبدًا أن يتخذ العزل من النساء والصبيان مادة للصراع فيذبحون للنكاية في الطرف الآخر, أين قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم للغزاة في سبيل الله الذين يقاتلون من كفر بالله: (( ولا تمثلوا, ولا تقتلوا وليدًا ) ) [1] , ونحن نسمع اليوم أن بعض العزل قد قتل ومثل به حيث قطع إربًا, وأما قتل الوليد فحدث ولا حرج, وهذا كله في جهاد الكفار فكيف بقتل المسلمين الذين ذكرنا من حرمة قتلهم في الشرع ما ذكرنا, أين قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( ما بال أقوام جاوز بهم القتل اليوم حتى قتلوا الذرية, لا تقتلوا الذرية ) ) [2] . أين نهيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن المثلة ونهيه عن قتل النساء والصبيان, صح عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( من ضيق منزلًا أو قطع طريقًا أو آذى مؤمنًا فلا جهاد له ) ) [3] , إن أذية المؤمنين شأنها عظيم: والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانًا وإثمًا مبينًا , وأي أذى أعظم من أن تذبح امرأته أو ابنته أو أخته أو طفله ثم يراه ذبيحًا كيف يبلغ الفجور في الخصومة إلى هذا الحد. فلنحمد الله على العافية ولنسأله دوام العافية على الأعراب وعلى أهلينا, ولنشكره سبحانه وتعالى على ما أطعمنا من جوع وأمننا من خوف. ولنحرص على طلب العلم الشرعي فلا خزي من خزي إلا من قلة العلم وذهاب التقوى والورع, وقد قال البخاري رحمه الله في صحيحه, قال ابن عيينة عن خلف بن حوشب كانوا يستحبون بأن يتمثلوا بهذه الأبيات عند الفتن، قال امرئ القيس:
الحرب أولها تكون فتية تسعى بزينتها لكل جهول
حتى إذا اشتعلت وشب ضرامها ولت عجوزًا غير ذات حليل
شمطاء ينكر لونها وتغيرت مكروة للشم والتقبيل [4]
قال ابن حجر وبالتمثل بهذه الأبيات استحضار ما شاهدوه وسمعوه من حال الفتنة, فإنهم يتذكرون بإنشادها ذلك فيصدهم عن الدخول فيها حتى لا يغتروا بظاهر أمرها أولًا. ولقد صدق الشاعر في قوله تسعى بزينتها لكل جهول, أي لا علم عنده ولا حلم, أما من كان مزموم بزمام العلم والعقل البعيد عن الطيش والتهور فما كان له أن يقع في شيء من هذا.
فلنحذر الفتن وأسبابها ولنسعى في طلب العلم الشرعي ونشره والعمل به والدعوة إليه.
[1] صحيح مسلم (1731) .
[2] مسند أحمد (3/435) ، سنن الدارمي (2463) .
[3] مسند أحمد (3/441) ، سنن أبي داود (2629) .
[4] صحيح البخاري كتاب الفتن - باب الفتنة تموج كموج البحر.