الأسرة والمجتمع
الأبناء
محمد بن عبد الله الهبدان
الرياض
جامع العز بن عبد السلام
1-الدعوة لتربية الأبناء وتأديبهم 2- الأولاد فتنة خير يَبتلي الله فيها العبد 3- صور من
تأديب السلف لأولادهم 4- سوء تربية الأبناء عقوق لهم يتضرر منه الآباء قبل غيرهم
5-توجيهات عامة في تربية الأبناء
أيها الأخوة في الله: إن الله سبحانه أنزل إلينا خير كتبه وشرع لنا أفضل شرائع دينه ،شرع لنا ما ينفعنا، وأمرنا بما هو كفيل بسعادتنا في الدنيا والآخرة، ومن تلك الآوامر الإلهية التي يخاطب الله فيها عبادة الذين آمنوا، ذلك الخطاب الرباني الموجه إلى أرباب الأسر، محذرا ومنذرا ومذكرا وموجها، يقول الله جل جلاله فيه: يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون فالقرآن يهيب بالذين آمنوا ليؤدوا واجبهم في بيوتهم من التربية والتوجيه والتذكير، فيقوا أنفسهم وأهليهم من النار، قال ابن عباس: (اعملوا بطاعة الله، واتقوا معاصي الله، ومروا أهليكم بالذكر ينجيكم الله من النار) وقال علي بن أبي طالب: (علموا أنفسكم وأهليكم الخير وأدبوهم) .
أيها الأخوة في الله: إن من شب على شيء شاب عليه غالبا، فمن نشّأ أولاده على الأخلاق الفاضلة والمثل الكريمة في الصغر، سر وانتفع بهم في الكبر، وإن نعمة الأولاد نعمة كبرى، ومنتها منة عظمى، أنعم الله بها على من أعطاهم إياها المال والبنون زينة الحياة الدنيا وإن العاقل الذي أوتي هذه النعمة ليدرك أن استقرار هذه النعمة واستمرار أثرها على الإنسان في محياه ومماته بتوجيهها التوجيه الذي أمر الله به في قوله جل ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا ، وقوله سبحانه: وأنذر عشيرتك الأقربين والبعد كل البعد عن التساهل والتفريط في شأنها، فإنها بجانب كونها نعمة، هي في نفس الوقت ابتلاء واختبار للوالدين يقول الله تعالى: ونبلوكم بالشر والخير فتنة ويقول: واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة.
أيها الأخ المبارك: إذا قلبت طرفك في صفحات التاريخ وقفت على حقائق ناصعة كلها صفاء وبهاء من اهتمام الأجيال الفذة بتربية أبنائهم والاعتناء بهم ،لأنهم أدركوا ما وراء شكرها والقيام بحقها من تتابع أجر وبقاء ذكر، مهتمين كل الاهتمام بتوجيه أولادهم وتنشئتهم وتربيتهم على الإسلام الذي لا يضل ولا يشقى من تمسك به فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها يقول الله تعالى عن عباده المؤمنين المضافين إليه إضافة تشريف وتكريم: يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إمامًا.
إن هذا الاهتمام كان له أعظم الأثر في صلاح أبناءهم ومن ثم إحسانهم إليهم وبرهم بهم.
فهذا لقمان الحكيم يقول لولده ويوصيه بقوله: وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ويقول له أيضا ليزرع في قلبه مراقبة الله جل جلاله: يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُنْ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ يَابُنَيَّ أَقِمْ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ.
وهذا عمر فاروق هذه الأمة يؤدب ولده عندما دخل عليه وهو مترجل، وقد لبس ثيابا حسانا، فضربه عمر بالدرة حتى أبكاه، فقالت له حفصة: لم ضربته؟ قال رأيته قد أعجبته نفسه، فأحببت أن أصغرها إليه [1] وهذا سفيان الثوري رحمه الله قالت له أمه:"يا بني! اطلب العلم، وأنا أكفيك بمغزلي"فكانت تعمل - وتقدم له ليتفرغ للعلم، وكانت تتخوله بالموعظة والنصيحة، قالت له ذات مرة:"يا بني إذا كتبت عشرة أحرف، فانظر: هل ترى في نفسك زيادة في خشيتك وحلمك ووقارك، فإن لم تر ذلك، فاعلم أنها تضرك، ولا تنفعك" [2] .
فهل من غرابة بعد هذا أن نرى سفيان يتبوأ منصب الإمامة في الدين، كيف وهو قد ترعرع في كنف مثل هذه الأم الرحيمة، وتغذي بلبان تلك الأم الناصحة التقية؟!
لقد أعطى أسلافنا الأوائل عبر حقب التاريخ أمثلة ونماذج رائعة في هذا المضمار تربية وتوجيه الأولاد توجيها يربطهم بالله، وبشرعه، يؤهلهم للحوق بصالح آبائهم أو شفاعتهم في آبائهم ليلحقوا بهم في الجزاء والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء.
ولكن يا حسرة على العباد، ومع الأسف الشديد إن كثيرًا من الناس ممن أُعطوا أولادًا أهملوا هذا الجانب الهام في حياتهم وحياة أولادهم، إهمال المستبدل الأدنى بالذي هو خير، فمنهم من يمسي ويصبح ودنياه همه، وشغله الشاغل، لا يكاد يلتفت إلى أولاده ولا من تحت يده ممن استرعاه إلا بقدر ما يلتفت به صاحب الحيوانات أو الطيور إلى حيواناته، يضع لها كلأ وماء، ولم يدر المسكين أنه بعمله هذا كتارك لباب ذات اللباب النافع وجامع قشوره، وأشر من هذا وأقبح من يأخذ بهم في تربيته لهم إلى ما يخالف فطرة الله التي فطر الناس عليها، بل ومقتضى ما أمر به تعالى نحوهم قوا أنفسكم وأهليكم نارا فيأخذ بهم مأخذ العصيان أو العلمنة ـ والعياذ بالله ـ سواء فعل ذلك هو مباشرة أو أسلم من لا حصانة لديه منهم في عقيدة أو سلوك إلى مربي أو مدرسة أو جامعة علم فيها هذا التوجيه.
قال ابن القيم رحمه الله: (من أهمل تعليم ولده ما ينفعه وتركه سدى، فقد أساء إليه غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء وإهمالهم لهم وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه، فأضاعوهم صغارا فلم ينتفعوا بأنفسهم، ولم ينفعوا آباءهم ) [3] .
أيها الأب المبارك: كيف ترجو صلاح ولدك وإحسانه وأنت قد جلبت له أسباب الشقاء، قد هيأت له ما تقسوا به القلوب، بل تموت!
كيف ترجو صلاح ولدك وأنت قد جلبت له تلك الأطباق السوداء ينظر فيها ما تشيب لهوله الولدان وتقشعر له القلوب؟!! تلك الأطباق التي دمرت عقول الأمة وحطمت دينها وفتكت بشبابها وشيبها؟!!
كيف ترجو خيره وصلاحه وأنت تراه مقيما على المعصية فلا تنهاه! بل ربما وصل بك الأمر ـ واسمح لي إن قسوت عليك في العبارة فما أريد ورب الكعبة إلا نفعك ـ أن تكون أنت أول من يفعل ذلك أمامه، بل قد تراه أمرا لا غضاضة فيه، وهذا والله لهو الخطأ الفادح بكل المقايس، والفعل المشين بكل المعايير.
قال عمرو بن عتبة لمعلم ولده منبهًا له: (ليكن أول إصلاحك لولدي إصلاحك لنفسك، فإن عيونهم معقودة بعينك،فالحسن عندهم ما صنعت، والقبيح عندهم ما تركت) [4] .
أيها الأخوة: إن مسؤولية الأب في نفسه وفي أهله مسؤولية عظيمة رهيبة، فالنار هناك وهو متعرض لها وأهله، وعليه أن يحول دون نفسه وأهله ودون هذه النار التي تنتظره هناك، إنها نار فظيعة مستعرة، وقودها الناس والحجارة، إنها نار كلها بؤس وعناء، نار كلها عذاب وشقاء، نار عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يأمرون.فرحماك يارب نسألك أن تجعلنا ممن قلت فيهم قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والدي وأن أعمل صالحًا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين.
[1] صفات مشرقة ص230
[2] عودة الحجاب (2/203)
[3] تحفة المودود ص161 بتصرف.
[4] مسؤولية الأب المسلم في تربية الولد ص68
أيها الأب المبارك: هذه توجيهات سريعة تستضيء بها في تربية ولدك وفلذة كبدك، فأرع يا رعاك الله لها سمعك وأحضر لها قلبك.
أولا: [1] من الأمور المهمة أن يغتنم الأبوان مرحلة الصغر والتأثر، لأن الولد في هذا السن صفحة بيضاء.
فكل مولد يولد على الفطرة، ثم يأتي دور الأبوين، فإما أن يكون دورا مجيدا مشرفا قائمًا بالمسؤولية، وإما أن يكون دورا مخربا مفسدا لا مباليا. ويصعب عليهما فيما بعد أن يتداركا الأمر كما قال القائل:
إن الغصون إذ قومتها اعتدلت ولا يلين إذا قومته الخشب
ثانيا: لابد أن يكون هناك تفاهم قائم بين الزوجين، وأن يتعاونا على التربية الفاضلة، فلا يجوز أن يتلقى الطفل أوامر متناقضة لا يدري أيها ينفذ؟ ويجد لنفسه النصير إن عصى أمر أحد والديه، بحجة طاعته أمر الآخر، لابد أن يكون هناك تنسيق وتعاون وتفاهم بين الوالدين.
ثالثا: ألا يرى الابن في سلوك أبويه ما يخالف النصائح التي سمعها منهما، حتى تكون ثمرة التربية مجدية نافعة. أما الازدواج الذي يقوم بين ما يقوله الآباء وبين ما يسلكون، فهو من أكبر أسباب الانحراف التي تُفسد الناشئة وتجعلهم يشكون في القيم والمثل العليا كلها.وكما قال القائل:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذ فعلت عظيم
رابعا: ومن أسس تربية الأولاد غرس الروح الدينية في نفوسهم، وتنشئتهم على المخافة من الله تعالى، فإن ذلك سبب لاستقامتهم على السبيل السوي الفاضل، وعلى الوالدين أن يشربا الأولاد حب الله وحب رسوله.
خامسا: ومن أسس تربية الأولاد تعداد الوسائل في تقويمهم، فالضرب في سنّ، وعند الضرورة، وبعد زوال الحدة، ولا يجوز أن يستمر الوالد في الضرب، لأن ذلك قد يؤدي إلى مخاطر عظيمة.
ومن أهم الملاحظات في هذا المجال أن يتفهم الوالد عقلية أولاده عندما يكبرون ويناقشهم، ويحترم شخصياتهم، ولا يستمر في نظرته إليهم على أنهم ما يزالون صغارا.
إن العقد النفسية بدأت تمزق صدور كثير من الشباب والشابات بسبب تصرف سيئ يقوم به أحد الأبوين، فلنتق الله في أبنائنا ولنعلم أنهم أكبادنا يمشون على الأرض.
سادسًا: ومن الأسس الهامة في تربية الأولاد اختيار الرفقاء الصالحين لهم، فالرفيق ذو تأثير كبير، فعلى الأبوين مراقبة الأولاد في أصدقائهم. (( فالمرء على دين خليله ) ) [2] ولذا كان لزاما على الآباء أن يختاروا الصحبة الصالحة لأولادهم، ونحن في هذه البلاد ننعم بهذه الحلقات المباركة حلقات العلم وحلقات تحفيظ القرآن الكريم، وفيها أخوة يتلقفون من يريد الانضمام إليهم تلقف الأخ لأخيه، والمحب لحبيبه، والداعية المخلص لمدعوه، فاعملوا على رفقة أولادكم ومصاحبتهم لهؤلاء.
هذا وصلوا على نبيكم...
[1] انظر في هذه كتاب نظرات في الأسرة المسلمة ص 191بتصرف.
[2] أخرجه أبوداود والترمذي وأحمد (2/303) وغيرهم.