فهرس الكتاب

الصفحة 1933 من 5777

من فضائل الصحابة

قضايا في الاعتقاد

الصحابة

سعيد بن يوسف شعلان

جدة

عمار بن ياسر

1-سمات الجيل القرآني الفريد. 2- العبودية الحقة لله. 3-التشريع بغير ما أنزل الله كفر أكبر.

4-الجدية في اتباع الكتاب والسنة ودقة التنفيذ والمسارعة إليه. 5- جهاد الجيل الأول. 6-

تعلم القرآن للعمل والامتثال. 7- صور من امتثال الصحابة ومسارعتهم للطاعة. 8- وهم مع

ذلك بشر.

أما بعد:

فقد مر بنا في بعض الخطب المتعلقة بالإرشاد إلى ما ينبغي مراعاته في أمور الزواج، مر بنا أن بين ما عليه كثيرون من المسلمين في أمور الزواج وغيرها في أيامنا هذه، وبين ما كان عليه سلفنا الصالح فرقًا شاسعًا وبونًا بعيدًا، وقلنا عندها لعلنا نتكلم يومًا على السمات التي تَميَّز بها قرن الخير قرن رسول الله ، لأنّ في الكلام على هذه السمات جوابًا على سؤال متكرر دائمًا، ألا وهو ما الذي حقق للسلف الصالح العزة والسيادة والاحترام والتبجيل حتى من الخصوم، بينما لم يتحقق لنا ذلك في القرون الأخيرة؟ هل عملوا بأمور لم تنقل إلينا فتميزوا بها وارتفعوا بسببها؟

والجواب: لا، لكن فرق بيننا وبينهم أنهم كانوا شديدي الانقياد والتسليم لله تعالى ولرسوله ، فرق بيننا وبينهم إخلاصهم وخشوعهم في كل ما افترض عليهم وصدقهم في الأداء، وتحقيق المعاني بنقلها من حيز الكلام إلى حيز الواقع والتطبيق، ووفائهم بالعهود والمواثيق، ويمكننا أن نتكلم على هذه الأمور من خلال نقاط خمس:

أولًا: صدق الإيمان وجدية الأخذ من الكتاب والسنة وصدق الجهاد في سبيل الله.

هذه هي أولى السمات التي تميَّز بها الجيل الفريد من الصحابة فمن بعدهم، وهي من الخصائص الأصيلة لهذه الأمة التي قامت عليها خيريتها التي وضعها الله تعالى بها في كتابه فقال تعالى في سورة آل عمران: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِ?لْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ?لْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِ?للَّهِ [آل عمران:110] .

وليس الذي يظهر لنا من الجيل الأول هو اتصافه بهذه الصفات، فهي من لوازم الأمة التي يخرجها القرآن إلى الوجود، وتحدد لها سنة الرسول دقائق حياتها، وإنما الذي يبهرنا في ذلك الجيل الأول هو الدرجة العجيبة التي وصلوا إليها في ترسيخ هذه الصفات في نفوسهم وفي واقع حياتهم، إن دعوة القرآن كلها هي إخلاص الدين لله، قال الله تعالى في سورة الزمر: أَلاَ لِلَّهِ ?لدّينُ ?لْخَالِصُ [الزمر:3] . وقال: قُلْ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ?للَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ ?لدّينَ [الزمر:11] . وقال في سورة الأعراف: وَ?دْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ?لدّينَ [الأعراف:29] . وقال في سورة البينة: وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ?للَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ?لدّينَ حُنَفَاء [البينة:5] .

والإخلاص الذي يأمر الله به ليس مجرد مشاعر تستكن في ضمير الإنسان، وليس مجرد إقرار يعلن فيه الإنسان أن الله واحد لا شريك له عند اعتقاد قلبي بصدق ما يُقر به من وحدانية الله، لا، فهذا وحده لا يفي بما يطلبه الله من عباده بلفظ الأمر، لا على سبيل الندب، أو التخصيص بلفظ الأمر: وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ?للَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ?لدّينَ حُنَفَاء [البينة:5] . إنما المتتبع لكل الآيات التي جاء بها الأمر بالإخلاص يجد أنها متعلقة بتوجيه العبادة لله وحده دون شريك، فهي إذن ليست متعلقة بالاعتقاد وحده، إنما هي متعلقة كذلك بسلوك معين مرتبط بالاعتقاد، فالعبادة أيها الإخوة سلوك واقعي، وليست مجرد مشاعر أو اعتقادات، بل هي سلوك مبني على المشاعر، ومنبثق عن الاعتقاد، والإخلاص المطلوب في العبادة، هو براءة هذه العبادة من الشرك، وتلك هي حقيقة التوحيد، وهو أمر لازم، لا للارتقاء في مراتب الكمالات، بل لحصول الإيمان بادئ ذي بدء، وأمّا الارتقاء في مراتب الكمالات بعد ذلك فله مجالات أخرى نتحدث عن بعضها في حياة ذلك الجيل الفريد فيما بعد إن شاء الله، وهي التي ورد فيها الندب والتحبيب لا الأمر والإلزام.

فما العبادة المطلوبة من العباد؟ وما كيفية البراءة من الشرك؟

العبادة كما بينها الله تعالى في كتابه المنزل تشمل أمورًا ثلاثة:

الاعتقاد الجازم بأن الله واحد في ذاته وفي أسمائه وصفاته، والتوجه إليه وحده بالشعائر التعبدية التي افترضها على عباده، والالتزام بما أنزل الله من التحليل والتحريم والتحسين والتقبيح والإباحة والمنع، وإيُّما أمر اختل من هذه الثلاثة فهو ناقص للتوحيد ومدخل في الشرك الذي يخرج الناس من الإسلام، مع اعتبار معين في هذا الشأن، هو أنّ المعصية بغير استحلال لا تنقض أصل الالتزام، ولا تخرج الناس من الإسلام، ما داموا يقرون بالأمر المنزل من عند الله، ولا يجعلون مخالفتهم له تشريعًا مضاهيًا لشرع الله، أو قائمًا بذاته مناقضًا لشرع الله.

بعبارة أخرى:

ليست المعصية لما أنزل الله هي التي تخرج من الملة، إنما هو التشريع بغير ما أنزل الله، أن نتخذ من القوانين الدخيلة علينا شرائع نضاهي بها شرع الله تبارك وتعالى، هذا يختلف عن المعصية لحكم أنزله الله تبارك وتعالى، يختلف تمامًا فالمعصية بغير استحلال لا تنقض أصل الالتزام ولا تخرج من الإسلام، أما التشريع بغير ما أنزل الله فهو المعني بقول الله تعالى في سورة المائدة: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ ?للَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ ?لْكَـ?فِرُونَ [المائدة:44] . وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ ?للَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ ?لظَّـ?لِمُونَ [المائدة:45] . وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ ?للَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ ?لْفَـ?سِقُونَ [المائدة:47] .

ولا يقال كفر دون كفر كما هو شائع عند بعض الناس، فيظلم ابن عباس رضي الله عنهما عندما يروى عنه ذلك، لأنه لما سُئل عن بني أمية في مخالفتهم لبعض الأحكام اتباعًا للهوى قال:"كفر دون كفر"، يعني ليس مخرجًا من الملة، ولو سئل عما يشهد به واقع الأمة الإسلامية في هذه الأيام من الحكم بغير ما أنزل الله على الدوام أكان ابن عباس حبر الأمة يقول: كفر دون كفر؟ لا.

وكون ذلك هو الشرك المخرج من الملة واضح في قوله تعالى في سورة الشورى: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُواْ لَهُمْ مّنَ ?لدّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ?للَّهُ [الشورى:21] . وفي قوله تعالى من سورة الأعراف: ?تَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء [الأعراف:3] . فإن لم يتخذ الناس أحكامهم من عند الله، أي من القرآن والسنة ومن اجتهاد الفقهاء الملتزمين بالقرآن والسنة ولا يشذ عنهما ولا يخرج على أحكامهما، فإنهم حينئذ يتخذون أحكامهم من الجاهلية، ويخرجون بذلك من الإسلام، فجدّية الأخذ من الكتاب والسنة لازمة من لوازم الوجود الإسلامي، سمة من سمات الأمة الإسلامية لا تنفك عنها، وليس وجودها هو الذي يبهرنا من الجيل الأول أيها الإخوة، إنما الذين يبهرنا من هذا الجيل هو الدرجة العالية من الالتزام في التنفيذ، التي تجعل المعصية شيئًا نادرًا في حياة الناس بسبب صدقهم والتزامهم في تنفيذ ما يُتلى عليهم من كتاب الله وسنة رسوله.

فإذا أتينا على صدقهم في الجهاد في سبيل الله عز وجل، نقول: الجهاد في سبيل الله سمة أصيلة أيضًا من سمات الأمة الإسلامية، قال الله تعالى في سورة الصف: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَى? تِجَـ?رَةٍ تُنجِيكُم مّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِ?للَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَـ?هِدُونَ فِى سَبِيلِ ?للَّهِ بِأَمْو?لِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [الصف:10-11] .

وقال في سورة الحجرات: إِنَّمَا ?لْمُؤْمِنُونَ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ بِ?للَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَـ?هَدُواْ بِأَمْو?لِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ?للَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ ?لصَّـ?دِقُونَ [الحجرات:15] . صدقهم في الجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى تؤديه هذه الآيات وغيرها، والواقع الإسلامي يرد على أولئك المستضعفين، واقع المسلمين اليوم يرد على أولئك المستضعفين، الذين يقولون إن الجهاد في الإسلام دفاعي فقط، ولا يقاتل المسلمون إلا إذا هوجموا من قبل أعدائهم، مستندين إلى أحكام الجهاد المرحلية التي جاء فيها قوله تعالى في سورة البقرة: وَقَـ?تِلُواْ فِي سَبِيلِ ?للَّهِ ?لَّذِينَ يُقَـ?تِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ ?للَّهَ لاَ يُحِبُّ ?لْمُعْتَدِينَ [البقرة:190] . مُغْفِلين الآيات الصريحة التي مر بنا شيئًا منها، أو مؤولين لها على ضوء الأحكام المرحلية، فما دامت الأمة قد حملت راية لا إله إلا الله وحملت معها مسؤلياتها فقد أصبح الجهاد لازمًا لوجودها، لأن البشر لا يلتزمون كلهم على طاعة الله، ولأن البشر كلهم لا يرضون أن يكون الدين كله لله، ولأنهم لا يدعون المسلمين وشأنهم، يقيمون دينهم بمأمن من العدوان، قال الله تعالى في سورة البقرة: وَلاَ يَزَالُونَ يُقَـ?تِلُونَكُمْ حَتَّى? يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ [البقرة:217] . فبعد أن تركت الأمة الجهاد تحت راية الإسلام يظل واقعها خير دليل على وجوب الجهاد إلى قيام الساعة دفاعية أو هجومية، لا غنى للأمة الإسلامية أبدًا عن الجهاد.

قال الله تعالى في سورة الأنفال: وَقَـ?تِلُوهُمْ حَتَّى? لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدّينُ كُلُّهُ لِلهِ [الأنفال:39] . وهنا نقول إن الجيل الأول لا يبهرنا بصدق جهاده في سبيل الله عز وجل، ولكن يبهرنا ذلك الجيل بتلك الدرجة الرائعة من هذا الصدق في حياة هذا الجيل الرائع. جيل الخير. جيل صحابة رسول الله.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله خاتم الأنبياء وإمام المرسلين، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد:

لقد عاش الجيل الأول مع القرآن حياةً كاملة إن صح التعبير... كل جملة في القرآن، كل عبارة، كل توجيه، وكل أمر أو نهي يصل إلى نفوسهم بشحنته الكاملة، ويحركهم الحركة التامة المطلوبة من الجملة أو العبارة أو التوجيه أو الأمر أو النهي.

كيف كانوا يقرءون القرآن أيها الإخوة الكرام؟ كيف كانوا يفهمونه؟ كيف كانوا يعملون به؟ هل كان الكتاب العزيز عندهم كتاب موتى لا يسمعون به إلا في المآتم وفي السرادقات التي تقام للعزاء، هل كان الكتاب العزيز عندهم مصحفًا أنيقًا مكتوبًا بخط جميل مُحلى أو موشى بذهب أو بفضة أو ما إلى ذلك، موضوعًا على منضدة طيبة في غرفة استقبال، هل كان المصحف عندهم وسيلة للتعوذ يوضع تحت وسادة النوم إذا أخذوا مضاجعهم؟ لم يكن الكتاب العزيز عندهم على هذا النحو ولا على غيره، لم تكن هناك قراءة لمجرد التأمل الفكري. لم تكن هناك قراءة لمجرد الاستمتاع الفني ببلاغة القرآن. لم تكن قراءة لاستخراج نظريات فلسفية أو عقلية أو تجريدية، أو حتى للتأثر والوجدان الذي يأخذ بمجامع النفس ثم ينتهي بتهويمة روحية لا تحرك صاحبها من مكانه. لم تكن قراءتهم للقرآن الكريم كذلك، وابن مسعود رضي الله عنه يقول حاكيًا حال الصحابة مع القرآن: (لم يكن أحدنا يستكثر من القرآن. إنما كنا نتعلم عشر آيات لا نزيد عليهن حتى نعمل بما فيهن، فتعلمنا القرآن والعمل جميعًا) .

وكانت استجابتهم لكلام الله تعالى فذة من كل جوانبها. امتلأت قلوبهم بعظمة الله فقدروه حق قدره فأخبتوا له، وتعلقت قلوبهم به في الخوف والرجاء، في الحب والكُره، في السعة والشدة، والضيق والفرج في كل لحظة، وفي كل حال، كانوا يأخذون التوجيه على أنه أمر مُلزم ونهي مُلزم، أمر بأخلاقيات لا إله إلا الله، ونهي عن الجاهلية لذلك، لم تكن لا إله إلا الله منفصلة في في حسهم عن الأخلاق الفاضلة التي دعاهم إليها باسم الإيمان لأن الأخلاق الفاضلة كانت في حسهم كما هي في الواقع من مقتضيات لا إله إلا الله. الأخلاق الفاضلة، لا تنفك ولا تنفصل عن لا إله إلا الله لأنها من مقتضياتها. مادمت قد قلت لا إله إلا الله. فلا يمكن أن تسعك إلا الأخلاق الفاضلة هل نعجب إذن حين نعلم الطريقة التي كانوا يتلقون بها القرآن وتوجيهات رسول الله ؟! هل نعجب إذا رأينا تلك النماذج الفذة؟! لا نعجب لأننا عرفنا أن من سماتهم صدق الإيمان وجدية الأخذ من الكتاب والسنة وصدق الجهاد في سبيل الله. هل نعجب من الذين باتوا على الطوى ليقدموا اللقمة الضئيلة التي يملكونها إلى ضيفهم فأطفؤوا السراج حتى لا يرى الضيف أنهم لا يملكون إلا ما يقدمونه إليه. فأنزل الله فيهم في سورة الحشر: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى? أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر:9] .

أم نعجب من الذي خرج من بيته وفي يده تمرات فلما رأى القتال قال لئن عشت حتى تنتهي هذه إنه لعمر يطول، فألقى التمرات واقتحم المعركة شوقًا إلى الجنة فاستُشهد؟!.

هل نعجب من الذي كان في ليلة عرسه فسمع الهيعة، سمع النداء للقتال، فقام يطلب الجنة ولم ينتظر حتى يغتسل فلما استشهد غسلته الملائكة، هل نعجب؟!

هل نعجب من عمر رضي الله عنه يبكي وهو يرى العجوز تُلهي أبناءها ليناموا، فيذهب بنفسه ويحمل الدقيق على ظهره ويعود ليصنع للأطفال الطعام بيده، ولا ينصرف حتى يعلم أنهم شبعوا وناموا؟!.

هل نعجب من ماعز تؤرقه نفسه يلح على رسول الله حتى يقيم عليه الحد، لا يُطيق أن يلقى الله بلا كفارة؟! ومن الغامدية تُلح على إقامة الحد عليها، وتظل على عزيمتها لا تفارقها حتى تفطم ولدها، تريد أن تلقى الله خالية من الذنب؟! هل نعجب من ربعي بن عامر يدخل على رستم مستعليًا كما دخل مستعليًا على كل ما تملكه الجاهلية من السلطان والجاه، معتزًا بلا إله إلا الله، يصدع في وجه الجاهلية العاتية بكلمة الحق، لا يرهبها ولا يحس لها وزنًا في حسه، لأنه يزنها بميزان الله، فإذا هي خاوية تستحق أن يدوسها بأقدام حماره، ويمزقها بطرف رمحه ويملي على صاحبها أمر الله؟!

هل نعجب من عمرو بن العاص يطلب المدد من الخليفة لأن الروم يشدون على جيشه فلا يرسل له عمر عشرة آلاف يمده بهم ولا خمسة آلاف ولا ألفًا ولا خمسمائة، إنما يرسل إليه أربعة من أصحاب رسول الله ؛ القعقاع بن عمرو وخارجة والمقداد ابن الأسود والزبير، كلٌ منهم يُعدل بألف فارس، يرسل إليه بأربعة ممن رباهم النبي على عينه فينتصر الجيش بالأربعة الكرام العظام كأنهم مدد يبلغ الألوف؟!.

هل نعجب من انتشار الإسلام في تلك الرقعة الفسيحة من الأرض في تلك البرهة القصيرة من الزمن، فيبلغ من المحيط غربًا إلى الهند شرقًا في نصف قرن من الزمان على أيدي أولئك الأفذاذ من الرجال؟!.

هل نعجب من مئات ومئات من الخوارق في كل اتجاه تجتمع كلها، وتحتشد في فترة محدودة من الزمن، حتى ليمر بها المؤرخ وكاتب السيرة مرورًا عابرًا، كأنما يتحسس عن شيء عادي، ذلك أنه ينظر يمنةً ويسرة فيرى القمم الشاهقة من حوله، فلا يعود يصف القمة بأنها قمة، لأن هذا لا يميزها عن غيرها من القمم، ليس حوله إلا القمم، فهل يصف القمة بأنها قمة، إن وصفها لن يميزها عن غيرها من القمم، فيمر بها مرورًا عابرًا كأنما يتحدث عن شيء عادي.

هل خرج هؤلاء الصحابة البشر عن بشريتهم، هل أصبحوا ملائكة؟ هل خرجوا عن عموم قوله: (( كل بني آدم خطاء ) )؟ هل أصبحوا صفحات بيضاء لا أثر فيها لسؤة ولا نقيصة. كلا. ما كانوا كذلك. كانوا بشرًا تعتمل في نفوسهم دوافع البشر، ويتحركون في الأرض بدوافع البشر، ولكنها دوافع البشر في أصفى حالاتها وأعلاها، كانوا يعملون فإذا نزلت بهم ثقلة عن المستوى السامق لم يستكينوا للهبوط، إنما عادوا يصعدون من جديد فيصعدون ويصعدون.

هذه أولى السمات التي تميزوا بها وارتفعوا بسببها.

صدق الإيمان وجدية الأخذ من الكتاب والسنة وصدق الجهاد لله عز وجل.

أسأل الله أن ينفعنا بما سمعنا من الحديث عنها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت