فهرس الكتاب

الصفحة 1926 من 5777

النفس ومراتبها(1)

الرقاق والأخلاق والآداب

أعمال القلوب

سعيد بن يوسف شعلان

جدة

عمار بن ياسر

1-استعاذة النبي من شر النفس. 2- الناس بين متبع لهوى نفسه وعاص لها. 3- صفات

النفس كما وصفها القرآن. 4- أهمية محاسبة النفس وحديث مستفيض عن المحاسبة.

أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن سائر أمراض القلوب إنما تنشأ من جانب النفس، فالمواد الفاسدة كلها إليها تنصب ثم تنبعث إلى الأعضاء.

وأول الأعضاء تضررًا وتأثرًا بفساد النفس القلب، ومن هنا فإن النبي كان يقول في خطبة الحاجة: (( الحمد لله نحمده ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ) ) [أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما] .

فاستعاذ النبي من شر النفس ومن شر ما يتولد منها من عمل، وشر ما يترتب على ذلك من المكاره والعقوبات، فجمع بين الاستعاذة من شر النفس وسيئات الأعمال.

وفي المسند والترمذي من حديث حصين بن عبيد والد عمران الصحابي الجليل ورد أن رسول الله قال له: (( يا حصين كم تعبد؟ ) )قال: سبعة: ستة في الأرض وواحد في السماء. قال: (( فمن الذي تعد لرغبتك ورهبتك؟ ) )قال: الذي في السماء، قال: (( أسلم حتى أعلمك كلمات ينفعك الله بها ) )فأسلم فقال: (( قل اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي ) )هكذا: اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي؛ لأن النفس إذا فسدت تضرر القلب بفسادها وتأثر أعظم التأثر.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى:"اتفق السالكون إلى الله على اختلاف طرقهم وتباين سلوكهم، على أن النفس قاطعة بين القلب وبين الوصول إلى الرب، وعلى أنه لا يدخل عليه سبحانه ولا يوصل إليه إلا بعد قهرها وتركها ومخالفتها والظفر بها، فإن الناس على قسمين: قسم ظفرت بهم أنفسهم فملكتهم وأهلكتهم فصاروا طوعًا لها تحت أوامرها، وقسم قهروا أنفسهم فملكوها فصارت طوعًا لهم منقادة لأوامرهم".

ومن هنا قال بعض الصالحين:"انتهى سفر الطالبين إلى الظفر بأنفسهم، فمن ظفر بنفسه أفلح ونجح من تحكم في نفسه وساقها وجعلها طوعًا لأمره هو كان من أهل النجاح والفلاح، ومن ظفرت به نفسه تحكمت فيه، وسيرته وفق هواها خسر وهلك. قال الله تعالى في سورة النازعات: فَأَمَّا مَن طَغَى? وَءاثَرَ ?لْحَيَو?ةَ ?لدُّنْيَا فَإِنَّ ?لْجَحِيمَ هِىَ ?لْمَأْوَى? وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ وَنَهَى ?لنَّفْسَ عَنِ ?لْهَوَى? فَإِنَّ ?لْجَنَّةَ هِىَ ?لْمَأْوَى? [النازعات:47-41] ."

فالنفس داعية إلى الطغيان وإيثار الحياة الدنيا، والرب يدعو عبده إلى خوفه ونهي النفس عن الهوى، والقلب بين الداعيين يميل إلى هذا مرة، ـ أي إلى نفسه وما تدعوه إليه مرة ـ وإلى هذا مرة ـ أي إلى داعي الله عز وجل يدعوه إلى خوف ربه إلى نهي نفسه عن الهوى، والقلب بين الداعيين يميل إلى هذا مرة وإلى هذا مرة، وهذا موضع المحنة والابتلاء.

ولقد وصف الله تعالى النفس في القرآن الكريم بثلاث صفات، وصفها بأنها مطمئنة، فقال في سورة الفجر: يأَيَّتُهَا ?لنَّفْسُ ?لْمُطْمَئِنَّةُ ?رْجِعِى إِلَى? رَبّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً [الفجر:27-28] . وهذه أحسن صفة من صفات النفس الثلاث، أن تكون مطمئنة.

ووصفها بأنها أمّارة بالسوء، وهذا شر أوصافها، فقال في سورة يوسف: وَمَا أُبَرّىء نَفْسِى إِنَّ ?لنَّفْسَ لامَّارَةٌ بِ?لسُّوء إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّى إِنَّ رَبّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ [يوسف:53] .

ووصفها بأنها لوامة، وهذا وصف يتحدد بما تلوم عليه هذا النفس، كما سيأتي، فإنها قد تلوم على خير ومن هنا تكون مذمومة، وقد تلوم على شر ومن هنا تكون ممدوحة، وقد تلوم على الخير والشر، تلوم على فاعل الخير لماذا لم يزدد من الخير، وتلومه على الشر لماذا فعله، ومن هنا تكون ممدوحة فقال في سورة القيامة: لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ?لْقِيَـ?مَةِ وَلاَ أُقْسِمُ بِ?لنَّفْسِ ?للَّوَّامَةِ [القيامة:1-2] . فالنفس إذا سكنت إلى الله واطمأنت بذكره وأنابت إليه واشتاقت إلى لقائه وأنست بقربه، فهي مطمئنة، وهي التي يقال لها عند الوفاة: يأَيَّتُهَا ?لنَّفْسُ ?لْمُطْمَئِنَّةُ ?رْجِعِى إِلَى? رَبّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً [الفجر:27-28] . ارجعي أيتها النفس المطمئنة التي سكنت إلى الله واطمأنت بذكره وأنابت إليه واشتاقت إلى لقائه وأنست بقربه حان لك أن تنعمي بما أحببته من الاطمئنان إلى الله وإلى ذكره والإنابة إليه والشوق إلى لقائه فارجعي إلى ربك راضية مرضية.

قال ابن عباس: يأَيَّتُهَا ?لنَّفْسُ ?لْمُطْمَئِنَّةُ المصدِّقة.

وقال قتادة:"هو المؤمن اطمئن إلى لقاء الله ووعده".

وقال الحسن:"المطمئنة بما قال الله، المصدقة بما قال".

وقال مجاهد ـ ورحمهم الله تعالى جميعًا ـ:"هي المنيبة المخبتة الخاشعة، التي أيقنت أن الله ربها فضربت جأشًا"ـ أي قرت عينًا ـ ونعمت وسرت بماذا؟ ضربت جأشًا بأمره وطاعته وأيقنت بلقائه.

وحقيقة الطمأنينة: السكون والاستقرار، فهي التي قد اطمأنت إلى ربها وإلى طاعته وذكره ولم تسكن إلى سواه أي النفس المطمئنة، فقد اطمأنت إلى محبته وعبوديته وذكره، واطمأنت إلى أمره ونهيه وخبره، واطمأنت إلى لقائه ووعده، واطمأنت إلى التصديق بحقائق أسمائه وصفاته، واطمأنت إلى الرضى به ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا، واطمأنت إلى قضاءه وقدره، واطمأنت إلى كفايته وحسبه وضمانه، فاطمأنت بأنه وحده ربها وإلهها ومعبودها ومليكها ومالك أمرها كله، وأن مرجعها إليه وحده وأنه لا غنى لها عنه طرفة عين.

وإذا كانت بضد ذلك، إذا كانت موصوفة بضد ما سبق من الأوصاف، فهي النفس الأمارة بالسوء، تأمر صاحبها بما تهواه من شهوات الغي واتباع الباطل، فهي مأوى كل سوء، وقد أخبر سبحانه بأنها أمّارة بالسوء. ولم يقل أنها آمرة؛ لكثرة ذلك منها فإن كلمة (أمّارة تفيد بأنها تكثر من الأمر بفعل السوء) لم يقل آمرة؛ لكثرة ذلك منها، ولأنها عادتها ودأبها إلا إذا رحمها الله وجعلها زاكية تأمر صاحبها بالخير، فذلك من رحمة الله لا منها، فإنها بذاتها أمّارة بالسوء؛ لأنها خلقت في الأصل جاهلة ظالمة إلا من رحم الله.

والعدل والعلم طارئٌ عليها بإلهام ربها وفاطرها لها ذلك، فإذا لم يلهمها رشدها بقيت على جهلها وظلمها، فلم تكن آمرة إلا بموجب الجهل والظلم فلولا فضل الله ورحمته بالمؤمنين ما زكت منهم نفس واحدة، فإذا أراد الله سبحانه بها خيرًا جعل فيها ما تزكو به وتصلح من الإرادات والتصورات، وإذا لم يرد بها ذلك تركها على حالها الذي خلقت عليه من الجهل والظلم، والجهل معروف والظلم سببه: إما جهل وإما حاجة، فلا يظلم إلا جاهل، والحاجة لازمة لها، فلذلك كان أمرها بالسوء لازمًا لها إن لم تدركها رحمة الله وفضله.

وبهذا يعلم أن ضرورة العبد إلى ربه فوق كل ضرورة، حاجة العبد إلى ربه وضرورته فوق كل ضرورة ولا تشبهها ضرورة تقاس بها فإنه سبحانه إن أمسك رحمته عن عبده وتوفيقه وهدايته طرفة عين خسر وهلك.

وأما النفس اللوامة فهي النفس التي تلوم صاحبها. قال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: ما اللوامة؟ قال: (هي النفس اللؤم، أي التي تلوم صاحبها) .

وقد تلوم النفس على الخير كما أسلفنا، وفي هذا ضرر وخطر على صاحب النفس التي تلومه على هذا الخير، تقول له: لماذا فعلت الخير ولماذا أحسنت إلى فلان بالذات؟ الناس لا يتعاملون بمثل ما تتعامل به؟ لماذا تحسن؟ لماذا تكون خيرًا؟ صار الناس ذئابًا، صار الناس ثعالبًا، لماذا تُحسن إليهم؟!

وأما التي تلوم على الشر تلوم صاحبها إذا عمل عملًا سيئًا، ولو فيه خير ونفع لصاحبها، فإنه إذا عمل أمرًا سيئًا لامته وأنبته وساءلته، أيليق بك أن تفعل هذا الفعل؟ أيليق بعبد يعلم أن الله مطلع عليه وناظر إليه أن يفعل هذا الفعل؟ لماذا فعلته؟!

وأما التي تلوم على الخير والشر، فلومها أحسن أنواع اللوم، إن فعل صاحبها خيرًا قالت: لماذا لم تزدد من الخير؟ لماذا أنفقت عشرين فقط؟ لماذا لم تجعلها مائة، لماذا أحسنت إلى فلان وفلان وفلان أيضًا فإنهم محتاجون مثل فلان، وإن فعل شرًا لامته، لماذا يا عبد الله تفعل هذا الشر وأنت تعلم أن مردك إلى الله؟ ألا وأنه سيحاسبك, هذا أحسن أنواع اللوم.

ولهذا قال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: (كل نفس تلوم نفسها يوم القيامة، تلوم المحسن نفسه ألا يكون ازداد إحسانًا، وتلوم المسيء نفسه ألا يكون رجع عن إساءته) .

وقال الحسن البصري رحمه الله:"إن المؤمن والله لا تراه إلا يلوم نفسه على كل حالاته يستقصرها في كل ما يفعل (يتهمها بالقصور في كل ما تفعل) فيندم ويلوم نفسه، وأما الفاجر فيمضي قُدمًا لا يعاتب نفسه هكذا".

والنفس تارة، تكون أمّارة وتارة تكون لوامة وتارة مطمئنة بل في اليوم الواحد والساعة الواحدة يحدث منها هذا وهذا، والحكم لما يغلب عليها من أحوالها.

وأحسن أحوالها أن تكون مطمئنة كما أسلفنا، فإن كونها مطمئنة وصف مدح لها، وكونها أمارة بالسوء وصف ذم لها، وكونها لوّامة ينقسم إلى المدح والذم بحسب ما تلوم عليه.

والمقصود علاج مرض القلب باستيلاء النفس الأمارة عليه وله علاجان: محاسبتها ومخالفتها. والكلام على ذلك يكون بعد جلسة الاستراحة إن شاء الله وقدر.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله خاتم الأنبياء وإمام المرسلين، اللهم صل وسلم وبارك على محمد وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين.

أما بعد:

فإن علاج مرض القلب باستيلاء النفس الأمارة عليه يكون بمحاسبتها ومخالفتها، وسوف نذكر شيئًا من ذلك العلاج الآن ونؤخر ما يبقى إلى الخطبة القادمة إن شاء الله وقدر.

فإن القلب أيها الإخوة الكرام ليهلك بسبب ترك محاسبة النفس وبسبب موافقتها واتباع هواها.

أخرج الإمام أحمد وغيره عن شداد بن أوس رضي الله عنه عن النبي قال: (( الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ) )العاقل الحكيم الأريب صاحب اللب من حاسب نفسه وعمل لما بعد الموت.

(( والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله ) )العاجز من كان أسيرًا لشهوات نفسه وأهوائها ومع ما هو فيه من هذا الموقع السيئ يتمنى على الله الأماني، مخالف لأوامر الله مرتكب لحدوده مستجيب للأهواء والشهوات ويتمنى على الله الأماني، يتمنى أن يكون من السعداء الفائزين على ما هو عليه من هذا الحال من غير توبة ومن غير رجوع عن المخالفات والمعاصي ومن غير استجابة لأوامر الله عز وجل.

وأصح من هذا الحديث ما أخرجه ابن ماجه وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلًا سأل النبي وهو من الأنصار قال: يا رسول الله، من أكيس الناس؟ (من أعقلهم) قال: (( أكيس الناس أكثرهم للموت ذكرًا وأحسنهم لما بعده استعدادًا أولئك الأكياس، أولئك الأكياس ) ) (أولئك العقلاء والحكماء الحازمون الذين يأخذون أنفسهم بما يصلحها) .

وذكر الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم من الحساب غدًا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم وتزينوا للعرض الأكبر) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى? مِنكُمْ خَافِيَةٌ [الحاقة:18] .

وقال قتادة ـ رحمه الله ـ: في قوله تعالى: وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف:28] . قال:"أضاع نفسه وغُبن" (خسر كما يخسر الإنسان في صفقة تجارية) مع ذلك تراه حافظًا لماله مضيعًا لدينه، هذا الذي كان أمره فرطا، تراه حافظًا لماله ليس من حاله التسيُب والإهمال فيما يتعلق بالمال وأما في أمر الدين فهو مضيع لدينه.

نعم، ورحمك الله يا قتادة، فنحن الذين رفعنا البيوت والقصور وشيدنا العمارات والدور، وما تركنا بقعة في الأرض إلا أقمنا عليها بناءً، وأحيينا الأرض الموات، وتركنا قلوبنا فما أقمنا فيها لا إله إلا الله، ما أقمنا لا إله إلا الله في قلوبنا، ما أقمناها بشروطها ومقتضياتها في قلوبنا ولا حول ولا قوة إلا بالله.

قال ميمون ابن مهران:"لا يكون العبد تقيًا حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه".

هذا أول أنواع العلاج: محاسبة النفس، انظروا إلى كلام السلف الصالح المستفاد من كلام النبي لا يكون العبد تقيًا حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه، يحاسب نفسه كما يحاسب الشريك شريكه، ولا يتنازل عن قرش حتى يعلم فيما أنفقه وأين ذهب وأين راح، ينبغي أن يحاسب المرء نفسه في الدنيا حسابًا أشد من حساب الشريك شريكه.

وذكر الإمام أحمد عن وهب قال:"مكتوب في حكمة آل داود: وساعة يخلو فيها مع إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه، حق على العاقل ألا يغفل عن أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يتخلى فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل لا فيما يحرم ويقبح، فإن في هذه الساعة عونًا على تلك الساعات وإحجامًا للقلوب ساعة يستعان بها على طاعة الله عز وجل"، ليس كما هو الحال عندنا ساعاتنا كلها لأنفسنا ولملذاتها وشهواتها، ومن يرحمه الله منا يقتطع في الساعات وقتًا يسيرًا يؤدي فيه صلاة لا يقبل عليها بخشوع ولا تدبر ولا إقبال على الله عز وجل، سُخرت الساعات كلها لصالح النفس وأهوائها وشهواتها، لكن الموت ينبغي ألا يصرف دقيقة من وقته في غير طائل، ينبغي أن يكون شحيحًا بوقته أن يمضي سُدى، ينبغي أن يُمضي وقته في طاعة الله عز وجل وفي عمل الصالحات أو في أكل أو شرب أو راحة أو نوم مما يعين على طاعة الله عز وجل، يستفاد بالراحة وما إليها في الاستعانة على تجديد النشاط لطاعة الله عز وجل هكذا.

وقال الحسن رحمه الله تعالى:"المؤمن قوام على نفسه يحاسب نفسه لله، وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة، إن المؤمن يفاجئه الشيء ويعجبه فيقول: والله إني لأشتهيك وإنك لمن حاجتي ولكن والله ما من سبيل إليك فأنت محرم علي بالرغم من شهوتك وبالرغم من حاجتي إليك لكنك حرام، ما من صلة إليك، وهيهات هيهات، حيل بيني وبينك".

إن المؤمنين قوم أوقفهم القرآن وحال بينهم وبين هلكتهم، إن المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك رقبته، وفي سمعه وفي لسانه وفي جوارحه مأخوذ عليه في ذلك كله، وقد جاء الأمر بحفظ الجوارح في غير ما آية من سور القرآن الكريم، ففي سورة النور أمر بحفظ جارحة الفرج والبصر قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَـ?رِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ [النور:30] . وفي سورة الإسراء أمر بحفظ بقية الجوارح في ثلاث آيات:

وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ ?لسَّمْعَ وَ?لْبَصَرَ وَ?لْفُؤَادَ كُلُّ أُولـ?ئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا وَلاَ تَمْشِ فِى ?لأرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ?لأرْضَ وَلَن تَبْلُغَ ?لْجِبَالَ طُولًا كُلُّ ذ?لِكَ كَانَ سَيّئُهُ عِنْدَ رَبّكَ مَكْرُوهًا ذ?لِكَ مِمَّا أَوْحَى? إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ?لْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ?للَّهِ إِلَـ?هًا ءاخَرَ فَتُلْقَى? فِى جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا أَفَأَصْفَـ?كُمْ رَبُّكُم بِ?لْبَنِينَ وَ?تَّخَذَ مِنَ ?لْمَلَئِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هَـ?ذَا ?لْقُرْءانِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُورًا قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ ءالِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إِلَى? ذِى ?لْعَرْشِ سَبِيلًا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى? عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّا كَبِيرًا تُسَبّحُ لَهُ ?لسَّمَـ?و?تُ ?لسَّبْعُ وَ?لاْرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـ?كِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا وَإِذَا قَرَأْتَ ?لْقُرءانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ?لَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِ?لآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا وَجَعَلْنَا عَلَى? قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِى ءاذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى ?لْقُرْءانِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَى? أَدْبَـ?رِهِمْ نُفُورًا نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى? إِذْ يَقُولُ ?لظَّـ?لِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَّسْحُورًا ?نْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ?لاْمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلًا وَقَالُواْ أَءذَا كُنَّا عِظَـ?مًا وَرُفَـ?تًا أَءنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا أَوْ خَلْقًا مّمَّا يَكْبُرُ فِى صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ ?لَّذِى فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى? هُوَ قُلْ عَسَى? أَن يَكُونَ قَرِيبًا يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا وَقُل لّعِبَادِى يَقُولُواْ ?لَّتِى هِىَ أَحْسَنُ [الإسراء:36-53] .

ويهدّد الله من يستعمل جوارحه في البطش والبغي والظلم، فيقول في سورة الشورى: إِنَّمَا ?لسَّبِيلُ عَلَى ?لَّذِينَ يَظْلِمُونَ ?لنَّاسَ وَيَبْغُونَ فِى ?لأرْضِ بِغَيْرِ ?لْحَقّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [الشورى:42] .

ويأمر الله بالتقوى في جميع الأحوال والنظر في الزاد المعدّ ليوم القيامة، فيقول في سورة الحشر: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ ?تَّقُواْ ?للَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ [الحشر:18] .

قال قتادة رحمه الله:"ما زال ربكم يقرب الساعة حتى جعلها كغد".

فعلى العبد أن يشارط نفسه على حفظ جوارحه السبع: وهي العين والأذن والأنف والفرج والرجل والفم الذي فيه اللسان، وعليه أن يشارط نفسه على حفظ هذه الجوارح لأنها رأس ماله، فكيف يربح من ليس يحفظ رأس ماله.

ويعين على محاسبة النفس ومراقبتها وحفظ هذه الجوارح: معرفة أن ربح هذه التجارة سُكنى الفردوس والنظر إلى الله سبحانه، وخسارتها النار والحجاب عن الرب تبارك وتعالى، فإذا تيقن هذا هان عليه حساب اليوم.

فحق على الحازم المؤمن بالله واليوم الآخر أن يحاسب نفسه، وأن يضيق عليها في حركاتها وسكناتها وخطراتها وخطواتها، فإن كل نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة كما قيل:

يا واعظ الناس عما أنت فاعله يا من يُعَدّ عليه العمر بالنَفَسِ

احفظ لشيبك من عيب يُدنّسُه إن البياض قليل الحمل للدنسِ

كحامل لثياب الناس يغسلها وثوبه غارق في الرجس والنجس

تبغي النجاة ولم تسلك طريقتها إن السفينة لا تجري على اليبس

ركوبك النعش ينسيك الركوب على ما كنت تركب من بغل ومن فرس

يوم القيامة لا مالٌ ولا ولدٌ وضمة القبر تُنسي ليلة العُرسِ

فإذا أهمل العبد محاسبة نفسه واستجاب لأهوائها ووافقها واتبع هواها؛ خسر وهلك، وظهر له حقيقة هذا الخسران يوم التغابن يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوء تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَا بَعِيدًا [آل عمران:30] .

فنسألك اللهم أن تثبتنا على الحق وأن تلهمنا رشدنا، وأن تعيذنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا وأن تقينا شر ما أهمنا وأغمنا.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين،ودمر أعداء الدين واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًا وسائر بلاد المسلمين، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأمنا في أوطاننا ودورنا، اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك في أفغانستان وفي كل مكان يجاهد فيه في سبيلك لإعلاء راية لا إله إلا الله، اللهم اشف مرضانا وارحم موتانا وبلغنا مما يرضيك آمالنا واختم بالباقيات الصالحات أعمالنا، وتوفنا وأنت راضٍ عنا غير غضبان، اللهم اختم لنا بخير، واجعل عواقب أمورنا إلى خير، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، ألا وصلوا رحمكم الله على المبعوث رحمة للعالمين نبينا وإمامنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك نبينا وإمامنا محمد وعلى آله وصحبه ومن سلك سبيله واهتدى بهديه إلى يوم الدين. آمين.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت