فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 5777

مسؤولية الأمام والمأمومين

فقه

الصلاة

محمد بن صالح العثيمين

عنيزة

الجامع الكبير

الأمر بتقوى الله عز وجل وتعلم حدوده والتفقه في الدين - من حدود الله حدود صلاة الجماعة ومسؤولية الإمام - صفة صلاته صلى الله عليه وسلم ومراعاته أحوال المأمومين ، وإقامته الصفوف وحرص الخلفاء الراشدين على ذلك - وجوب متابعة المأموم لإمامه وعدم مسابقته ، والحرص على تسوية الصفوف - الحث على الصف الأول والتحذير من التأخر عنه وعن الصلاة - حكم صلاة المنفرد خلف الصف.

أما بعد:

أيها الناس: اتقوا الله تعالى وتعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله لتعبدوا ربكم على بصيرة وبرهان، فإنه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، لا يستوي من يعبد الله وهو يعلم كيف يعبده ويعلم أنه يعبده على شريعة الله تعالى وسنة رسوله ومن يعبده وهو يجهل ذلك، ومتى علمتم حدود ما أنزل الله فاتقوا الله في التزامها ما استطعتم وطبقوها كما علمتم: وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون [آل عمران:132] . ولا تأخذكم في ذلك لومة لائم أو انتقاد منتقد: أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين.

أيها الناس: إن من حدود ما أنزل الله على رسوله حدود صلاة الجماعة حيث حد للإمام فيها والمأموم ما لم يكن محدودا في حالة الانفراد، وكل واحد منهما مسؤول عما يختص به.

فمن مسؤوليات الإمام أن يحرص على إكمال الصلاة. بحيث تكون مثل صلاة النبي في أصحابه رضي الله عنهم، فإنها أتم صلاة وأخفها كما قال أنس بن مالك رضي الله عنه ما صليتُ وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم صلاة من رسول الله.

فالإمام لو صلى وحده لكان له الخيار بين أن يقتصر على أقل واجب في الصلاة وبين أن يفعل أعلى مطلوب فيها، ولكنه إذا صلى بالجماعة لم يكن مخيرا في ذلك، بل يجب عليه أن يراعي من خلفه بحيث يتمكنون من فعل أدنى الكمال في صلاتهم لأنه لا يصلي لنفسه فحسب وإنما يصلي لنفسه ولمن خلفه فليتق الله فيهم ولا يحرمهم من فعل أدنى الكمال خلفه، وإن ترقى إلى أن تكون صلاته كصلاة النبي فهو أكمل وأطيب.

ومن مسؤوليات الإمام أيضا أن يحرص على إقامة الصفوف وتسويتها بالقول وبالفعل إذا لم يفد القول، فيأمرهم بتسوية الصفوف وإقامتها ويؤكد ذلك عليهم ويتوعدهم على مخالفتها ويسويها بيده إن لم ينفع ذلك كما كان نبينا وإمامنا وقدوتنا يفعل ذلك، فعن أنس بن مالك أن النبي قال: (( سووا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة ) )متفق عليه وللبخاري من إقامة الصلاة )) ولأبي داود: (( رصوا صفوفكم وقاربوا بينها وحاذوا بالأعناق ) ).

وله من حديث ابن عمر أن النبي قال: (( أقيموا الصفوف وحاذوا بين المناكب وسدوا الخلل ولينوا بأيدي إخوانكم ولا تذروا فرجات الشيطان ) ) (يعني الفضاء بين الرجلين فإن الشيطان يدخل فيه من بين أهل الصف) قال: (( ومن وصل صفا وصله الله ومن قطع صفا قطعه الله ) )وفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال: (( أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول الله بوجهه فقال: أقيموا صفوفكم وتراصوا ) ).

وعن النعمان بن بشير قال: (( كان رسول الله يسوي صفوفنا حتى كأنما يسوي بها القداح حتى رآنا أنا قد عقلنا عنه ثم خرج يوما فقام حتى كاد يكبر فرأى رجلا باديا صدره من الصف فقال: عباد الله لتسون صفوفكم أو ليخالفن بين وجوهكم أي بين قلوبكم ) ).

كما في رواية لأبي داود وهذا وعيد شديد على من لا يسوون الصفوف أن يخالف الله بين قلوبهم فتختلف وجهات نظرهم وتضيع مصالحهم بسبب اختلافهم.

وعن البراء بن عازب قال: (( كان رسول الله يتخلل الصف من ناحية إلى ناحية يمسح صدورنا ومناكبنا ويقول: لا تختلفوا فتختلف قلوبكم ) ).

وقال النعمان بن بشير: (( كان رسول الله يسوي يعني صفوفنا إذا قمنا للصلاة فإذا استوينا كبر ) ) [رواهما أبو داود] .

فانظروا قوله فإذا استوينا كبر هذه الجملة الشرطية تجدوها صريحة في أنه لا يكبر للصلاة حتى تسوي الصفوف، ولقد أدرك ذلك الخلفاء الراشدون والأئمة المتبعون لرسول الله ففي الموطأ عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أنه يأمر بتسوية الصف فإذا جاءوه فأخبروه أن قد استوت كبر، وكان قد وكل رجالا بتسوية الصفوف.

وقال مالك بن أبي عامر كنت مع عثمان بن عفان فقامت الصلاة وأنا أكلمه- يعني في حاجة- حتى جاء رجال كان قد وكلهم بتسوية الصفوف فأخبروه أن الصفوف قد استوت فقال لي: استو في الصف ثم كبر، فهذا فعل رسول الله وخلفائه الراشدين لا يكبرون للصلاة حتى تستوي الصفوف.

أفليس من الجدير بنا أن يكون لنا فيهم أسوة حسنة، أمر بتسوية الصفوف وإقامتها وأن ننتظر فلا نكبر للصلاة حتى نراهم قد استووا على الوجه المطلوب، وأن لا نخشى في ذلك لومة لائم أو تضجر متضجر.

لكن من الأسف إن كثيرا من الأئمة - فتح الله علينا وعليهم - لا يولي هذا الأمر عناية، وغاية ما عنده أن يقولها على العادة: استووا اعتدلوا. فلا يشعر نفسه بالمقصود منها ولا يبال من خلفه بها ولا يأتمرون بها ، تجده يقول ذلك وهم باقون على اعوجاجهم وتباعد بعضهم من بعض، ولو أن الإمام شعر بالمقصود ونظر إلى الصفوف بعينه وانتظر حتى يراهم قد استووا استواء كاملا ثم كبر لبرئت ذمته وخرج من المسؤولية.

هذه بعض من مسؤوليات الإمام في إمامته. أما المأموم فإنه لو كان يصلي وحده لكان مخيرا بين أن يقتصر على أدنى واجب في صلاته أو أن يطول فيها، ولكنه إذا كان مع الإمام فقد ارتبطت صلاته بصلاة إمامه، فلا يجوز أن يتقدم على الإمام بالتكبير ولا القيام ولا القعود ولا الركوع ولا السجود، ولا يأتي بذلك مع الإمام أيضا، وإنما يأتي به بعده متابعا له فلا يتأخر عنه قال النبي: (( أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار أو يجعل صورته صورة حمار ) )، وقال أيضا: (( إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه، فإذا ركع فاركعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون ) ).

ومن مسؤوليات المأموم المحافظة على تسوية الصفوف، وأن يحذر من العقوبة على من لم يسوها، وأن يحافظ على المراصة فيها وسد خللها والمقارنة بينها ووصلها بتكميل الأول فالأول، وأن يحذر من عقوبة قطع الصفوف فإن من قطع صفا قطعه الله، وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي قال: (( لو يعلم الناس ما في النداء - يعني الأذان - والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه - يعني يقترعوا عليه - لاستهموا ) ).

وقال: (( خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها ) ). وقال: (( أتموا الصف المقدم ثم الذي يليه، فما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر ) ) [رواه أبو داود] .

ورأى في أصحابه تأخرا، وفي لفظ رأى قوما في مؤخر المسجد فقال: (( تقدموا فأْتموا بي وليأتم بكم من بعدكم، لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله ) )، فهل ترضى أيها المسلم لنفسك أن تكون في شر الصفوف، وهو آخر الصفوف مع تَمكّنِكَ من أولها، هل ترضى لنفسك أن تعرضها للعقوبة بالتأخر عن مقدم الصفوف حتى يؤخرك الله في جميع مواقف الخير؟ هل ترضى لنفسك أن لا تصف بين يدي ربك كما تصف الملائكة عند ربها يتراصون في الصف ويكملون الصفوف المقدمة؟

ما من إنسان يرضى لنفسه بذلك إلا وقد رضي لها بالخسران، فتقدموا أيها المسلمون إلى الصفوف، وأكملوا الأول فالأول وتراصوا فيها وتساووا ولينوا بأيدي إخوانكم لتسوية الصف أو التراص فيها لتتموا صلاتكم، وتمتثلوا أمر نبيكم وتقتفوا أثر سلفكم الصالح.

ومن وجد الصف تاما ولم يجد له مكانا فيه فليصل خلفه ولا حرج عليه، ومن صلى وحده خلف الصف وهو يجد مكانا فيه فلا صلاة له، وإذا اجتمع ثلاثة فصلى بهم أحدهم فليتقدم عليهم، وإذا كانوا يصلون على بساط ونحوه لا يتسع لتقدم الإمام عليهم فليصلوا صفا واحدا ويكون الإمام بينهما مساويا لهما أحدهما عن يمينه والثاني عن يساره.

وإذا اجتمع اثنان وأرادوا الصلاة جماعة صلى الإمام عن يسار المأموم والمأموم عن يمينه مستويين لا يتقدم الإمام عن المأموم لا قليلا ولا كثيرا.

فاتقوا الله لعلكم تفلحون: وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين [آل عمران:132-136] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت