العلم والدعوة والجهاد
محاسن الشريعة
حسين بن عبد العزيز آل الشيخ
المدينة المنورة
المسجد النبوي
1-ضرورة مراجعة خصائص الأمة. 2- خاصية الاستسلام لله تعالى ورسوله. 3- خاصية الجدّ والبعد عن اللغو واللهو. 4- خاصية الاجتماع والترابط. 5- خاصية الخيرية. 6- خاصية النصرة والعزة والتمكين. 7- ضرورة معرفة شروط النصر. 8- منهج الأمة الإسلامية.
أمّا بعد: فيا أيّها المسلمون، أوصيكم ونفسي بتقوى الله عزّ وجلّ، بها يحسُن المخرَج من كلِّ ضيق، وبها تحصُل النجاة من الشقاء، وَمَن يَتَّقِ ?للَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ [الطلاق:2، 3] .
معاشرَ المسلمين، إنَّ الأمةَ الإسلاميّة اليوم ـ وهي على مفترَق طرقٍ، تعاني تكالُب الأعداء، وتقاسي التحدِّيات المتنوعة، وتتجرَّع الأضرارَ المختلفة، وتعايش الأخطار المحدِقة ـ لفي أشدِّ الحاجة إلى ما يُصلح أحوالَها ويسدِّد شؤونها. ما أحوجَها لما يعيد الثقةَ والطمأنينة، ويُرسي لها سبيلَ العزّة والرفعة، ويقودها لطريق الفلاح والسعادة.
إنّ الأمّةَ المحمدية اليوم في أمسِّ الحاجة لمراجعةِ خصائصها والتبصُّر في مقوِّماتها؛ إذ الأمةُ ذاتُ خصائصَ لا تقوم لها حياةٌ طيبة ولا تندرج في مدارجِ الكمال ولا تنتظِم في سِلك السعادة والنُصرة والفلاح والعزَّة إلاَّ بتحقيقها وتحصيلها.
معاشرَ المؤمنين، إنَّ أعظمَ خصائصِ هذه الأمّة أنَّها أمّة خضوع لله جل وعلا واستسلام لأمره ونهيه في كلِّ شأنٍ من شؤونها، على ضوء قوله جلّ وعلا: قُلْ إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى للَّهِ رَبّ ?لْعَـ?لَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذ?لِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ ?لْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162، 163] . إنه الاستسلام الكاملُ لله ولرسوله في جميع نواحي الحياة صغيرها وكبيرها، تنفيذًا لقول الله جل وعلا: فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى? يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [النساء:65] .
أمّةُ الإسلام لا تحصِّل سعادةً وفلاحًا ولا تحقِّق عزًا وتمكينًا إلا بتحقيق كاملٍ لعقيدة التوحيد الخالص والإيمان التامّ، ?لَّذِينَ ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَـ?نَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ ?لاْمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ [الأنعام:82] . أمنُها بكلِّ صُوَره واستقرارها بشتَّى مجالاته موهونٌ بتلك القاعدةِ الإيمانية التي تعطِيها الثقةَ والطمأنينة، فلا تخشى أحدًا إلاَّ الله جل وعلا، لإيمانها بأنَّ كلَّ قوّةٍ عند قوّة الله هباء، وكلَّ سلطانٍ سوى سلطانه سراب، يقول الله جل وعلا حاكيًا عن خليله إبراهيم: وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبّى شَيْئًا وَسِعَ رَبّى كُلَّ شَىْء عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ [الأنعام:80] .
إخوةَ الإسلام، أمّةُ الإسلام أمةٌ من خصائص أبنائها البعدُ عن اللغو في جميع صُوَره وشتى حالاته، ومجانبةُ اللهو الباطل والشهواتِ المحرَّمة، ذلكم أنَّها أمّةٌ يجب أن تبقى في المرتقَى الأعلى الذي يتطلَّبه إيمانها بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمَّد نبينًا ورسولا. أمّةُ جدٍّ وإصلاح، تعمّر حياتها بكلِّ نافع، وتستثمِر طاقاتها في سبيل البناء والنماء والرقيّ.
أمّةُ الإسلام أمّةٌ ترتبط مجتمعاتُها بالطهارة والنزاهة في التصرُّفات كلّها والرغبات جميعها، فهي دائمًا بحُكم دينها منتصِرة على النفوس وشهواتِها وحبِّ الذات ولذّاتها، إلاَّ فيما أباح الربُّ جل وعلا وأحلّ، يقول سبحانه مبيّنًا خصائص الأمة المحمدية: قَدْ أَفْلَحَ ?لْمُؤْمِنُونَ ?لَّذِينَ هُمْ فِى صَلاَتِهِمْ خَـ?شِعُونَ وَ?لَّذِينَ هُمْ عَنِ ?للَّغْوِ مُّعْرِضُونَ وَ?لَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَو?ةِ فَـ?عِلُونَ وَ?لَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَـ?فِظُونَ إِلاَّ عَلَى? أَزْو?جِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـ?نُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ [المؤمنون:1-6] .
معاشر المؤمنين، إن أمّةَ الإسلام أمةٌ من أبرز خصائصِها وأمتن مقوِّمات عزِّها وأعظم أسبابِ صلاحها مبدأ الاتفاق على كلِّ خير والاجتماعِ على كلّ برّ والالتحام في ضوء عقيدتها وثوابت دينها، فربّنا جل وعلا يقول: وَ?عْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ?للَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ [آل عمران:103] ، ونبينا يقول: (( إنّ الله يرضى لكم ثلاثًا ويكره لكم ثلاثًا، يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرّقوا، ويكره لكم قيلَ وقال وكثرةَ السؤال وإضاعةَ المال ) )أخرجه مسلم [1] .
ومِن هنا فمتى حادَت الأمةُ الإسلامية عن هذه الخاصيّة، فتفرّقت كلمتُها واختلفت توجهاتُ أبنائها وتبدَّدت وحدةُ صفِّها، عندئذ يضعُف شأنها، وتذهب هيبتها، وتفشل في جميع أمورها، وَأَطِيعُواْ ?للَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَـ?زَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَ?صْبِرُواْ إِنَّ ?للَّهَ مَعَ ?لصَّـ?بِرِينَ [الأنفال:46] .
وإنّه لحريّ بالأمّة اليوم أن تنسَى خِلافاتها، وأن تقدِّم الصالحَ العامّ على الصالح الخاصّ، وأن تحذوَ حذوَ غيرها فتأخذَ بمضامين الوحدةِ وأسباب الاجتماع على الهدى والخير والصلاح.
هذه الأمّة من خصائصها أنها خيرُ الأمم، كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِ?لْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ?لْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِ?للَّهِ [آل عمران:110] ، حقيقتُها أنها أُخرِجت لتكونَ طليعةً وقائدةً إلى كلّ خير، واجبُها إبراز الخير للأمم بما تمارسِه من اعتقادٍ صحيح وخُلُق قويم ومبادئ فاضلة، هي خيرُ الأمم لما تحقِّقه من الإيمان الصحيح ومن النهوض بتكاليفِ الأمّة الخيِّرة بكلّ عملٍ خيِّر إيجابيّ يحفَظ حياةَ البشر من الفسادِ وعوامله والمنكر وأسبابه والشر ومضامينه، وبما تقوم به من دعوةٍ للفضيلة وإقامةِ حياةٍ خيِّرة تقود للموازين العادلة والقيم الطيبة.
وحينئذ، فمتى فقدت الأمّة مقوّمات هذه الخيريّة التي اختُصَّت بها أو أخلَّت بشيء من شروطها وقعت في الأضرار والمِحن وحَصَلت لها الشرورُ والفتن، يقول: (( والذين نفسي بيده، لتأمرنَّ بالمعروف ولتنهونَّ عن المنكر أو ليوشكنَّ الله أن يبعثَ عليكم عقابًا منه، ثمّ تدعونَه فلا يُستجاب لكم ) )رواه الترمذي وهو حديث حسن وله شواهد [2] .
معاشر المسلمين، الأمةُ المحمدية أمةٌ من خصائصها أنها منصورةٌ من الله جلّ وعلا، مهما وُضِعت في سبيلها العوائق وقامت في طريقها العراقيل، ومهما رصَدَ الباطلُ من قوّة الحديد والنار وفنون الدعايات المُغرضة والافتراءات المتناهية، فهي موعودةٌ بالنّصر الشامِل والعزِّ الكامل في دينها ودنياها، في حربها وسلمها، لكنَّ هذا النصرَ مشروطٌ بالصّدق في الإيمان والعمل بالإسلام والقيام بسنة سيّد الأنام والاهتداء بسيرته عليه أفضل الصلاة والسلام، وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ?لْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ ?لْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ?لْغَـ?لِبُونَ [الصافات:171-173] ، إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ [غافر:51] .
أمةُ الإسلام أمةٌ موعودةٌ بالاستخلاف في الأرض وبالتمكين المتين على الدين الحقِّ والحياة الآمنة من المخاطر والأضرار، ولكن هذا الوعدُ مرتبطٌ بقيام الأمة بحقوق هذا الدين، والالتزام بطاعة ربِّ العالمين، حتى لا يبقَى منها هوًى في النفس ولا شهوةٌ في القلب ولا حركة في هذه الدنيا إلاَّ وهي تبعٌ لما جاء به المصطفى ، وَعَدَ ?للَّهُ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ?لصَّـ?لِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ?لأرْضِ كَمَا ?سْتَخْلَفَ ?لَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ?لَّذِى ?رْتَضَى? لَهُمْ وَلَيُبَدّلَنَّهُمْ مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِى لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذ?لِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ ?لْفَـ?سِقُونَ وَأَقِيمُواْ ?لصَّلَو?ةَ وَاتُواْ ?لزَّكَو?ةَ وَأَطِيعُواْ ?لرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [النور:55، 56] .
إنّه الإيمان الذي يلزِم الأمّةَ بالتوجُّه الصادق لله في الاعتقاد والتعبُّد، في التشريع والحُكم، في العَمَل والسلوك والتصرُّفات. الإيمانُ الذي يقود لاتِّخاذِ الإسلام منهجَ حياةٍ لتحقيق الاستخلاف في الأرض، الاستخلافِ الذي تقوم به أمّةُ محمد ؛ تقوم به في الإصلاح والبناء، لا في الهدم والفساد، تقومُ به الأمة على العدل والإحسان، لا على الظلم والجَور.
أيتها الأمة المفضَّلة، أدرِكوا الشَّرطَ والمشروط، تبصَّروا في الوعد والموعود. تذكَّروا أنه عَبر تاريخ الأمة المحمدية فإنها ما استقامت على المنهج المرتضى وما مِن مرّة سارت على هذه القاعدة القرآنيّة وحكَّمت هذا المنهجَ الرباني وارتضته في كلّ أمورها إلاَّ وتحقَّق لها وعدُ الله جلَّ وعلا بالاستخلاف والأمن والفلاح والسعادة، وما من مرَّة خالفت هذا المنهجَ إلاَّ وتخلَّفت في ذيل القافلة، وذلَّت بعد العزّة، واستبدَّ بها الخوفُ بعد الأمن، وتخطَّفها الأعداءُ من كلّ جانب.
أيّها المسلمون، كيفَ ترجُو الأمّة الإسلامية فلاحًا وقد أضاعت كثيرًا من مقوّماته؟! كيف تصبو إلى عزٍّ وتمكين وقد فرَّطت في أسُسه وشروطه؟! كيف تفلح الأمةُ حين تحكِّم غيرَ شرع الله، وحين تقود حياتَها بغير هديه؟! كيف ترجو النجاةَ من المخاطر وقد أهملت في كثير من مواضِعها قاعدةَ الإصلاح، وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حياتها وبين أبنائها؟! أنّى للأمة العزّة والسؤددُ والنصر والسعادة حين ترى في أبنائها إطلاقَ الشهوات بغير ضوابطِ الشرع المطهَّر التي تضبط الخلَلَ وتصون عن الفساد بكلّ مجالاته؟! كيف تنجو الأمة من مصائبها وتتخلَّص من مِحَنها وفي أبنائها ومِن بني جِلدتها مَن يسعَى لإضلال مجتمعاتها ويتسبّب في [فساد] أخلاقِ أفرادها بما يبثُّه من برامجَ إعلاميةٍ هابطةٍ تتضمَّن كلَّ فسادٍ وتشتمل على كلِّ ضرر؟! وربُّنا جل وعلا يقول: إِنَّ ?لَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ?لْفَـ?حِشَةُ فِى ?لَّذِينَ ءامَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِى ?لدُّنْيَا وَ?لآخِرَةِ وَ?للَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [النور:19] .
بارك الله لي ولكم في القرآن، ونفعنا بسنة سيّد الأنام، أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
[1] صحيح مسلم: كتاب الأقضية (1715) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
[2] سنن الترمذي: كتاب الفتن (2169) عن حذيفة رضي الله عنه، وأخرجه أيضا أحمد (5/388، 391) ، والبيهقي في الشعب (6/84) ، وقال الترمذي:"هذا حديث حسن"، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (1762) .
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أنّ سيدنا ونبيّنا محمّدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، اللهمّ صلِّ وسلِّم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه.
أمّا بعد: فيا أيها المسلمون، أوصيكم ونفسي بتقوى الله عزّ وجلّ، فهي وصيّة الله للأولين والآخرين.
معاشر المسلمين، إنّ الأمةَ الإسلامية أمةٌ واضحةُ المنهج، منهجُها منهجُ الهداية والإيمان، منهجُ الشريعة والإسلام، فمتى خالفت أو حادت أصابَها شقاءُ الدنيا قبلَ شقاءِ الآخرة، وعاشت في تخبُّطٍ وحيرة وأصابها الضّنك من كلّ جانب، فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى فَمَنِ ?تَّبَعَ هُدَاىَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى? وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ?لْقِيـ?مَةِ أَعْمَى? [طه:123، 124] .
ثمّ إنّ الله جل وعلا أمرنا بأمر عظيم تزكو به حياتنا، ألا وهو الإكثار من الصلاة والسلام على النبي المصطفى.
اللهمّ صلِّ وسلِّم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، اللهمّ ارضَ عن الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين...