فهرس الكتاب

الصفحة 3601 من 5777

فضائل الجمعة وأحكامها(4)

الرقاق والأخلاق والآداب, فقه

الصلاة, الكبائر والمعاصي

مراد وعمارة

باب الوادي

التقوى

1-فضل حضور الجمعة. 2- وعيد من ترك الجمعة تهاونا بها. 3- حكم السفر يوم الجمعة قبل الصلاة.

إذا كان لهذا اليوم من العظمة والشرف والفضل ما نوَّهت به وأبنت، فلا جرم أن الله تعالى قد خصَّه بوظائف وعبادات يُتقرّب بها إلى الله تعالى، كما يتقرَّب العباد في عيد الأضحى بالذبح والصلاة، وكما يتقرَّبون في عيد الفطر بالصدقة والصلاة، وكما يتقرب الحجاج بالمناسك.

فالعجب ممَّن ضلَّ عن هذا اليوم كما ضلَّت عنه اليهود والنصارى، فلم يخصَّه بشيء من التشريف التعظيم والتقرب إلى الله بما شرعه في هذا اليوم من قرب، وعلى رأسها صلاة الجمعة وما ينبغي لحضورها من الاغتسال والتطيُّب وغير ذلك من الوظائف ممَّا سأسرده عليكم.

1-فمن العبادات والقرب التي خصَّ بها هذا اليوم: صلاة الجمعة، وقد أجمع المسلمون على أنَّ صلاة الجمعة فرض عين.

وصلاة الجمعة هي كما قال ابن القيم:"من آكد فروض الإسلام، ومن أعظم مجامع المسلمين، وهي أعظم من كلِّ مجمع يجتمعون فيه وأفرضُه سوى مجمع عرفة، ومن تركها تهاونًا بها طبع الله على قلبه"، قال ابن مسعود رضي الله عنه قال النبي لقوم يتخلفون عن الجمعة: (( لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس، ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم ) )رواه مسلم والحاكم بإسناد على شرطهما، وعن أبي هريرة وابن عمر رضي الله عنهم أنهما سمعا رسول الله يقول على أعواد منبره: (( لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمنّ الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين ) )رواه مسلم وابن ماجه وغيرهما، وعن أبي الجعد الضمري رضي الله عنه عن النبي قال: (( من ترك ثلاث جمع تهاونا بها طبع الله على قلبه ) )رواه أحمد وأصحاب السنن وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم وقال:"صحيح على شرط مسلم"، وفي رواية لابن خزيمة وابن حبان: (( من ترك الجمعة ثلاثا من غير عذر فهو منافق ) ).

وعن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله قال: (( من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير ضرورة طبع الله على قلبه ) )رواه أحمد بإسناد حسن والحاكم وقال صحيح الإسناد، وعن كعب بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله قال: (( لينتهين أقوام يسمعون النداء يوم الجمعة ثم لا يأتونها أو ليطبعن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين ) )رواه الطبراني في الكبير بإسناد حسن، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( ألا هل عسى أحدكم أن يتخذ الصبة من الغنم على رأس ميل أو ميلين فيتعذر عليه الكلأ فيرتفع ثم تجيء الجمعة فلا يجيء ولا يشهدها، وتجيء الجمعة فلا يشهدها، حتى يطبع على قلبه ) )رواه ابن ماجه بإسناد حسن وابن خزيمة في صحيحه.

وعن محمد بن عبد الرحمن بن زرارة رضي الله عنه قال: سمعت عمِّي ولم أر رجلا منا به شبيها قال: قال رسول الله: (( من سمع النداء يوم الجمعة فلم يأتها ثم سمعه فلم يأتها ثم سمعه ولم يأتها طبع الله على قلبه وجعل قلبه قلب منافق ) )رواه البيهقي.

هذا ما سمعتم، والله يغفر لي ولكم.

قد سمعتم قبل قليل من الوعيد على تعمُّد ترك صلاة الجمعة ما تتَّقون الله تعالى به.

أفلا يرتدع رجال وشبابٌ نراهم في الطرقات أو في بيوتهم بعد الزوال في يوم الجمعة، في اللغو والفراغ والسفه، بل وربَّما في الملاعب.

إن كانوا غافلين فوالله لا حجَّة لهم في الغفلة، لأنَّهم يرون الساعين إلى الجمعة يروحون أمام أعينهم. وإن تعلَّلوا بتعمُّد الترك والاستكبار فأجمع المسلمون أنَّهم بذلك كفَّار، مع ملاحظة الشروط التي يذكرها العلماء في باب التكفير.

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: (من ترك الجمعة ثلاث جمع متواليات فقد نبذ الإسلام وراء ظهره) رواه أبو يعلى موقوفا بإسناد صحيح.

فبلِّغوا هذا الوعيد إلى كلِّ من تعرفونه يتخلَّف عن يوم الجمعة، حتَّى لا يكون له عذر يتعلَّل به، وحتَّى تعمَّهم هذه النعمة وهذه الأجور العظيمة معكم، فلا تبخلوا بها عليهم، وكلُّكم معني بهذا.

وقد ثبت عن مجاهد أنَّه قال:"إنَّ قومًا سافروا يوم الجمعة حين زالت الشمس، فاضطرم عليهم خبؤهم، من غير أن يروا نارًا"رواه ابن أبي شيبة والبيهقي في فضائل الأوقات وفي شعب الإيمان.

وقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي:"كان عندنا رجلٌ صيَّاد يسافر يوم الجمعة يصطاد ولا ينتظر الجمعة، فخرج يومًا فخسف ببغلته، فلم يبق منها إلاَّ أذنها"رواه أبو بكر الدينوري في المجالسة والبيهقي في الشعب بسند صحيح. قال الإمام البيهقي بعد روايته هذين الخبرين في كتابه النفيس فضائل الأوقات:"هذا لأنَّ حضور الجمعة يتعيَّن بعد زوال الشمس، فإذا تركها من غير عذر استحقَّ الوعيد إلاَّ أن يعفو الله، فأمَّا إذا كان مسافرًا فلا بأس له بترك الجمعة".

والتحقيق في هذا أنَّ السفر يوم الجمعة يجوز قبل الزوال مع الكراهة، ويحرم بعد الزوال إلاَّ لحاجة أو ضرورة، ومن خشي فوت مركبه من باخرة أو قاطرة أو طائرة فيجوز له أن يسافر يوم الجمعة بعد الزوال.

هذا ما سمعتم، والله يغفر لي ولكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت