الأسرة والمجتمع, الرقاق والأخلاق والآداب
الكبائر والمعاصي, قضايا المجتمع
سالم بن مبارك المحارفي
الرياض
جامع الشيخ محمد بن عساكر
1-التطور الهائل في مجالات كثيرة من الحياة. 2- استخدام كثير من النعم في ما يغضب الله. 3- كل أمتي معافى إلا المجاهرين. 4- واجب الآباء تجاه أبنائهم. 5- مكانة الأعراض في الإسلام.
أما بعد: فعندما يكرر الله تبارك وتعالى وصيته بالتقوى فهذا لعظم شأنها وكبير أثرها، فعلى مدى الأيام والعصور ينادي الربُّ الرحمنُ الغفور: اتقوني يا أولي الألباب؛ فإني للذنب جميعًا ماحي وغفور، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ.
معاشر المسلمين، في هذه السنوات القليلة شهد الناسُ تطورًا هائلًا في مجالاتٍ شتى، في مجال الاقتصاد، وفي مجال الصناعة، وتطورًا سريعًا وهائلًا في مجالات الاتصال، حتى أصبح هذا العصر هو عصرُ الاتصالات، فصار بإمكانك التعرف على أحوال غيرك في الأماكن السحيقة، والاطمئنان على الظروف الجوية قبل أن تُزمع السفر إلى بلدٍ ما.
هذه بلا شك نعمٌ، بل وعجائبُ النعم، فإنّ الله عز وجل حينما عدد النعم على من كان قبلنا في قوله: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً قال بعدها في ختام الآية: وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ. ففي هذا الزمان ترى عجيب خلق الله تعالى من وسائل النقل عبر البر والبحر والجو، في أشكالٍ مختلفة وألوانٍ متباينة وسرعةٍ هائلة، قرَّبت البعيد، وسهلت الصعب، ويسرت العسير، فأصبح الناس اليوم لا يجفلون من السفر، فبإمكان الإنسان أن يسافر إلى بلدٍ ما ويعود من يومه دون أن تلحقه مشقة السفر؛ من شعث الرأس واغبرار الوجه واتساخ الملابس والوهن والضعف.
معاشر المسلمين، إن هذه النعم جملة وتفصيلًا قد أُسيء استخدامها، بدلًا من إيقاع المزيد من الحمد والشكر والثناء على الله المتفضل الذي سخّر لنا ما في الأرض والسماء، كما قال تعالى: وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ، فأصبحت هذه الوسائل تروج بها المعاصي والمنكرات، وتظهرُ فيها الفواحشُ والموبقات، فكان الأمرُ كما قال الله: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. فهذا ربكم جل وعلا يكشفُ أمرًا فظيعًا ظهر في الكون من الفساد والشر بما كسبته أيدي الناس، فنطق الحديد، وانتقلت أصواتنا وصورنا عبر الأثير، حينما أصبحت هذه الوسائل لترويج الفواحش والتشجيع عليها، ولنقل الفضائح وكشف المستور، فكان عن طريق أجهزة الاتصال المحمول، وعبر خاصية البلوتوث، وخاصية الوسائط المتعددة في الجوالات، بإمكانك نقلُ ملفاتٍ صوتية وملفات فيديو إلى أماكن بعيدة، فبتنا نسمعُ عجبًا ونرى عجبًا، فتفنن أصحابُ هذه الأجهزة في نقل مقاطع مخزيةٍ، من كشف عوراتٍ قد أسبل الله عليها ستره، فأشاعوا بذلك الفواحش وشجعوا عليها، وفتحوا أعيُنَ الغافلين عنها، وفضحوا أعراض المسلمين، ونشروا خزيهم، وفيهم يقول الله الجبارُ المنتقم: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ.
وأسوأُ من ذلك ـ يا معاشر المسلمين ـ من يكون في بيته آمنًا مطمئنًا ويرتكبُ معصيةً عظيمةً، ومع ذلك يستره الله تعالى بحلمه ورحمته، لا يلبث أن يقوم بتصوير منكره وخزيه، وتسجيل فاحشته عبر وسيلة التصوير بالفيديو أو الثابت، ثم يقومُ بنشرها للناس ليريهم ما صنع في خلوته في ظلمة الليل والناسُ عنه غافلون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: (( كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره الله فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه ) )رواه البخاري. وهذا الوعيدُ لمجرد أن يحكي المرءُ بالقول ما فعله من معصيةٍ في ليلته، فكيف إذا صوَّر منكره بالفيديو وأطلع غيره ليرى بعينيه ما فعل من معصية؟! فهذا أشدُ وأقبح وأعظمُ جرمًا وأفظع.
وبات مرضى القلوب وضعافُ الإيمان يبتكرون من المخازي أشكالًا وألوانًا، في عرض الفاحشة وتهييج النفوس من الرجال والنساء، وتصوير عوراتهم أو خياناتهم، أو الاعتداء على عورات الناس في حالِ غفلةٍ من أصحابها. وهؤلاء وإن أخفوا وجوههم عن الناس فإن الله يعلمهم، وقد خبأ لهم عقوبةً أليمةً في الدنيا وأخرى في الآخرة إن لم يُحدثوا توبةً وندمًا على ما فعلوا، ومصداقُ توبتهم مسحُ هذه الملفات من أجهزتهم المحمولة وأجهزة الحاسب المكتبية، وهذا من الإصلاح المذكور في الآية: إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ، وكما في قوله تعالى: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ.
وإن الأمر من الفظاعة بمكان، وله آثاره السلبية على المجتمع وعلى الأسرة والأفراد، إذ يظنُ الجهلة أنه مجردُ عبثٍ ودعابةٍ ليس إلا، وواللهِ إنه لشرٌ عظيم، وصدق الله: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ. فها نحن نرى فجائع وفظائع تنشرُ عبر هذه الأجهزة؛ مما حدا ببعض أهل العلم إلى تحريم اقتنائها لما ظهر له من الشرور وعظائم الأمور. وهي أجهزةٌ مباحةٌ في الأصل إلا إذا استخدِمَت في الباطل، فهي حرامٌ على من يستخدمها؛ لسوء تصرفه وجهله وحمقه.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ يَعِظُكُمْ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [النور:16-18] .
بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعنا بما فيهما من البينات والحكمة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله.
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فإنّه يسعى كثيرٌ من الآباء إلى توفير أجهزة الجوال المحتوية على خاصية البلوتوث والتصوير بنوعيه الثابت والفيديو لأبنائهم الصغار الذين لا يدركون خطورة ما يتناقلونه من هذه الملفات الشنيعة، غافلين أو متغافلين عن الشرور العظيمة المترتبة عليها، ولو أنه أخذ جوال ولده ودخل على مجلد الأستوديو ونظر إلى الملفات الصوتية والفيديو ونظر إلى الصور لوجد ما تقشعر له الأبدان، ووجد ما لا يحبُّ أن ولده يعرفه من مهيجات الشهوة ومثيرات الفتن، أو وسائل المعاكسات والترقيم بصورةٍ جذابة مغرية.
فأنتم ـ يا معاشر الآباء ـ مسؤولون عن أبنائكم وعن تصرفاتهم، فتفقّدوهم، ومن وجدتموه قد استخدم جواله في الشر واستقبال المنكرات فلا تبقِه معه أبدًا؛ قطعًا لمادة الشر والفتنة، حتى يصبح من الراشدين ويعرف حسن الاستخدام، وأن ذنبه وخطأه أوقعه في هذا الحرمان، وعرِّفه على السبب الذي دفعك لإعطائه هذا الجهاز، وأنه ليسهل الاتصال به ومعرفة مكانه وطلبه المجيء في حال الحاجة إليه، لا أن يعبث به ويستخدمه في الفساد والإفساد.
وتذكروا أن أعراض المسلمين عظيمة المكانة عند الله تعالى، وأنه قد لعن الذين يتعرّضون لأصحابها وهم غافلون، من الرجال والنساء على السواء، فأخرج أبو داود وابن المنذر وابن مردويه عن أبي برزة الأسلمي قال: خطبنا رسول الله قال: (( يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه، لا تتبعوا عورات المسلمين، فإنه من اتبع عورات المسلمين فضحه الله في قعر بيته ) )، وأخرج ابن مردويه والبيهقي عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله حتى أسمع العواتق في الخدر ينادي بأعلى صوته: (( يا معشر من آمن بلسانه ولم يخلص الإيمان إلى قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه في جوف بيته ) )، وأخرج ابن مردويه عن بريدة رضي الله عنه قال: صلينا الظهر خلف رسول الله ، فلما انفتل أقبل علينا غضبان متنفرًا، ينادي بصوتٍ يُسمعُ العواتق في جوف الخدور: (( يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تذمّوا المسلمين، ولا تطلبوا عوراتهم، فإنه من يطلب عورة أخيه المسلم هتك الله ستره وأبدى عورته ولو كان في جوف بيته ) ).
لذلك احذروا عقوبة الله وسطوته، وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود: 102] ، ويقول تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمْ اللَّهُ دِينَهُمْ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ [النور: 23-25] .
وأكثروا من الصلاة والسلام على خير البشرية وأزكى البرية، فقد أمركم الله بذلك فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56] ...