العلم والدعوة والجهاد
أحاديث مشروحة
سعد بن عبد الله العجمة الغامدي
الطائف
سعيد الجندول
1-ممن يظله الله يوم القيامة المتحابان في الله. 2- ممن يظله الله يوم القيامة المتعفّف عن الحرام. 3- ممن يظله الله يوم القيامة صاحب صدقة السر. 4- ممن يظله الله يوم القيامة البكّاؤون من خشية الله.
أما بعد: فلا زلنا مع الأصناف السبعة الذين ذكرهم رسول الله والذين يظلّهم الله تحت ظلّ عرشه يوم لا ظلَّ إلا ظله، ومع الصنف الرابع وهما (( رجلان تحابَّا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ) ).
إن الحب في الله والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان، وبه تقع الألفة ويحصل الاجتماع المأمور به في كتاب الله وسنة رسوله ، ويشعر العاصي بكراهة الناس له وبغضهم لما هو عليه من معصية الله، فيقلع ويتوب إن كان من ذوي العقول السليمة وممن أراد الله له الخير والهداية. وحبّ المؤمن للخير وأهله دليل صادق على طِيبِ نفسِه وطُهْرِ قلبِه وأنه عند الله بمنزلة عالية، والمؤمن يحب أخاه المؤمن القريب والبعيد، لا فرق بين أخيه المؤمن الذي من صُلْبِ أبيه ولا بين أخيه المؤمن من أنحاء الأرض الذي لا تربطه به إلا أَوَاصِرُ الدين وأُخُوَّةُ الإيمان، فَيُسَرُّ له في النَّعْمَاءِ ويَحْزَنُ عليه في الْبَأْسَاءِ، ويتولاه لإيمانه من دون آبائه وإخوانه وسائر أقربائه، ويُؤْثِرُهُ على نفسه، ويحب له من الخير ما يحب لنفسه، وما ذلك إلا للمحبة الصادقة في ذات الله تبارك وتعالى، قال رسول الله: (( إن من عباد الله ناسًا ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء بمكانهم من الله ) )، قالوا: يا رسول الله، فخبرنا من هم؟ قال: (( هم قوم تَحَابُّوا بِرُوحِ الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، فَوَاللهِ إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى نور، ولا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس ) )، وقرأ هذه الآية: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء ?للَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس: 62] رواه أبو داود. وقال رسول الله: (( من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان ) )رواه أحمد وأبو داود وصححه الألباني رحمهم الله جميعًا.
والمؤمن يبغض العاصي ويصارحه سبب بغضه له وأنه من أجل الله، ويبغضه لفعله وارتكابه المعصية لا لشخصه وذاته، وهذه نقطة مهمة يجدر بكل مسلم معرفتها، فمتى أقلع العاصي عن معاصيه فينبغي أن تتوثق معه أواصر المحبة والأخوة الإيمانية. ومما يجب على المؤمن نحو العاصي والمحادِّ لله ورسوله الإنكار عليه باللسان أو القلب ومناوأته ولو كان من أقرب الناس وألصقهم به، أما تغيير المنكر باليد فهو للشخص في بيته ومع من هو تحت يده وسُلْطَتِهِ وفي حدود مسؤوليته مع من ولاه الله أمره بحيث يكون مسؤولًا عنه يوم القيامة فيما لو تركه ولم يأخذ على يده، ويكون هذا في البيوت والأماكن التي للإنسان فيها رعايةٌ وسُلْطَةٌ، أما في الأماكن العامة فليس لأي شخص من عامة الناس أنْ يُغَيِّرَ المنكرَ بيده مهما كان؛ لئلا تحصل الفوضى في المجتمع، ولذلك فإن تغيير المنكر لولي الأمر ومن يقوم مقامه ومن يكلّفه بهذا العمل مُحْتَسِبًا أو موظفًا رسميًا, ذكرت هذا التوضيح هنا حيث لا بُدَّ منه وإلا فهو في سلسلة خطب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والهداية والمنكرات وتغييرها، قال تعالى: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِى إِبْر?هِيمَ وَ?لَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءاؤاْ مّنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ?للَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ?لْعَدَاوَةُ وَ?لْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى? تُؤْمِنُواْ بِ?للَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة: 4] ، وقال تعالى: لاَّ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِ?للَّهِ وَ?لْيَوْمِ ?لآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ ?للَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُواْ ءابَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْو?نَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ ?لإيمَـ?نَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّـ?تٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ?لأنْهَـ?رُ خَـ?لِدِينَ فِيهَا رَضِىَ ?للَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ ?للَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ?للَّهِ هُمُ ?لْمُفْلِحُونَ [المجادلة: 22] .
والمتحابون في الله على منابر من نور؛ لأنهم يجتمعون في الدنيا على أمر يحبه الله ويرضاه، فتنزل عليهم السكينة وتغشاهم الرحمة وتحفهم الملائكة ويذكرهم الله فيمن عنده، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: (( قال الله عز وجل: المتحابون في جلالي لهم منابر من نور، يغبطهم النبيون والشهداء ) )رواه الترمذي وقال:"حديث حسن صحيح".
المرء يُحْشَرُ ويكون مع من أحب يوم القيامة، فلينظر من يُخَالِل ومن يُحِبّ، ولْيَخْتَرْ من يقربه إلى الله ويعينه على طاعة الله حتى يكون من الفائزين السعداء في الآخرة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلًا سأل النبي عن الساعة فقال: متى الساعة يا رسول الله؟ قال: (( وماذا أَعْدَدْتَ لها؟ ) )قال: لا شيء، وفي رواية: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة ولكني أحب الله ورسوله، فقال: (( أنت مع من أحببت ) )، قال أنس بن مالك رضي الله عنه: فما فَرِحْنَا بشيء فَرَحَنَا بقول النبي: (( أنت مع من أحببت ) )، قال أنس: فأنا أحب النبي وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم بِحُبِّي إِيَّاهُم وإن لم أعمل بمثل أعمالهم. رواه البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى.
ولننظر إلى تعاملنا اليوم ومحبتنا لبعضنا البعض، فأكثر الحب ليس لله وإنما هو لغرض دنيوي يريد الحصول عليه مُدَّعِي المحبة له، وما إن تنتهي أيامٌ قَلائِلُ من المحبة التي ليست مَبْنِيَّةً على التقوى والإيمان حتى تصبح وَبَالًا على صَاحِبَيْهَا؛ لأن ما كان لله دام واتصل، وما كان لغيره انقطع وانفصل، قال الله تعالى: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى? تَقْوَى? مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى? شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَ?نْهَارَ بِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ [التوبة: 109] .
والمتحابون في الله تدوم صحبتهم وتبقى مودتهم بعضهم لبعض أحياءً وأمواتًا لخلوصها من الإثم والأغراض السيئة والدنيوية الدنيئة، قال تعالى: ?لأخِلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ?لْمُتَّقِينَ [الزخرف: 67] .
ويستحب للمؤمن إذا رأى من أخيه ما يسره في دينه أن يمدحه ويثني عليه ويُشَجِّعَهُ على الخير مع الاستمرار عليه حتى يكون هذا الثناءُ حافزًا ومُرَغِّبًا في الازدياد والمداومة على الطاعات، لا أن يمدحه وهو غير صادق في مدحه له ويوصله إلى درجة الغرور والاحتقار للآخرين أو يدعوه ذلك المدح إلى التثبيط والتأخر عن فعل الخيرات.
ومن أَحَبَّ أحدًا فليقل له: إني أحبك في الله، ويُبَرْهِنُ على صدق ما يقول بحسن المعاملة والإحسان إليه حتى يصدقه ويعامله بالمثل، وفي الأثر:"أَبْدِ المودةَ لمن وَادَّكَ فإنها أَثْبَتُ"، وقال رسول الله: (( إذا أحب الرجل أخاه فليخبره أنه يحبه ) )، وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله أخذ بيده وقال: (( يا معاذ، والله إني لأحبك ) )، فقال: (( أوصيك يا معاذ: لا تَدَعَنَّ في دُبُرِ كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ) )رواه أبو داود وصححه الألباني رحمهما الله تعالى. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلًا كان عند النبي فَمَرَّ به رجلٌ فقال: يا رسول الله، إني لأحب هذا، فقال له النبي: (( أَعْلَمْتَهُ؟ ) )قال: لا، قال: (( أَعْلِمْهُ ) )، فَلَحِقَهُ فقال: إني أحبك في الله، فقال: أحبَّك الله الذي أحببتني له. رواه أبو داود وحسنه الألباني. اللّهمّ اجعلنا من المتحابّين فيك، واجعل محبّتنا جميعها لك وفيك برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم ارزقنا حبك وحب من يحبك وحب العمل الذي يقربنا إليك.
الصنف الخامس: (( رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين ) ). هذا الصنف من المؤمنين يظهر أسمى ما تتصوّره البشرية من طهارة وسُمُوٍّ، طهارة الوجدان وصفاء الإيمان الذي يَعْصِمُ صاحبَه من الانزلاق في مزالق الرذيلة بإذن الله وتوفيقه. ولا يكون المؤمن صادقًا في إيمانه ثابت العقيدة عالمًا بأن الله معه حيث كان حتى يكون خائفًا وَجِلًا منه سِرًّا وعَلَنًا ظاهرًا وباطنًا، وحتى يعبده في نفسه وما يُضْمِرُهُ في سِرِّهِ وخَلْوَتِهِ كما يعبده أمام الملأ وحيث يراه الناس، فيترك الحرام وهو قادر عليه ومشتاق إليه وقد تهيأت له أسباب المعصية ونفسُه تَوَّاقَةٌ وجسمه صحيح معافى وجيبه مملوء بالنقود، ولا أحد يراه ويرقبه إلا اللهُ تبارك وتعالى الذي لا تخفى عليه خافية، فإذا به وحالته هذه تتعرض له المرأة ذات المنصب الرفيع والبيت الواسع والوجه الجميل والثوب الأنيق تدعوه إلى نفسها وتهمّ به ويهمّ بها، ثم تُحَلِّقُ نفسُه ويتذكر ربه ويخشاه ويخاف من أليم عقابه، ترتفع نفسه عن الشهوة التي تُرْدِيهِ في أسفل سافلين، يرتفع عن ذلك كله خوفًا من الله رب العالمين، إنه السُّمُوُّ الإيمانِيُّ الصادقُ والوصولُ إلى درجة الإحسان في الخوف من الله، يترك ذلك ويقول كما قال يوسف عليه السلام: وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مّنَ ?لْجَـ?هِلِينَ [يوسف: 33] .
هذا الرجل المؤمن تحفظه الملائكة من عبث الشياطين وهوى النفس الأمارة بالسوء فيقول: إني أخاف الله رب العالمين، وبذلك يكون قد انتصر على النفس والهوى والشيطان الرجيم، ويكسب هذه المعركة ويخرج منها منتصرًا. ولا شيء يصعب من الشر اتقاؤه مثل شر الفرج واللسان، وبهما يقع المرء في الامتحان، وعند الامتحان يكرم المرء أو يهان. جاء في الحديث عن الرسول قوله: (( من يضمن لي ما بين لِحْيَيْهِ وَرِجْلَيْهِ أضمن له الجنة ) )رواه البخاري والترمذي. قال تعالى في وصف عباده المفلحين: وَ?لَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَـ?فِظُونَ إِلاَّ عَلَى? أَزْو?جِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـ?نُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ?بْتَغَى? وَرَاء ذ?لِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ ?لْعَادُونَ [المعارج: 29-31] .
الحمد لله الذي أمد المؤمنين بعونه وتوفيقه، ويسّر لهم سبيل السعادة بمنّه وكرمه، وأشهد أن لا إله إلا الله جمع القلوب بقدرته، وفتح لها أبواب السعادة بمشيئته، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد: فالصنف السادس من الأصناف السبعة الذي يتصدق بالصدقة فيخفيها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه. لقد جعل الله في المال حقًا معلومًا للسائل والمحروم، ورغب في الصدقة عمومًا وحَثَّ عليها وأمر بها، وإن إنفاق المال في سبيل الله والتصدّق به لهو من أفضل ما يتقرّب به العبد المؤمن إلى ربّه تبارك وتعالى سرًا كان ذلك أو جهرًا، قال الله تعالى: إِن تُبْدُواْ ?لصَّدَقَـ?تِ فَنِعِمَّا هِىَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ?لْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفّرُ عَنكُم مّن سَيّئَاتِكُمْ وَ?للَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [البقرة: 271] . ومعلوم أن إبْدَاءَ الصدقة أمام الآخرين لا بأس به متى حَسُنَتْ نِيَّةُ المتصدق إن أراد بفعله ذلك فتح أبواب الخير لإقدام الغير على الإنفاق من أجل تشجيع المشاريع العظيمة التي تكون في وجوه الخير، فمتى كان هذا هدفه وهذه نيته فعليه أن يعلن صدقته ويبديها ليقتدي به الناس ويعملوا مثله، وإن أراد إخفاء عمله والابتعاد عن الرياء والسمعة وعدم الْمَنِّ على الفقراء والمساكين فعليه أنْ يُسِرَّ بصدقته حتى لا تعلم شِمَالُهُ ما تُنْفِقُ يَمِينُهُ، فإن الإسْرَارَ والإخْفَاءَ خيرٌ له.
والرجل المحسن الذي يتصدق بالصدقة خُفية عن أعين الناس ابتغاء مرضاة الله ومن شدة حرصه وخوفه من الرياء والسمعة فهو يخفيها ليس عن أعين الناس فحسب وإنما عن أقرب ما يتصل به ألا وهي شماله لئلا تعلم ما تنفق يمينه، لو تصورنا أن هذا الرجل تصدقت يمينه بشيء لما شعرت يده اليسرى بما أنفق في سبيل الله بحيث لا تشارك في الإخراج من الجيب ومن المكان المخزون حتى تصل الصدقة إلى موضعها الذي يضعها فيه، بهذا العمل المبني على الإسرار والإخفاء وعدم الإعلان يكون هذا النوع من المؤمنين على درجة عالية من الإيمان الحقيقي في إخفاء الصدقة عن البشر وعن أقرب الناس وعن أقرب عضو مماثل لعضوه الآخر في جسمه ألا وهي شماله! قال تعالى: وَمَثَلُ ?لَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْو?لَهُمُ ?بْتِغَاء مَرْضَاتِ ?للَّهِ وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَأَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَ?للَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [البقرة: 265] .
وينبغي لكل مسلم الإنفاق في سبيل الله، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: سمعت رسول الله على أعواد منبره يقول: (( اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإنها تقيم العوج، وتدفع ميتة السوء، وتقع من الجائع موقعها من الشبعان ) )رواه أبو يعلى والبزار، وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله: (( صنائع المعروف تقي مصارع السوء، والصدقة خُفْيَةً تُطْفِئُ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر، وكل معروف صدقة، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، وأهل المنكر في الدنيا هم أهل المنكر في الآخرة، وأوّل من يدخل الجنة أهل المعروف ) )رواه الطبراني
الصنف السابع: الذي يذكر الله وليس عنده أحد من البشر فيبكي خوفًا وخشيةً وطمعًا ورجاءً فيما عند الله ومحبةً له جل جلاله وتعالى سلطانه. إن البكاء من خشية الله والخوف من الله عز وجل لهو من صفات عباد الله المتقين الْوَجِلِينَ الذين رَقَّتْ قلوبُهم واتصلت بخالقها ذي العزة والجبروت، وكل عين باكية يوم القيامة إلا العين التي بكت من خشية الله في الدنيا والعين التي باتت تحرس في سبيل الله. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم ) )رواه الترمذي وقال:"هذا حديث حسن صحيح"والنسائي وابن ماجة.
وأصدق البكاء ما كان خفية كما ورد في الحديث: (( ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه ) )أي: بالدموع حينما ذكر تقصيره في طاعة الله وعفو الله ومغفرته عن زلاته وارتكابه لشيء مما يغضب الله عليه، فإذا عيناه تَذْرِفَانِ بالدموع الحارة. جاء في الحديث أن النبي قال: (( من ذكر الله ففاضت عيناه من خشية الله حتى يصيب الأرض من دموعه لم يعذب يوم القيامة ) )أخرجه الحاكم وقال:"صحيح الإسناد"، وقال: (( عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله ) )رواه الترمذي. وقد رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلًا يبكي في المسجد فقال: (ما أحسن هذا لو كان في البيت) .
وليس معنى هذا أن يمتنع المؤمن عن البكاء أمام الناس حتى يكون خاليًا، فربما لو استمر على منع نفسه متى مَرَّتْ به حادثة أو موعظة أو آية توجب البكاء ولم يَبْكِ فلربما قَسَا قلبه مع الاستمرار ولم يَعُدْ ينفع فيه شيء في السر ولا في العلانية. ولنا في رسول الله أسوة حسنة وفي صحابته الكرام الذين يبكون في خلوتهم وأمام الناس متى حصلت المناسبة لذلك، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله: (( اقْرَأْ عَلَيَّ القرآنَ ) )، فقلت: يا رسول الله، أَقْرَأُ عليك وعليك أُنْزِلَ؟! قال: (( إني أحب أن أسمعه من غيري ) )، فقرأتُ عليه سورة النساء حتى جئت إلى هذه الآية: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى? هَؤُلاء شَهِيدًا [النساء: 41] قال: (( حَسْبُكَ الآن ) )، فَالْتََفَتُّ إليه فإذا عيناه تَذْرِفَانِ، وفي رواية: فرأيتُ دُمُوعَهُ تَسِيلُ. رواه البخاري ومسلم رحمهما الله.
فهذا موقف، وموقف آخر بكاؤه ودمعه على ابنه إبراهيم معلوم ومعروف حينما ذرفت عيناه بالدموع وقال عليه: (( إن العين تدمع، وإن القلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون ) )أخرجه البخاري ومسلم، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما اشتدّ برسول الله وَجَعُهُ قيل له في الصلاة، قال: (( مُرُوا أبا بكرٍ فَلْيُصَلِّ بالناس ) )، فقالت عائشة رضي الله عنها: إن أبا بكر رجل رقيق إذا قرأ القرآن غلبه البكاء، فقال: (( مُرُوهُ فليصلِّ ) )، وروى أبو هريرة رضي الله عنه أنه قال: لما نزلت أَفَمِنْ هَـ?ذَا ?لْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ [النجم: 59، 60] بكى أصحابُ الصُّفَّةِ حتى جَرَتْ دموعُهم على خدودهم، فلما سمع رسول الله حِسَّهُمْ بكى معهم، فبكينا ببكائه، فقال رسول الله: (( لا يلج النار من بكى من خشية الله، ولا يدخل الجنة مُصِرٌّ على معصية الله، ولو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يُذْنِبُونَ فيستغفرون فيغفر الله لهم ) )أورده البيهقي في شعب الإيمان والقرطبي في أحكام القرآن والسيوطي في الدر المنثور. والنماذج في البكاء كثيرة في صحابة رسول الله ومن بعدهم من السلف الصالح، وقد ذكر الله ذلك عنهم في القرآن الكريم، وخاصة الذين لا يجدون ما ينفقونه في سبيل الله عندما يرون الأغنياء قد سبقوهم بالإنفاق في سبيل الله، قال تعالى: تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ?لدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ [التوبة: 92] .
وعلى العكس مِنْ هؤلاء فَمِنَ الناس مَنْ لا يلين قلبه ولا تبكي عينه ولا يتأثر بشيء ولو وَعَظَهُ مَنْ وَعَظَهُ، يَطْرَبُ لأصوات المظلومين وَأَنَّاتِ المنكوبين وسماع المغنين والمغنيات والممثلين والممثلات والعابثين والعابثات، قد نُزِعَتْ من قلبه الرحمةُ وجُرِّدَ من الخوف والرجاء، فنعوذ بالله من هذا النوع، ونعوذ بالله من قسوة القلب التي قال الله عن أصحابها: فَوَيْلٌ لّلْقَـ?سِيَةِ قُلُوبُهُمْ مّن ذِكْرِ ?للَّهِ [الزمر: 22] . وقد جاء التعبير والبيان عن هذين الصنفين في القرآن الكريم، قال تعالى: أَفَمَن شَرَحَ ?للَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـ?مِ فَهُوَ عَلَى? نُورٍ مّن رَّبّهِ فَوَيْلٌ لّلْقَـ?سِيَةِ قُلُوبُهُمْ مّن ذِكْرِ ?للَّهِ أُوْلَئِكَ فِى ضَلَـ?لٍ مُّبِينٍ ?للَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ?لْحَدِيثِ كِتَـ?بًا مُّتَشَـ?بِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ?لَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى? ذِكْرِ ?للَّهِ ذَلِكَ هُدَى ?للَّهِ يَهْدِى بِهِ مَن يَشَاء وَمَن يُضْلِلِ ?للَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر: 22-23] ، وقال تعالى: وَإِذَا ذُكِرَ ?للَّهُ وَحْدَهُ ?شْمَأَزَّتْ قُلُوبُ ?لَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِ?لآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ ?لَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [الزمر: 45] .
وأخيرًا، أعود للتذكير بحديث الأصناف السبعة الذي كان الكلام حوله في هذه الجمعة والسابقة، والنص الآتي هو كما ورد في صحيح الإمام البخاري رحمه الله في بعض رواياته المتعددة عنده وعند غيره، وإن اختلفت بعض الألفاظ زيادةً أو نقصًا تقديمًا أو تأخيرًا فالمضمونُ والْمُؤَدَّى واحدٌ، ومن الألفاظ: إمام عادل والإمام العادل، افترقا وتفرقا، عبادة الله وطاعة الله، دعته وطلبته إلى نفسها، في المساجد وفي المسجد وبالمساجد، خاليًا في خلاء. عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: (( سبعة يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه ) )رواه البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى.