الرقاق والأخلاق والآداب
اغتنام الأوقات, فضائل الأزمنة والأمكنة
عبد الله بن محمد البصري
القويعية
جامع الرويضة الجنوبي
1-الدنيا مرحلة سفر. 2- خير الزاد. 3- مزادة رمضان. 4- فضل رمضان. 5- التحذير من إضاعة فرصة رمضان. 6- اجتهاد النبي في رمضان. 7- الفرح والبشارة بقدوم رمضان. 8- الدعوات المستجابات. 9- الحث على المصابرة والمجاهدة. 10 التحذير من سرّاق رمضان.
أَمَّا بَعدُ: أَيُّها المُسلمُونَ، فَإِنَّ لِكُلِّ مُسافِرٍ زَادًا يُبلِّغُهُ مُرادَهُ، وَلِكُلِّ زَادٍ مَوَاضِعُ وَمَظَانُّ وَثَمَنٌ، وَلَو أَنَّ مُسَافِرًا خَاضَ صَحرَاءَ قَاحِلَةً دُونَ أَن يَكُونَ لَهُ زَادٌ لَعُدَّ مُفَرِّطًا، وَلَو طَلَبَ آخَرُ زَادًا مِن غَيرِ مَوضِعِهِ أَو مَرَّ بِهِ وَلم يَتَزَوَّدْ مِنهُ أَو طَلَبَهُ دُونَ ثَمَنِهِ لَعُدَّ أَحمَقَ أَو مَجنُونًا، وَنحنُ في هَذِهِ الدُّنيا قَومٌ سَفْرٌ، نَتَنَقَّلُ في سِنيِّ أَعمَارِنَا مِن مَرحلَةٍ إلى أُخرى، ويُوشِكُ يَومًا أَن تَتَوَقَّفَ رِحالُنا وَتَنتَهِيَ آجَالُنَا وَنَصِلَ إلى غَايَتِنَا وَنِهَايَةِ طَرِيقِنَا، وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَستَأخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَستَقدِمُونَ.
وَإِنَّ مِن رَحمةِ اللهِ لنا وَبِرِّهِ بِنَا وَهُوَ البَرُّ الرَّحِيمُ أَنْ أَمَرَنَا بِالتَّزَوُّدِ وَبَيَّنَ لنا خَيرَ الزَّادِ لِيَومِ المَعَادِ، وَعَدَّدَ لَنَا مَوَاضِعَ ذَلِكَ الزَّادِ وَنَوَّعَ مَظَانَّهُ وَيَسَّرَ طُرُقَهُ؛ لِيَسهُلَ عَلَينَا التَّزَوُّدُ مِنهُ وَتَحصِيلُهُ وَالأَخذُ مِن كُلِّ نَوعٍ مِنهُ بِنَصِيبٍ، قال سُبحانَهُ: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولي الأَلبَابِ.
وَإِنَّنَا ـ أيها المسلمون ـ لَدَاخِلُونَ غَدًا أَو بَعدَ غَدٍ مَوسِمًا عَظِيمًا وسُوقًا رَابِحَةً، مَوسِمٌ تُعرَضُ فِيهِ التقوى على طُلاَّبِ الآخِرَةِ لَيلًا وَنَهَارًا، وَسُوقٌ يُدعَى فِيهَا لِتَحصِيلِ أَسبَابِها بِأَيسَرِ الأَثمَانِ، تِلكُم هِيَ سُوقُ شَهرِ رَمَضَانَ وَمَوسِمُ الصِّيَامِ وَالقِيَامِ وَالدُّعَاءِ وَالقُرآنِ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبلِكُم لَعَلَّكُم تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَّعدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَو عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِديَةٌ طَعَامُ مِسكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيرًا فَهُوَ خَيرٌ لَهُ وَأَن تَصُومُوا خَيرٌ لَكُم إِن كُنتُم تَعلَمُونَ شَهرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ القُرآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الهُدَى وَالفُرقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهرَ فَليَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَو عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسرَ وَلِتُكمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُم وَلَعَلَّكُم تَشكُرُونَ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِني قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَليَستَجِيبُوا لي وَليُؤمِنُوا بي لَعَلَّهُم يَرشُدُونَ.
فَأَينَ المُتَزَوِّدُونَ مِنَ التقوى فَلْيَستَعِدُّوا؟ أَينَ المُشَمِّرُونَ للآخِرَةِ فَلْيَتَأَهَّبُوا؟ أَينَ الرَّاغِبُونَ فِيمَا عِندَ اللهِ فَلْيُقبِلُوا؟ فَإِنما هِيَ أَيَّامٌ مَعدُودَاتٌ وَلَيالٍ قَلائِلُ، تَمُرُّ سَرِيعًا كَمَرِّ السَّحَابِ، ثم تَنقَضِي وَقَد تَزَوَّدَ مُشَمِّرٌ وَنَدِمَ مُسَوِّفٌ.
إِذَا أَنتَ لم تَرحَلْ بِزَادٍ مِنَ التُّقَى وَلاقَيتَ بَعدَ المَوتِ مَن قَد تَزَوَّدَا
نَدِمتَ عَلى أَن لا تَكُونَ كَمِثلِهِ وَأَنَّكَ لم تُرصِدْ كَمَا كَانَ أَرصَدَا
قَال: (( إِذَا كَانَت أَوَّلُ لَيلَةٍ مِن رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الجِنِّ، وَغُلِّقَت أَبوَابُ النَّارِ فَلَم يُفتَحْ منها بَابٌ، وَفُتِّحَت أَبوَابُ الجَنَّةِ فَلَم يُغلَقْ مِنهَا بَابٌ، وَنَادَى مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الخَيرِ أَقبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقصِرْ، وَللهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ وَذَلِكَ في كُلِّ لَيلَةٍ ) ).
أيها المسلمون، لَو نَظَرَ كُلٌّ مِنَّا فِيمَا مَضَى مِن عُمُرِهِ وَمَا خَلا مِن أَيَّامِ دَهرِهِ ثم سَأَلَ نَفسَهُ: كَم رَمَضَان مَرَّ عَلَيَّ؟ وَمَاذَا فَعَلتُ فِيمَا مَضَى مِن مَوَاسِمَ؟ هَل كُنتُ فِيهَا مَعَ المُشَمِّرِينَ المُسَابِقِينَ المُسَارِعِينَ، أَم كُنتُ مُسَوِّفًا مُقَصِّرًا عَاجِزًا؟ أَقُولُ: لَو طَرَحَ كُلٌّ مِنَّا على نَفسِهِ مِثلَ هَذِهِ الأَسئِلَةِ لَوَجَدَ إِجَابَاتٍ لا تُبَيِّضُ الوَجهَ وَلا تَسُرُّ الخَاطِرَ؛ سَهَرٌ في اللَّيلِ طَوِيلٌ، وَنَومٌ في النَّهَارِ وَبِيلٌ، وَتَفوِيتٌ لِصَلاةِ الجَمَاعَةِ، وَعَدَمُ إِدرَاكٍ لِتَكبِيرَةِ الإِحرَامِ، بَل رُبَّمَا تَركٌ لِلصَّلَوَاتِ المَفرُوضَةِ وَتَضيِيعٌ لها، فَكَيفَ بِصَلاةِ التَّرَاوِيحِ وَقِيَامِ اللَّيلِ؟! أَمَّا القُرآنُ فَمَا أَطوَلَ شَكوَاهُ مِنَ الهَجرِ وَعَدَمِ العِنَايَةِ بِهِ! وَأَمَّا الإِنفَاقُ فَمَا أَقَلَّ نَصِيبَنَا مِنهُ! وَأَمَّا المُشَارَكَةُ في البِرِّ وَنَفعِ الآخَرِينَ فَمُقِلُّونَ مِنهَا. هَذِهِ هِيَ أَحوَالُ أَكثَرِنَا فِيمَا مَضَى وَخَلا إِلاَّ مَن رَحِمَ اللهُ، وَأَحسَنُنَا حَالًا مَن يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ قَلِيلًا مِنَ اللَّيلِ، وَيَقرَأُ مِنَ القُرآنِ شَيئًا وَلا يَكَادُ يَختِمُهُ، وَهُوَ في مَكَانِهِ هَذَا يُراوِحُ، وَلِمُستَوَاهُ مُنذُ سَنَوَاتٍ مُلازِمٌ، يَتَقَدَّمُ عُمُرُهُ ولم يَتَقَدَّمْ عَمَلُهُ، وَيَقتَرِبُ أَجلُهُ وَلم يَزدَدْ تَأَهُّبُهُ، فَلِلجَمِيعِ نَقُولُ: يَا إِخوَةَ الإِسلامِ، وَيَا أُمَّةَ القُرآنِ، إِلى الأَمَامِ إِلى الأَمَامِ، إِلى الأَمَامِ تَقَدَّمُوا، وَمِنَ الصَّالِحَاتِ فَتَزَوَّدُوا، وَإِلى الآخِرَةِ فَاسعَوا وَجِدُّوا، فَإِنَّ مَن لم يَتَقَدَّمْ فَهُوَ في تَأَخُّرٍ، وَمَن لم يَزدَدْ فَهُو إِلى النَّقصِ يَسعَى، إِنَّهَا لإِحدَى الكُبَرِ نَذِيرًا لِلبَشَرِ لِمَن شَاءِ مِنكُم أنْ يَتَقَدَّمَ أَو يَتَأَخَّرَ.
سِرُّ النَّجَاحِ عَلَى الدَّوَامْ هُوَ أَن تَسِيرَ إِلى الأَمَامْ
فَإِلَى الأَمَامِ أَكَانَ عَصرُ كَ عَصرَ حَربٍ أَمْ سَلامْ
وَإِلَى الأَمَامِ إِلَى الأَمَا مِ وَ إِنْ تَكُنْ أَنتَ الإِمَامْ
نِعمَ الشِّعَارُ لمَن أَرَا دَ لِنَفسِهِ عَيشَ الكِرَامْ
زَاحِمْ وَسِرْ نحوَ الأَمَا مِ فَإِنَّمَا الدُّنيَا زِحَامْ
قال ابنُ القَيِّمِ رحمه اللهُ:"للهِ على العَبدِ في كُلِّ عُضوٍ مِن أَعضَائِهِ أَمرٌ وَلَهُ عَلَيهِ فِيهِ نهيٌ، وَلَهُ فِيهِ نِعمَةٌ وَلَهُ بِهِ مَنفَعَةٌ وَلَذَّةٌ، فَإِنْ قَامَ للهِ في ذَلِكَ العُضوِ بِأَمرِهِ وَاجتَنَبَ فِيهِ نهيَهُ فَقَد أَدَّى شُكرَ نِعمَتِهِ عَلَيهِ فِيهِ، وَسَعَى في تَكمِيلِ انتِفَاعِهِ وَلَذَّتِهِ بِهِ، وَإِنْ عَطَّلَ أَمرَ اللهِ وَنَهيَهُ فِيهِ عَطَّلَهُ اللهُ مِنِ انتِفَاعِهِ بِذَلِكَ العُضوِ، وَجَعَلَهُ مِن أَكبرِ أَسبَابِ أَلَمِهِ وَمَضَرَّتِهِ. وَلَهُ عَلَيهِ في كُلِّ وَقتٍ مِن أَوقَاتِهِ عُبُودِيَّةٌ تُقَدِّمُهُ إِلَيهِ وَتُقَرِّبُهُ مِنهُ، فَإِنْ شَغَلَ وَقتَهُ بِعُبُودِيَّةِ الوَقتِ تَقَدَّمَ إلى رَبِّهِ، وَإِنْ شَغَلَهُ بِهَوًى أَو رَاحَةٍ وَبَطَالَةٍ تَأَخَّرَ، فَالعَبدُ لا يَزَالُ في تَقَدُّمٍ أَو تَأَخُّرٍ، وَلا وُقُوفَ في الطَّرِيقِ البَتَّةَ، قال تعالى: لِمَن شَاء مِنكُم أَن يَتَقَدَّمَ أَو يَتَأَخَّرَ".
وَمِن هُنا ـ أَيُّها المُسلمُون ـ فَإِنَّ عَلَى كُلٍّ مِنَّا دُونَ استِثنَاءٍ أَن يجعَلَ نَظَرَهُ عَالِيًا وَهَدَفَهُ سَامِيًا، فَيَتَقَدَّمَ إِلى الأَمَامِ وَيَزدَادَ مِنَ الطَّاعَاتِ، وَيَستَكثِرَ مِنَ الخَيرِ وَيَتَزَوَّدَ مِنَ الصَّالِحَاتِ، وَيَحرِصَ على أَن لاَّ يَفُوتَهُ شَيءٌ مِن أَبوَابِ الخَيرِ إِلاَّ وَلَجَهُ وَأَخَذَ مِنهُ بِنَصِيبٍ، اقتِدَاءً بِالهَادِي الحَبِيبِ الذي كَانَ يَجتَهِدُ في رَمَضَانَ وَيَجُودُ، وَيَبذُلُ نَفسَهُ في طَاعَةِ المَعبُودِ، فقد رَوَى البُخَارِيُّ عنِ ابنِ عباسٍ رضي اللهُ عنه قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ أَجوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجوَدُ مَا يَكُونُ في رَمَضَانَ حِينَ يَلقَاهُ جِبرِيلُ، وَكَانَ يَلقَاهُ في كُلِّ لَيلَةٍ مِن رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرآنَ، فَلَرَسُولُ اللهِ أَجوَدُ بِالخَيرِ مِنَ الرِّيحِ المُرسَلَةِ. قال الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ رحمه اللهُ:"وَعَبَّرَ بِالمُرسَلَةِ إِشَارَةً إِلى دَوَامِ هُبُوبِها بِالرَّحمَةِ، وَإِلى عُمُومِ النَّفعِ بِجُودِهِ كَمَا تَعُمُّ الرِّيحُ المُرسَلَةُ جَمِيعَ مَا تَهُبُّ عَلَيهِ".
فَانظُرُوا ـ رحمكم اللهُ ـ إِلى مَا كَانَ عَلَيهِ قُدوَتُكُم وَأُسوَتُكُم عليه الصلاةُ والسلامُ؛ دَوَامٌ في الطَّاعَةِ، وَاستِكثَارٌ مِن أَنوَاعِ العِبَادَةِ، وَمُسَارَعَةٌ إلى الخَيرِ وَمُلازَمَةٌ لِلبِرِّ، بَلْ لَقَد كان مِن شِدَّةِ رَغبَتِهِ في عِبَادَةِ رَبِّهِ وَتَلَبُّسِهِ بِهَا وَشَوقِهِ إِلى رَحمَةِ مَولاهُ وَرِضاهُ بها كَانَ يُواصِلُ صِيَامَ اليَومَينِ وَالثَّلاثَةِ لا يَطعَمُ طَعَامًا وَلا يَذُوقُ شَرَابًا، فَقَدِ اشتَغَلَ بِغِذَاءِ رُوحِهِ عَن غِذَاءِ بَدَنِهِ، وَتَلَذَّذَ بِطَاعَةِ خَالِقِهِ عَن طَعَامِ المَخلُوقِينَ، وَمِثلُهُ كَانَ أَصحَابُهُ وَالتَّابِعُونَ وَالسَّلَفُ المُقتَدُونَ، مِنهُم مَن كَان يُؤثِرُ بِطَعَامِهِ غَيرَهُ مِنَ الفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ، وَمِنهُم مَن كَانَ يَختِمُ في كُلِّ يَومٍ مَرَّتَينِ، وَفِيهِم قَائِمُ اللَّيلِ لا يَفتُرُ، وَفِيهِم مُلازِمُ المَسجِدِ لا يَخرُجُ، نُفُوسٌ إلى العَليَاءِ سَمَت، وقُلُوبٌ بِاللهِ تَعَلَّقَت.
لَهَا أَحَادِيثُ مِن ذِكرَاكَ تَشغَلُهَا عَنِ الشَّرَابِ وَتُلهِيهَا عَنِ الزَّادِ
لَهَا بِوَجهِكَ نُورٌ تَستَضِيءُ بِهِ وَمِن حَدِيثِكَ في أَعقَابِهَا حَادِي
إِذَا شَكَت مِن كَلالِ السَّيرِ أَوعَدَهَا رُوحَ القُدُومِ فَتَحيَا عِندَ مِيعَادِ
نَعَمْ أَيُّها الإِخوَةُ، كَانَ القَومُ طُلاَّبَ آخِرَةٍ وَسُعَاةً إلى الجَنَّةِ، فَأَفنَوُا النُّفُوسَ وَأَرخَصُوا النَّفِيسَ، وَأعمَلُوا الأَجسَادَ وَبَذَلُوا الأَموَالَ، وَحَفِظُوا الأَوقَاتَ واغتَنَمُوا السَّاعَاتِ، وَتَلَذَّذُوا بِمَوَاسِمِ الخَيرَاتِ وَسَعِدُوا بِالنَّفَحَاتِ، فَهَيَّا وَلْنَتَشَبَّهْ بِهِم، وَلْنَفرَحْ بِهَذَا الشَّهرِ الكَرِيمِ فَرَحَ مَن قَدِمَ عَلَيهِ غَائبُهُ، وَلْنَسألِ اللهَ بُلُوغَهُ وَالتَّوفِيقَ فِيهِ لِصَالحِ العَمَلِ، قُلْ بِفَضلِ اللهِ وَبِرَحمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَليَفرَحُوا هُوَ خَيرٌ مِمَّا يَجمَعُونَ ، عن أبي هريرةَ رضي اللهُ عنه قال: كان النبيُّ يُبَشِّرُ أَصحَابَهُ يَقُولُ: (( قَد جَاءَكُم شَهرُ رَمَضَانَ، شَهرٌ مُبَارَكٌ، فَرَضَ اللهُ عَلَيكُم صِيَامَهُ، فِيهِ تُفتَحُ أَبوَابُ الجِنَانِ، وَتُغلَقُ فِيهِ أَبوَابُ الجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، فِيهِ لَيلَةٌ خَيرٌ مِن أَلفِ شَهرٍ، مَن حُرِمَ خَيرَهَا فَقَد حُرِمَ ) ). قَال الحَافِظُ ابنُ رَجَبٍ رحمه اللهُ:"وَكَيفَ لا يُبَشَّرُ المُؤمِنُ بِفَتحِ أَبوَابِ الجِنَانِ؟! وَكَيفَ لا يُبَشَّرُ المُذنِبُ بِغَلقِ أَبوَابِ النِّيرَانِ؟! وَكَيفَ لا يُبَشَّرُ العَاقِلُ بِوَقتٍ يُغَلُّ فِيهِ الشَّيطَانُ؟! وَمِن أَينَ يُشبِهُ هَذَا الزَّمَانَ زَمَانٌ؟!".
أَيُّهَا المُسلِمُونَ، إِنَّ عِندَ الفِطرِ لَدَعوَةً مَا تُرَدُّ، وَفي ثُلُثِ اللَّيلِ الآخِرِ أُخرَى، وَثَالِثَةٌ بَينَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ، وَأَقرَبُ مَا يَكُونُ العَبدُ مِن رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، وَالحَاجَاتُ كَثِيرَةٌ وَالمَسَائِلُ مُتَعَدِّدَةٌ، وَالعَبدُ فَقِيرٌ إِلى رَبِّهِ ولا غِنى لَهُ عَن رَحمَتِهِ طَرفَةَ عَينٍ، وَأَهَمُّ المُهِمَّاتِ مَغفِرَةُ الذُّنُوبِ وَتَكفِيرُ السَّيِّئَاتِ وَالعِتقُ مِنَ النَّارِ وَالفَوزُ بِالجَنَّةِ، فَمَن زُحزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدخِلَ الجَنَّةَ فَقَد فَازَ ، وَقَد قَالَ الرَّؤُوفُ الرَّحِيمُ بِأُمَّتِهِ عليه الصلاةُ والسلامُ: (( رَغِمَ أَنفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيهِ رَمَضَانُ ثم انسَلَخَ قَبلَ أَن يُغفَرَ لَهُ ) )، وَقَالَ لَهُ جِبرِيلُ: يَا محمدُ، مَن أَدرَكَ شَهرَ رَمَضَانَ فَمَاتَ فَلَم يُغفَرْ لَهُ فَأُدخِلَ النَّارَ فَأَبعَدَهُ اللهُ، قُلْ: آمِينَ، قال: (( فَقُلتُ: آمِينَ ) )، وَيَقُولُ بأبي هُوَ وَأُمِّي: (( أَعجَزُ النَّاسِ مَن عَجِزَ عَنِ الدُّعَاءِ ) ).
ألا فَاقتَرِبُوا مِن رَبِّكُم ـ أَيُّها المُسلِمُونَ ـ وَاسجُدُوا، وَادعُوهُ وَأَلِحُّوا وَأَخلِصُوا، وَإِيَّاكُم وَالكَسَلَ وَلا تَعجَزُوا، أَطعِمُوا الطَّعَامَ وَاحفَظُوا الصِّيَامَ وَأَلِينُوا الكَلامَ، وَاقرَؤُوا القُرآنَ وَأَحسِنُوا إِلى عِبَادِ اللهِ، وَفَطِّرُوا الصَّائِمِينَ وَادعُوا إِلى اللهِ، فَإِنَّ كُلَّ أُولَئِكَ أَعمَالٌ جَلِيلَةٌ، دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى فَضلِها وَعِظَمِ أَجرِها، قال عليه الصلاةُ والسلامُ: (( الصِّيَامُ وَالقُرآنُ يَشفَعَانِ لِلعَبدِ يَومَ القِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ، مَنَعتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهوَةَ فَشَفِّعْني فِيهِ، وَيَقُولُ القُرآنُ: مَنَعتُهُ النَّومَ بِاللَّيلِ فَشَفِّعْني فِيهِ ) )، قَال: (( فَيُشَفَّعَانِ ) )، وقال عليه الصلاةُ والسلامُ: (( مَن فَطَّرَ صَائِمًا فَلَهُ مِثلُ أَجرِهِ ) )، وقال: (( إِنَّ في الجَنَّة غُرَفًا يُرَى ظَاهِرُها مِن بَاطِنِها وَبَاطِنُهَا مِن ظَاهِرِهَا، أَعَدَّهَا اللهُ لِمَن أَلانَ الكَلامَ وَأَطعَمَ الطَّعَامَ وَتَابَعَ الصِّيَامَ وَصَلَّى بِاللَّيلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ ) ).
أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الفُقَرَاءُ إِلى اللهِ وَاللهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ إِن يَشَأْ يُذهِبْكُم وَيَأتِ بِخَلقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزرَ أُخرَى وَإِن تَدعُ مُثقَلَةٌ إِلى حِملِهَا لا يُحمَلْ مِنهُ شَيءٌ وَلَو كَانَ ذَا قُربى إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخشَونَ رَبَّهُم بِالغَيبِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفسِهِ وَإِلى اللهِ المَصِيرُ وَمَا يَستَوِي الأَعمَى وَالبَصِيرُ وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ وَلا الظِّلُّ وَلا الحَرُورُ وَمَا يَستَوِي الأَحيَاءُ وَلا الأَموَاتُ إِنَّ اللهَ يُسمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسمِعٍ مِن في القُبُورِ إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ إِنَّا أَرسَلنَاكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِن مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر:15-24] .
أَمَّا بَعدُ: فاتقوا اللهَ تعالى وَأَطيِعُوهُ، وَرَاقِبُوا أَمرَهُ وَنهيَهُ وَلا تَعصُوهُ، اِتَّقُوا اللهَ بِفِعلِ الأَوَامِرِ وَتَركِ النَّوَاهِي، تَزَوَّدُوا بِالتَّقوَى مِن شَهرِ التَّقوَى، وَتَأَمَّلُوا إِنَّ سَعيَكُم لَشَتَّى فَأَمَّا مَن أَعطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالحُسنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِليُسرَى وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاستَغنَى وَكَذَّبَ بِالحُسنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلعُسرَى وَمَا يُغنِي عَنهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى.
عَلَيكَ بِتَقوَى اللهِ فِي كُلِّ أَمرِهِ تجِدْ غِبَّهَا يَومَ الحِسَابِ الْمُطَوَّلِ
أَلا إِنَّ تَقوَى اللهِ خَيرُ مَغَبَّةٍ وَأَفضَلُ زَادِ الظَّاعِنِ المُتَحَمِّلِ
وَلا خَيرَ في طُولَ الْحَيَاةِ وَعَيشِهَا إِذَا أَنتَ مِنهَا بِالتُّقَى لم تَرَحَّلِ
إِنَّهُ لا بُدَّ مِن مُجَاهَدَةِ النَّفسِ عَلى فِعلِ الطَّاعَاتِ وَبَذلِ الخَيرَاتِ، لا بُدَّ مِنَ الصَّبرِ وَالمُصَابَرَةِ، وَمَن صَدَقَ اللهَ صَدَقَهُ، وَمَن عَوَّدَ نَفسَهُ الخَيرَ اِعتَادَتهُ، وَإِنمَا يُؤتَى العَبدُ وَيُحرَمُ كثيرًا مِنَ الخَيرِ مِن الضَّجَرِ وَالجَزَعِ وَالمَلالِ وَالعَجَلَةِ، قال سُبحَانَه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُم تُفلِحُونَ ، وقال جل وعلا: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهدِيَنَّهُم سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ المُحسِنِينَ ، وقال: (( إِنما العِلمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَإِنما الحِلمُ بِالتَّحَلُّمِ، وَمَن يَتَحَرَّ الخَيرَ يُعطَهُ، وَمَن يَتَّقِ الشَّرَّ يُوقَهُ ) )، وَقَالَ: (( اِفعَلُوا الخَيرَ دَهرَكُم، وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحمَةِ اللهِ، فَإِنَّ للهِ نَفَحَاتٍ مِن رَحمَتِهِ يُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ مِن عِبَادِهِ ) )، وقال عليه الصلاةُ والسلامُ: (( يا أيها الناس، عليكم من الأعمال ما تطيقون؛ فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله ما دووِم عليه وإن قلَّ ) )، وقال: (( الخَيرُ عَادَةٌ، وَالشَّرُّ لَجَاجَةٌ، وَمَن يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ ) )، قَالَ الغَزَاليُّ رحمه اللهُ:"مَن لم يَكُنْ في أَصلِ الفِطرَةِ جَوَادًا مَثلًا فَيَتَعَوَّدُ ذَلِكَ بِالتَّكَلُّفِ، وَمَن لم يُخلَقْ مَتَوَاضِعًا يَتَكَلَّفُهُ إِلى أَنْ يَتَعَوَّدَهُ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الصِّفَاتِ تُعَالَجُ بِضِدِّهَا إلى أَن يَحصُلَ الغَرَضُ، وَبِالمُدَاوَمَةِ عَلَى العِبَادَةِ وَمُخَالَفَةِ الشَّهَوَاتِ تَحسُنُ صُورَةُ البَاطِنِ"انتهى كلامه.
وَأَمرٌ لا بُدَّ مِن ذِكرِهِ وَنحنُ نَدخُلُ شَهرَ رَمَضَانَ، أَلا وَهُوَ أَنَّهُ كَمَا يَستَعِدُّ أَهلُ الخَيرِ وَدُعَاةُ الحَقِّ لِهَذَا الشَّهرِ وَيَسعَونَ لاغتنامه فِيمَا يُرضِي اللهَ وَيُقَرِّبُ منه فِإِنَّ هُنَاكَ قُطَّاعَ طَرِيقٍ وَسُرَّاقَ أَوقَاتٍ وَمَانِعِي خَيرَاتٍ، هُنَاكَ أَقوَامٌ مِن شَيَاطِينِ الإِنسِ وَمَرَدَةِ بَني آدَمَ، تُجلِبُ على المُسلِمِينَ بِخَيلِها وَرَجِلِهَا، مُضَيِّعَةً عَلَيهِم أَوقَاتَ شَهرِهِم، نَازِعَةً بَرَكَاتِ أَوقَاتِهِم، مُدَنِّسَةً أَسمَاعَهُم وَأَبصَارَهُم وَقُلُوبَهُم بِتَمثِيلِيَّاتٍ فَارِغَةٍ وَمَسرَحِيَّاتٍ هَازِلَةٍ وَأَغَانِي مَاجِنَةٍ وَصُوَرٍ فَاتِنَةٍ وَمَشَاهِدَ سَخِيفَةٍ، فَلْيَحذَرِ العَبدُ من ضياع وقتِهِ بِمُتَابَعَةِ هَؤلاءِ البَطَّالِينَ، أَمَّا تِلكَ الحَلَقَاتُ الطَّائِشَةُ وَالمَقَاطِعُ البَائِسَةُ المُنطَوِيَةُ على الاستِهزَاءِ وَالسُّخرِيَةِ القَائِمَةُ على نَقدِ مَا سَارَ عَلَيهِ هَذَا المُجتَمَعُ المُحَافِظُ مِن قِيَمٍ وَعَادَاتٍ هِيَ في حَقِيقَتِهَا ممَّا أَمَرَ بِهِ الشَّرعُ كَالحِجَابِ وَالتَّستُّرِ وَالأَمرِ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيِ عَنِ المُنكَرِ فَظُلُمَاتٌ بَعضُها فَوقَ بَعضٍ، يَجِبُ الحَذرُ مِن مُتَابَعَتِهَا وَاستِمرَاءِ مَا فِيهَا، بل لا يَجُوزُ الرِّضا بما فيها، وَكَيفَ يَرضَى مُسلِمٌ بِمُتَابَعَتِهَا بَعدَ قَولِ اللهِ جل وعلا: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيكُم في الكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعتُم آيَاتِ اللهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُستَهزَأُ بِهَا فَلاَ تَقعُدُوا مَعَهُم حَتَّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيرِهِ إِنَّكُم إِذًا مِثلُهُم إِنَّ اللهَ جَامِعُ المُنَافِقِينَ وَالكَافِرِينَ في جَهَنَّمَ جَمِيعًا.
فاتقوا الله عباد الله، وَسَارِعُوا إِلى مَغفِرَةٍ مِّن رَبِّكُم وَجَنَّةٍ عَرضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرضُ أُعِدَّت لِلمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ في السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالكَاظِمِينَ الغَيظَ وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ المُحسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَو ظَلَمُوا أَنفُسَهُم ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِم وَمَن يَغفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَم يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُم يَعلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُم مَغفِرَةٌ مِن رَّبِّهِم وَجَنَّاتٌ تَجرِي مِن تَحتِهَا الأَنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعمَ أَجرُ العَامِلِينَ.