الرقاق والأخلاق والآداب
آثار الذنوب والمعاصي, التوبة
سعد بن سعيد الحجري
أبها
جامع آل غليظ
1-الحظ على التوبة والإنابة. 2- التحذير من الذنوب والمعاصي. 3- حفظ الله لبعض خلقه من الذنوب والمعاصي. 4- زرع الله بغض الذنوب والخطايا في قلوب مخلوقاته الطائعة. 5- آثار الذنوب والمعاصي على الفرد والمجتمع. 6- فضائل التوبة. 7- أهمية التوبة للعبد. 8- شروط التوبة النصوح.
أما بعد: فيا أيها المسلمون، اتقوا الله الذي يقبل التوبة ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله، والكافرون لهم عذاب شديد، يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويأمر ملك الشمال أن يرفع القلم ست ساعات عن العبد المسلم المخطئ لعله أن يتوب، فإن تاب وندم واستغفر ألقاها، وإلا كتبها سيئة واحدة.
وقد أمر الله عباده بالتوبة وهو غني عنهم، لا ينتفع بطاعة مطيع، ولا يتضرر بمعصية عاصي. وأمر بالتوبة لأن بني آدم خطاؤون مذنبون مسرفون على أنفسهم بالمعاصي، وخطؤهم بالليل والنهار، وذنوبهم في السر والجهار، ومن الصغار والكبار، أفرحوا بها الأشرار، وأحزنوا بها الأخيار، وزادوا بها الأوزار، وأغضبوا بها العزيز الجبار، ونسوا أن الله تعالى لا يحب الأخطاء والذنوب ولا يرضاها؛ لأنها إساءة في حقه وهو المحسن العظيم، وما جزاء الإحسان إلا الإحسان، ومن بغضه لها أنه حذر منها أشد التحذير وتوعد عليها أشد الوعيد، قال تعالى: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ [النساء:123] ، ويقول: (( إذا أذنب العبد نكت في قلبه نكته سوداء ) ).
وقد حفظ الله أنبياءه من الذنوب، فها هو نبينا أخرج من قلبه علقة سوداء هي حظ الشيطان منه، فكانوا بهذا الحفظ قدوات يقتدى بهم وأسوات يتأسى بهم ومعلمين يتعلم منهم، وطهر الله الجنة وأهلها من الذنوب، فلا يدخل أهل الجنة الجنة وعليهم من الأوزار شيء، يقول: (( إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار، فَيَتَقَاصُّون مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا نُقُّوا وهُذِّبُوا أُذِنَ لهم بدخول الجنة. فوالذي نفس محمد بيده، لأحدهم بمسكنه في الجنة أدل منه بمسكنه في الدنيا ) ).
وزرع الله بغض الذنوب والخطايا في قلوب مخلوقاته الطائعة، فالملائكة لا تحب الذنوب ولا تحب أهلها، بل ولا يصبرون على ملازمة العبد أربعًا وعشرين ساعة لكثرة ذنوبه، ولأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ويخافون ربهم من فوقهم.
والسماء لا تحب الذنوب ولا أهلها، بل تغلق أبوابها دون عمل العاصي، فيكون كتابه في سجين، ولا تفتح لهم أبواب السماء حتى يلج الجمل في سم الخياط، وترمي العصاة بنجومها وصواعقها، بل ولا يسكنها أحد من العصاة؛ لأنها محرمة عليهم. ولما أذنب آدم ذنبًا أهبط منها، ولما أذنب الشيطان أخرجه الله منها وجعله ملعونًا، وتكاد السماء أن تنشق من معصية العاصي، يقول تعالى: تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الشورى:5] .
والأرض لا تحب الذنوب ولا أهلها؛ لأنها طائعة لله ولا تحب إلا الطائعين، ومستسلمة لله ولا تحب إلا المسلمين، يقول تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِين [فصلت:11] . وقد سلطها الله على العصاة أمثال قارون الذي قال: إنما أوتيته على علم عندي، فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، وخسف فيها بالمتكبر الذي كان يمشي مرجلًا رأسه تعجبه نفسه، وقد اهتزت المدينة في عهد عمر فقال: (يا أيها الناس، توبوا إلى الله وإلا فارقتكم ولم أجاوركم في المدينة) .
والبهائم لا تحب الذنوب ولا المذنبين؛ لأنها سبب غضب الرب وسبب ظهور الفساد في البر والبحر، وسبب هلاك الحروث والزروع والبهائم والدواب، وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [فاطر:45] ، يقول أبو هريرة: (إن الحبارى لتموت في أوكارها من ظلم الظالم) ، ويقول مجاهد:"إن البهائم لتلعن عصاة بني آدم لمنعهم المطر بسببهم". وإذا لم تكن محبوبة لغير العاقل فلماذا لا تكون غير محبوبة للعاقل؟! وإذا كانت مبغوضة لغير المكلفين فلماذا لا تكون مبغوضة للمكلفين؟!
ولنعلم ـ عباد الله ـ أن الذنوب أفسدت الفطر؛ فقست القلوب وأظلمت وانتكست ومرضت وأعرضت وماتت، وأقفلت أبواب الاستجابة، فأصبح الإنسان يسمع فلا يعي ما يسمع، ولا يعمل بما يسمع، يقول الله تعالى عن هؤلاء: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ [محمد:16] . ولو سلمت النفوس من الذنوب لكانت نفوسًا مطمئنة تسمع الحق فتتبعه، وتسمع الباطل فتجتنبه، ولو قيل لها: إن القيامة يوم غد ما وجدت للعمل الصالح مزيدًا.
والذنوب أفسدت البيوت فكانت معاول هدم؛ تهدم الإيمان وتهدم الأخلاق وتهدم الحياة وتهدم الأولاد والزوجات، وتخرج للمجتمع دعاة رذيلة يحاربون الفضيلة، لا هم لهم إلا بطونهم وفروجهم، ونسي الأولياء قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6] ، ونسوا قول الرسول: (( كلكم راع وكل مسئول عن رعيته، والرجل راع في أهل بيته ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها ) ).
والذنوب أفسدت المجتمع؛ فانتشرت المنكرات، وتسابق الناس على السيئات، وعزفوا عن الحسنات واتبعوا الشهوات، وأجلب عليهم الشيطان بخيله ورجله، فزين لهم الباطل حتى رأوا السيئ حسنا، وثبطهم عن العمل الصالح، وأفسد عليهم الطاعات، وأشغلهم بفضول المباحات، وهون عليهم المعصية، وأوقعهم في الكبيرة، وقادهم إلى البدعة، وأخيرا أخرجهم إلى الشرك والعياذ بالله، وتشبهوا بالكفار الذين بثوا لهم سمومهم ونشروا شرورهم، فقلدوهم واتبعوا سننهم حذو القذة بالقذة، ودخلوا معهم في جحر الضب.
وحتى تقفل أبواب الذنوب ونصلح الخطأ ونطلب رضوان الله ولو سخط الناس ونعيش في أمن من المعاصي في الدنيا وفي أمن من الذنوب في الآخرة فإنه يجب أن نفتح باب التوبة على مصراعيه، وأن ندخل مع باب التوبة وأن لا نخرج منه إلا إلى الآخرة؛ فإنه باب الصلاح للنفس والإصلاح للمجتمع، وهو باب الاستقامة في الدنيا على الصراط المستقيم ومجانبة طريق المغضوب عليهم والضالين، وهو طريق الاستقامة على الصراط المنصوب على متن جهنم، أحد من السيف وأدق من الشعرة، دحض مزلة، وهو باب الأنبياء الذين دخله آدم عليه السلام فتاب عليه الله وهداه، ودخله داود فاستغفر ربه وخر راكعًا وأناب، قال الله: فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ [ص:25] ، يقول: (( سجدة ص سجدها داود توبة، ونسجدها شكرًا ) ).
وباب التوبة هو باب المؤمنين الذين قالوا: ربنا الله ثم استقاموا، يقول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنْ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ [التوبة:111، 112] .
وهو باب التطهير من الذنوب؛ لأن التوبة تجب ما قبلها، ولأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، يقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [التحريم:8] ، ويقول: (( التائب من الذنب كمن لا ذنب له ) ).
وهو باب قلب السيئات حسنات؛ فبالتوبة يكون السيئ حسنا والخبيث طيبًا والعقاب ثوابا، يقول الله تعالى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان:68-70] .
وهو باب تطهير القلوب، يقول: (( إذا أذنب العبد ذنبا نكتت فيه نكتة سوداء، فإذا تاب وندم واستغفر صقل قلبه ) ).
وهو باب رضوان الله على العبد إذا وفقه للتوبة؛ لأن الله يحب التوابين، ولأنه يفرح بتوبة العبد أشد من فرح العبد بتوبة نفسه، ولأنه يتوب على من تاب، يقول: (( لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة ) ).
وهو باب الحياة الحسنة التي حسنت فيها الأقوال والأفعال، يقول تعالى: وَأَنْ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ [هود:3] .
وهو الباب الذي يزول به الكرب والضيق، ويتحقق به الغنى والغيث والولد والزرع، يقول الله تعالى: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا [نوح:10-13] .
وهو باب يوصل إلى الجنة، يقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ [التحريم:8] .
والناس قسمان: تائب وظالم، فمن لم يكن تائبًا فهو ظالم، قال تعالى: وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ [الحجرات:11] .
ولأهمية التوبة فإن الله تعالى أمر بها في كتابه أمرا واجبا، فقال: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31] ، وهذا الأمر للمهاجرين مع صبرهم وجهادهم وإيمانهم فهو في حقهم أوجب، وأمر بها جميع الناس إذ يقول: (( يا أيها الناس، توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أتوب إلى الله في اليوم والليلة أكثر من مائة مرة ) ).
عباد الله، وحتى نحقق التوبة ونأتي بها على الوجه المطلوب ونتصف بصفاتها وتكون في حقنا نصوحًا فإنه لا بد من توفر أمور فيها، منها الإنابة إلى الله تعالى والرجوع إليه، فإنه الذي إليه المرجع وإليه المصير، وهو الذي أحصى على العبد كل شيء في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى، ولا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، والإنسان إذا خاف من مخلوق هرب منه، ولكنه إذا خاف من الله هرب إليه، يقول تعالى: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ [الذاريات:50] .
وقد فتح الله باب التوبة، ولا يقفل إلا إذا قامت قيامة الإنسان الصغرى بموته، أو قامت قيامته الكبرى بطلوع الشمس من مغربها، يقول: (( من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه ) )، وقال: (( إن الله عز وجل يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ) ). وباب التوبة واسع إذ سعته مثل ما بين المشرق والمغرب أو مسيرة سبعين سنة، يقول: (( للتوبة باب بالمغرب مسيرة سبعين عامًا، ولا يزال كذلك حتى تطلع الشمس من مغربها ) ).
ومنه شروط التوبة الاستسلام لله تعالى؛ وذلك بالائتمار بأمره والانتهاء بنهيه وتصديق خبره وتطبيق حكمه. ولقد استسلم ماعز لربه بعد أن زنى إذ سلم نفسه لرسول الله وقال: طهرني، فرجم حتى مات. وسلمت الغامدية نفسها لرسول الله ليرجمها فردها حتى وضعت، ثم ردها حتى أرضعت، ثم رجمها، فقال عمر: أترجمها ثم تصلي عليها؟! قال: (( لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم ) ).
ومنها اتباع الكتاب والسنة، فهما أحسن ما أنزل الله، وهما حبلا الله المتين وصراطه المستقيم، من تمسك بهما سعد، ومن أعرض عنهما شقي، وهما مصدرا الشريعة، وهما المخرج من الفتن، يقول الله تعالى: قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الزمر:53-55] .
ومنها الإيمان، فلا تتحقق التوبة إلا بالإيمان، ولا تثمر إلا بالإيمان؛ لأن الإيمان إصلاح للظاهر وإصلاح للباطن، ولأنه قفل لأبواب المعاصي وفتح لأبواب الطاعات.
ومنها العمل الصالح؛ لأنه وظيفة الدنيا وحسنة الآخرة، وخير زاد يتزود به العبد وخير لباس يتزين به العبد، وهو أمر الله لرسله وأمر الرسل لأممهم، الذي يثقل في الميزان ويطرد الشيطان، ويدخل به العبد الجنان وينجو من النيران، وهو الذي يسد به أبواب الهوى والشهوة، ويُدحض به الشبهة، ولأنه العلامة على صحة التوبة.
ومنها طلب الهداية بأسبابها؛ لأنه طريق الله المستقيم وطريق الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، يقول تعالى: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى [طه:82] .
ومنها مداومة التوبة؛ لأن الذنوب في كل ساعة، ولأن العدو محيط بالإنسان يأتيه من بين يديه ومن خلفه، ومن على يمينه ومن على شماله، ولكثرة الغفلة التي ضاعت بها الأعمال والأعمار، وتمردت بها الجوارح وتسلط بها الشيطان، وللاغترار بالدنيا، ولذا يقول فيما يرويه عن ربه عز وجل: (( يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا اغفر الذنوب جميعًا، فاستغفروني أغفر لكم ) )، ويقول: (( إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل ) ).
ومنها التعجل بالتوبة؛ لأن الأجل مجهول، ولأن الأعمال بالخواتيم، ولأن مداواة المرض في الحال مطلوب؛ لأن تأخيره ينشر المرض حتى يستعصي، وقد قيل: التأني في كل شيء حسن إلا في ثلاث: عند وقت الصلاة، وعند دفن الميت، وعند التوبة.
ومنها إصلاح الماضي بالندم على فعل الذنب، فإن الندم توبة، وعض أصابع الندم في الدنيا أولى من عضها يوم القيامة، وحسابها في الدنيا أولى من حسابها في الآخرة، وقد كان عتبة الغلام يبكي كلما مر بمكان معصية وقع فيها ويتصبب عرقه في اليوم الشاتي.
ومنها إصلاح الحاضر بالإقلاع عن الذنب وتركه بالكلية ومفارقة مكانه وأهله.
ومنها الصلاح المستقبل بالعزم على أن لا يعود إلى الذنب مرة أخرى، ليدلل على صدقه وعلى استقامته وعلى حيائه وحبه لله.
ومنها الإخلاص فلا تكون التوبة لمنصب أو نسب أو دنيا، وإنما لله تعالى.
ومنها رد المظالم إلى أهلها، وقد قيل: تعرف توبة الرجل بطهارة لسانه وطهارة قلبه وترك أهل المعاصي والاستعداد للموت.