الأسرة والمجتمع, الرقاق والأخلاق والآداب, العلم والدعوة والجهاد
أحاديث مشروحة, فضائل الأعمال, قضايا المجتمع
عاصم بن لقمان يونس الحكيم
جدة
جامع جعفر الطيار
1-فضل قضاء حوائج المسلمين. 2- فضل إنظار المعسر. 3- ضوابط في نفع المسلم لأخيه المسلم.
روى ابن عمر أن النبي قال: (( أحب الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا، ولأن أمشيَ مع أخي المسلم في حاجة أحبُّ إلي من أن أعتكف في المسجد شهرًا، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظًا ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رضا يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له أثبت الله تعالى قدمه يوم تزل الأقدام، وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخلُّ العسل ) ).
عباد الله، في هذا الحديث العظيم نجد أن النبي يشدد على نفع المسلم أخاه، فأحب الناس إلى الله هو ذلك العبد الذي جعل الله تعالى حوائجَ عباده تُقضى على يديه، فهو ينفع المسلمين بمشورته ومعونته أو ماله وجاهه وسلطانه، وهو يفعل ذلك ابتغاء وجه الله ومرضاته، لا طلبا لمديح مادح ولا لمنفعة أو مصلحة من أحد، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على قلب مسلم، ولو قلنا بمفهوم المخالفة فإن أبغض الناس إلى الله هو الذي يدخل على المسلمين الغم والهم والكرب، ويضرهم ويؤخر مصالحهم ويعطل معاملاتهم، جاء في صحيح مسلم عن هشام بن حكيم أن النبي: (( إن الله تعالى يعذب يوم القيامة الذين يعذبون الناس في الدنيا ) ).
ولك أن تسأل نفسك يا عبد الله: متى كانت آخر مرة أدخلت فيها سرورا على مسلم، أو كشفت عنه كربة، أو طردت عنه جوعا؟ وكفى بنا عارا وخزيا أن نرى إخواننا يحاصرون ويجَوَّعون في كل مكان، بينما أبناؤنا قد نخر السوس أسنانهم من كثرة الحلوى! متى آخر مرة قضيت عن أخيك دينا وما أدراك ما الدَيْن؟ فهو الذي قال فيه النبي: (( من أقرض وَرِقًا مرتين كان كَعَدْل صدقة مرة ) )، فمن أقرض عشرة آلاف ريال كان ذلك مساويا للتصدق بخمسة آلاف ريال. بل جاء في المسند عن بريدة أن النبي قال: (( من أنظر معسرا فله بكل يوم مثله صدقة قبل أن يحل الدين، فإذا حل الدين فأنظره فله بكل يوم مثلاه صدقة ) ).
ثم ذكر النبي عظم أجر وثواب من كف غضبه وكظم غيظه، فأخبر أن الله تعالى يستر عورته فلا يفضحه في الدنيا ولا في الآخرة، وأنه تعالى يملأ قلبه رضا يوم القيامة، وذلك كما جاء في حديث معاذ بن أنس عند أصحاب السنن: (( إن الله تعالى يدعوه على رؤوس الخلائق فيخيره من أي الحور العين شاء ) ). ولا شك أن أولى من تكف عنهم غيظك وغضبك أهلُ بيتك.
ثم إن النبي ذكر مرتين فضل المشي مع أخيك المسلم في حاجته في هذا الحديث، فذكر في الأولى أن المشي معه خير من الاعتكاف في المسجد شهرا، وذكر في الثانية أن من مشى معه حتى يقضي حاجته ويثبتها له ثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام، ولقد كان نبينا وأصحابه القدوة في ذلك، فقد كانت الجارية الصغيرة تأخذ بيد النبي فتمشي به في طرقات المدينة تشكو له حالها، والنبي عليه الصلاة والسلام مصغٍ لها، وهذا حكيم بن حزام يقول: (ما أَصْبَحْتُ وليس ببابي صاحبُ حاجة إلا علمت أنها من المصائب التي أسأل الله عليها الأجر) . فهو يرى أنه إن مر عليه يوم ولم يقض لمسلم حاجة أو مصلحة فقد أصابته مصيبة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله.
أما بعد: إن من المسلمين من يتحدث الناس عنهم في مجالسهم بالمديح والثناء والشكر؛ لشهرتهم بقضاء حوائج الناس ومساعدتهم بكل الطرق الممكنة، فإن لم يستطيعوا المساعدة لم يعدم المرء منهم مواساة ودعوة صالحة، وقديما قيل:"البر شيء هين؛ وجه طلق ولسان لين". وعلى النقيض من ذلك، فمن المسلمين من يقضي لك حاجتك، ولكن مع عبوس الوجه أو مع التمنن ورؤية النفس على العباد وإشعار الأخ بالمذلة والحاجة، ولو أنهم ردوهم بكلمة طيبة دون قضاء حوائجهم لكان خيرا لهم من تلك المعاملة، ولذلك قال النبي: (( وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل ) )، ويقول الله تعالى: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى [البقرة:263] .
عباد الله، إن الضابط في نفع المسلم أخاه أن يكون العمل من البر والطاعة أو من المباحات، ولا يجوز إعانة المسلم على محرم أو مكروه، لقول الله تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2] .
ونحن اليوم في زمن الواسطة، حيث لا تتم أعمالك إلا بمعرفةٍ أو توسطٍ من وجيه، وهذا أمر خطير يدل على خلل في المجتمع، ويدل على ظلم الناس بعضهم بعضا، وهو من تضييع الأمانة التي قال فيها نبينا كما في صحيح البخاري: (( فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة ) )، وفسر تضييعها بقوله: (( إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة ) ).
وليس كل مسلم يعرف من يتوسط له في إنجاز معاملته، وكم من رجل يتوسط لإحقاق باطل أو إبطال حق، لا لشيء إلا ليزداد وجاهة ومكانة عند فلان الذي بدوره يخدمه في إدارة أو مؤسسة أخرى، وهذا أمر محرم، ففي الصحيحين عن عائشة أن النبي قال: (( إنما أهلك الذين من قبلكم أنه كان إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ) ). فيجب عليك ـ يا عبد الله ـ أن يكون المسلمون عندك سواسية، وأن تمشي في حاجة أخيك الضعيف المسكين قبل مشيك في حاجة الغني الشريف؛ لأن هذا يجد من يخدمه ويعينه، وذاك ليس له أحد سوى الله.
فابذل نفسك ـ أخي المسلم ـ ومالك وجهدك وسمعتك ووساطتك في فعل الخير، فإنه لا يبقى للمسلم بعد موته إلا سمعته، فإن كانت حسنة ترحم الناس عليه وذكروه بخير، وإن كانت سمعته سيئة لعنوه كلما جاء ذكره.
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم...