فهرس الكتاب

الصفحة 2140 من 5777

التذكير بالنعم منهج دعوي نبوي

الرقاق والأخلاق والآداب

أعمال القلوب

ماجد بن عبد الرحمن الفريان

الرياض

سليمان بن مقيرن

1 ـ أمن الكثيرين وغفلتهم عن الله وعظمته جل وعلا. 2 ـ دعوة القرآن إلى التفكر في مخلوقات الله. 3 ـ التذكير بنعم الله منهج نهجه أنبياء الله. 4 ـ أقسام القلوب باعتبار تقبلها وتأثرها بالهدى.

أما بعد: فيا عباد الله اتقوا الله حق التقوى.

معاشر المسلمين: قد يُبتلى كثير منا بالغفلة واللهو بهذه الحياة الدنيا عن الآخرة، غفلةً منه، لا عن سوء طوية وكبر؛ ولذلك فإنه إذا ذُكِّر تذكَّر وإذا مرت به موعظة اعتبر ؛ لأن في قلبه قدرًا صالحًا من محبة الله وتعظيمه ، ومعرفة قدره ومقدرته ؛ لما يتلوه ويتدبره في كتابه ، في أوقات إقباله على الله ، ولما يشاهده من مخلوقاته وآياته في هذا الكون الكبير ، في سمائه وأرضه ، وشمسه وقمره ، ونهاره وليله ، وأجوائه وبحاره ، وأمواجه وأمطاره.

لكننا أيضًا نجد فئامًا من الناس - ليسوا بالقلة - لا يحبون الناصحين ، ولا يتذكرون مع المتذكرين ، وإذا رأوا الصالحين يضحكون ، وإذا مروا بهم يتغامزون ، بل إن كثيرًا منهم تخوفه بالله فلا يخاف ، وتذكره بعقاب الله فلا يلقي لك بالًا ، تذكره بالآخرة والجنة والنار فلا يجد في نفسه إقبالًا عليك ، ولا يجد لهذه المواعظ تأثيرًا في نفسه أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ ?للَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ?للَّهِ إِلاَّ ?لْقَوْمُ ?لْخَـ?سِرُونَ [الأعراف: 99] ، أَفَأَمِنُواْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مّنْ عَذَابِ ?للَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ ?لسَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ [يوسف: 107] ، لم يأمن أحد منهم ذلك ، ولكنهم مع ذلك لا يلقون للمواعظ بالًا ، بل إن كثيرًا منهم كما قال الله تعالى: وَلَوْ جَاءتْهُمْ كُلُّ ءايَةٍ حَتَّى? يَرَوُاْ ?لْعَذَابَ ?لاْلِيمَ [يوسف: 97] ، فلا يمكن أن يقبل النصيحة من أي أحد، كائنًا من كان.

يا إخوة الإسلام ، كيف تكونت هذه العقول وكيف تشوهت هذه النفوس في ديار الإسلام وفي أرض العقيدة ، إن كثيرًا منهم لا يدرك عظمة الله ولم يتيسر له في حال غفلته أن يتفكر - ولو مرة - في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله فيها ، لم يتيسر له أن يتفكر في نفسه وعظمة صنعها ومن صنعها ،لم يتفكر في ربه الذي خلقه فسواه فعدله، في أي صورة ما شاء ركبه ، لم يتفكر في الذي وهبه سمعًا وبصرًا وفؤادًا، لم يتفكر في ذلك كله وهو في حال غفلة وزيغ، فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ ?للَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: 5] فأصبحوا في غمرة عن هذه المعاني العظيمة بَلْ قُلُوبُهُمْ فِى غَمْرَةٍ مّنْ هَـ?ذَا وَلَهُمْ أَعْمَـ?لٌ مّن دُونِ ذ?لِكَ هُمْ لَهَا عَـ?مِلُونَ [المؤمنون: 63] هم تسببوا على أنفسهم حتى أصبحت قلوبهم بهذه المنزلة من التشويه وبهذا القدر من الزيغ.

عباد الله: إن كثيرًا من أهل الغفلة الجانحة لا يدركون عظمة الله ؛ فلم يرجوا له وقارًا ، وقد خلقهم أطوارًا ، لم يحبوه محبة المغتبط بنعمة المنعم عليه ، ونحن لم نبين لهم عظمة الله ولم نذكرهم بها ، مع أن هذا منهج شرعي نجده ظاهرًا في كتاب الله ، وسلكه أنبياء الله ورسله في التعامل مع العصاة والمعاندين ، ولا شك أن منهج أنبياء الله ورسله في الدعوة إلى الله ، هو أحسن المناهج سبيلًا ، وأجداها أثرًا ، وأقربها إلى قلوب المدعوين.

معاشرالمسلمين: ولو قلبنا في كتاب الله لوجدنا هذا المنهج ظاهرًا جليًا، الدعوةُ إلى التفكر والإشادةُ بالمتفكرين المشاهدين لنعم الله عليهم.

لقد دعا ربنا سبحانه عباده إلى التفكر فيه بقوله: إِنَّ فِى خَلْقِ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لأرْضِ وَ?خْتِلَـ?فِ ?لَّيْلِ وَ?لنَّهَارِ لاَيَـ?تٍ لاِوْلِى ?لاْلْبَـ?بِ ?لَّذِينَ يَذْكُرُونَ ?للَّهَ قِيَـ?مًا وَقُعُودًا وَعَلَى? جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لأرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَـ?طِلًا سُبْحَـ?نَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران: 190، 191] ، وقولِه: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِى أَنفُسِهِمْ مَّا خَلَقَ ?للَّهُ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِ?لْحَقّ [الروم: 8] ، وقولِه: كَذ?لِكَ يُبيّنُ ?للَّهُ لَكُمُ ?لآيَـ?تِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِى ?لدُّنْيَا وَ?لآخِرَةِ [البقرة: 219، 220] .

فيتفكرون في الآيات التي بينها لهم فيستدلون بها على توحيده وصفات كماله وصدق رسله والعلم بلقائه.

و يتفكرون في الدنيا وانقضائها واضمحلالها وآفاتها.

ويتفكرون في الآخرة ودوامها وبقائها وشرفها.

ويتفكرون أيضًا في الجنس الإنساني في توالده وتوارثه واتصاله ببعضه كما في قوله: وَمِنْ ءايَـ?تِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْو?جًا لّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِى ذَلِكَ لايَـ?تٍ لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الروم: 21] .

ولقد خاطب الله الغافلين المعرضين مخاطبة المذكر بالنعم كما في قوله تعالى: ي?أَيُّهَا ?لإِنسَـ?نُ مَا غَرَّكَ بِرَبّكَ ?لْكَرِيمِ ?لَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِى أَىّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ [الإنفطار: 6 ـ 8] وكما في قوله: أَوَلَمْ يَرَ ?لإِنسَـ?نُ أَنَّا خَلَقْنَـ?هُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مٌّبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِىَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحىِ ?لْعِظَـ?مَ وَهِىَ رَمِيمٌ [يس: 77، 78] ، وكما قال تعالى: سَنُرِيهِمْ ءايَـ?تِنَا فِى ?لأَفَاقِ وَفِى أَنفُسِهِمْ حَتَّى? يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ?لْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبّكَ أَنَّهُ عَلَى? كُلّ شَىْء شَهِيدٌ [فصلت: 53] ، وكما قال تعالى في آياته المشهودة: أَفَلَمْ يَنظُرُواْ إِلَى ?لسَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَـ?هَا وَزَيَّنَّـ?هَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ وَ?لأَرْضَ مَدَدْنَـ?هَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَو?سِىَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [ق: 6، 7] .

إخوة الإسلام ، ولقد حكى الله منهج التذكير بالنعمة وتبيين عظمة الله عن رسله الكرام في مواضع كثيرةٍ من كتابه ، فقد حكى عن نوح - عليه السلام - أنه قال لقومه: مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ ?للَّهُ سَبْعَ سَمَـ?و?تٍ طِبَاقًا وَجَعَلَ ?لْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ ?لشَّمْسَ سِرَاجًا وَ?للَّهُ أَنبَتَكُمْ مّنَ ?لأَرْضِ نَبَاتًا ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا وَ?للَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ?لأَرْضَ بِسَاطًا لّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا [نوح: 14 ـ 20] ، فهو يذكرهم بنعم الله عليهم. وكذلك حكى عن هود أنه قال لقومه: وَ?ذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِى ?لْخَلْقِ بَسْطَةً فَ?ذْكُرُواْ ءالآء ?للَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الأعراف: 69] ، وحكى عن صالح أنه قال لقومه: وَ?ذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِى ?لارْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ ?لْجِبَالَ بُيُوتًا فَ?ذْكُرُواْ ءالآء ?للَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى ?لأرْضِ مُفْسِدِينَ [الأعراف: 74] ، وحكى الله عن شعيب أنه قال لقومه: وَ?ذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَ?نظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـ?قِبَةُ ?لْمُفْسِدِينَ [الأعراف: 86] ، وحكى عن موسى أنه قال لقومه: ?ذْكُرُواْ نِعْمَةَ ?للَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاء وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكًا وَءاتَـ?كُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مّن ?لْعَـ?لَمِينَ [المائدة: 20] كل واحد من أنبياء الله ورسله يذكر قومه بنعم الله عليهم لأن هذا الأمر جدير بأن يوقظ العقول النائمة ويحرك القلوب الغافلة.

مَنْ هذا صنعه أيجدر بهم أن يعصوه أو يخالفوه؟ أم أن حقه الطاعة والتكريم؟ وأن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، وهم ولاشك بعد المقارنة بين النعم والعصيان سيعلمون أنهم على غير صواب ولا هدى‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍ ‍‍‍‍.

معاشرالمسلمين ، وآيات الله العظيمة لا يمكن أن يتفكر فيها ذلك التفكر الذي ينفع القلب، إلا من وفقه الله وكان من أهل الإيمان واليقين، أما من طبع على قلبه، فإنه لا ينتفع بمرور الآيات عليه ولا يتفكر فيها ولا يعتبر بها، ولذلك يقول الله عز وجل: وَفِى ?لأَرْضِ ءايَـ?تٌ لّلْمُوقِنِينَ وَفِى أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ وَفِى ?لسَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ [الذاريات: 20 ـ 22] فحصر الانتفاع بهذه الآيات بدايةً دون تذكيرٍ وتنبيهٍ بالموقنين - أي أصحاب القلوب الحية - أما أموات القلوب فهؤلاء ليست لهم قلوب ينتفعون بها كما قال تعالى: إِنَّ فِى ذ?لِكَ لَذِكْرَى? لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ?لسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق: 37] .

قال ابن القيم رحمه الله:"فالناس ثلاثة: رجل قلبه ميت فذلك الذي لا قلب له، فهذا ليست هذه الآيات ذكرى في حقه".

الثاني: رجل له قلب حي مستعد ، لكنه غير مستمع للآيات وقلبه مشغول بغيرها، فهو غائب القلب ليس حاضرًا فهذا أيضا لا تحصل له الذكرى مع استعداده ووجود قلبه.

والثالث: رجل حي القلب مستعد ، تليت عليه الآيات فأصغى بسمعه وألقى السمع وأحضر قلبه ولم ينشغل بغير فهم ما يسمعه، فهو شاهد القلب ملق السمع، فهذا القسم هو الذي ينتفع بالآيات المتلوة والمشهودة.

فالأول: بمنزلة الأعمى الذي لا يبصر.

والثاني: بمنزلة البصير الطامح ببصره إلى غير جهة المنظور إليه، فكلاهما لا يراه، والثالث: بمنزلة البصير الذي قد حدق إلى جهة المنظور وأتبعه بصره وقابله على توسط من البعد والقرب، فهذا هو الذي يراه، فسبحان من جعل كلامه شفاء لما في الصدور أ.هـ

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب وخطيئة وعصيان فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه وصلاة الله وسلامه على أشرف المرسلين

أما بعد فيا عباد الله ، تبين لنا فيما تقدم أن من السياسات الحكيمة في الدعوة على الله، التذكير بالنعم والدلالة على المنعم ، وتبَيَّن أن هذا منهج القرآن ومنهجُ أنبياء الله ورسله الكرام وقد قال الله لنبيه: قُلْ هَـ?ذِهِ سَبِيلِى أَدْعُو إِلَى? ?للَّهِ عَلَى? بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ ?تَّبَعَنِى وَسُبْحَانَ ?للَّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ ?لْمُشْرِكِينَ [يوسف: 108] .

فينبغي على كل داعية أن يجعل هذا الأسلوب ضمن أساليبه الدعوية الكثيرة، وربما كان هذا هو الأسلوب المناسب في المجالس العامة ، والمحافل المختلطة ، لأنه لا يوغر صدر أحد ولا يخص أحد، ومع ذلك نفعه عظيم وتأثيره نافذ على القلوب.

وسيكون لنا في جمعة قادمة وقفة تفكر في عظيم صنع الله في بعض مخلوقاته وفي نعمته علينا، ولاشك أن ذلك من أعظم العبادات القلبية والقولية.

ثم اعلموا أيها المسلمون أن أحسن الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.

وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة ومن شذ عنهم شذ في النار، عياذًا بالله من ذلك.

واعلموا أن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه، فقال: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56] ، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت