الإيمان
الولاء والبراء
عبد الله بن سعيد آل يعن الله
خميس مشيط
غير محدد
1-فتن الشبهات. 2- الهجوم على عقيدة الولاء والبراء. 3- منهج المسلمين. 4- تعريف الولاء والبراء. 5- الولاء والبراء من أصول الإيمان. 6- عدم تعارض الولاء والبراء مع السماحة والرحمة. 7- الواجب تجاه تيارات التمييع.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
عنوان موعظة هذا اليوم: نحن والكافرون.
إن أمّتنا تعيش مرحلةً جديدة في تاريخها، في هذه المرحلة الحرجة تقع أمّتُنا وعقائدُها تحت ضغوط رهيبة، تكاد تجتثّها من أساسها لولا قوّةُ دينها وتأييدُ ربّها عز وجل.
ومن هذه العقائد التي وُجّهت إليها سهامُ الأعداء وانجرَّ وراءهم بعضُ البُسطاء واندفع خلفهم غُلاةٌ وجُفاة وبالغ في تصويرها محبّي الشهرة والبروز عقيدةُ الولاء والبراء.
ازداد الأمر خطورةً عندما غلا بعضُ المسلمين في هذا المعتقد إفراطًا أو تفريطًا، وأصبح هذا المعتقدُ مَحَلَّ اتّهام، وأُلْصِقَتْ به كثيرٌ من الفظائع والاعتداءات.
نحن المسلمون أصحابُ دين ومنهج، ربنا وخالقنا هو الله، ونبينا وقدوتنا محمد.
نحن المسلمون أصحاب عقيدة صافية تدَكدِك كلَّ معلم أو إشارة تنبئ عن الميول والروغان عنها.
نحن المسلمون لا ينقطع بنا الدّرب، ولا يفوتنا الركب، ولا تنهار بنا القوى، ولا تيبس لدينا أوراق الهدى.
نحن المسلمون أنصار الدعوة إلى السنة والعقيدة الصحيحة مهما علا صوت الباطل، ومهما ظهرت نواقيس العداء.
نحن المسلمون خرج منا علماء ربانيون، أناروا طريق السالكين، وأرشدوا كلّ التائهين، وهدوا كلّ الحائرين، وتميّز في صفنا علماء جهابذة في العلوم الطبيعية والعلوم التقنية وفي العلوم الأخرى.
نحن المسلمون رزقنا الله بالتوحيد الخالص الذي نوّر الله به كلّ أفقٍ وبقعة في هذه الديار، فازدهرت الأرض به بعد قحْط، وارتوت به بعد ظمأٍ وهَلكة، وأنقذ الله به عبادَه من ظلمات الجهل والشرك والتذلّل لغيره سبحانه. وكان ذلك على يد الإمام المجاهد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، يعاونه على ذلك ويشدّ أزره الإمام محمد بن سعود رحمه الله تعالى.
نحن المسلمون أصحاب لا إله إلا الله، نرجو بها السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة.
نحن المسلمون مصابون بدعاةٍ من بني جِلدتنا يهاجموننا ويغزوننا في الصميم، ويتعرّفون على نقاط الضعف فينا؛ حتى يؤصّلوا في مجتمعاتنا الولاء للكافرين والبراء من الصالحين. ونحن واجبٌ علينا أن نقدِّرَ لهذا التحدي قَدْرَه، وأنْ نعرف أنّ اليومَ يومٌ له ما وراءه، وأننا نواجه حَرْبَ استئصالٍ حقيقيّة لعقيدة الولاء والبراء.
نحن المسلمون لا يخفى علينا أن الولاء والبراء محطّ إجماع بين جميع أهل القبلة، بل هو معتقدٌ لا يخلو منه أتباعُ كل دين أو مذهب.
وعلى هذا فالولاء شرعًا هو: حُبُّ الله تعالى ورسوله ودين الإسلام وأتباعِه المسلمين، ونُصْرةُ الله تعالى ورسولِه ودينِ الإسلام وأتباعِه المسلمين. والبراء هو: بُغْضُ الطواغيت التي تُعبَدُ من دون الله تعالى من الأصنام الماديّة والمعنويّة كالأهواء والآراء، وبُغْضُ الكفر بجميع ملله وأتباعِه الكافرين، ومعاداة ذلك كُلِّه. هذا هو معنى الولاء والبراء في الإسلام.
فهو معتقدٌ قلبيٌّ، لا بُدّ من ظهور أثره على الجوارح كباقي العقائد التي لا يصحّ تصوُّر استقرارها في القلب دون أن تظهر على جوارح مُعتقِدِها. وعلى قَدْر قوّة استقرارها في القلب وثبوتها تزداد دلائل ذلك في أفعال العبد الظاهرة، وعلى قَدْرِ ضعف استقرارها تنقص دلائلها في أفعال العبد الظاهرة، فإذا زال هذا المعتقد من القلب بالكلية زال معه الإيمانُ كُلّه.
يقول فضيلة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان عضو هيئة كبار العلماء:"فمن أصولِ العقيدةِ الإسلاميةِ أنَّه يَجبُ على كلِ مسلمٍ يَدينُ بهذه العقيدةِ أنْ يواليَ أهلهَا ويعاديَ أعداءَها، فيحبُ أهلَ التوحيدِ والإخلاصِ ويواليهِم، ويُبغِضُ أهلَ الإشراكِ ويعاديهِم، وذلك من ملةِ إبراهيمَ والذين معه الذين أُمِرْنَا بالاقتداءِ بهم، حيث يقولُ سبحانه وتعالى: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة:4] . وهو منْ دينِ محمدٍ عليه الصلاةُ والسلامُ، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة:51] . وهذه في تحريمِ موالاةِ أهلِ الكتابِ خصوصًا، وقال في تحريمِ موالاةِ الكفارِ عمومًا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ [الممتحنة:1] . بل لقد حرَّم على المؤمنِ موالاةَ الكفارِ ولو كانوا من أقربِ الناسِ إليه نَسَبًا، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنْ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ [التوبة:23] ، وقال تعالى: لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ [المجادلة:22] "انتهى كلامه حفظه الله.
واسمع إلى هذه الآيات التي تُنبِّهُ بمطالبة المؤمنين بعدم موالاة اليهود والنصارى، وذلك لأن اليهود لا يوالون إلا اليهود، وأن النصارى لا يوالون إلا النصارى، وأنهم جميعًا يتبرؤون من المسلمين، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [آل عمران:118-120] .
وقد يشكك المرجفون بأن عقيدة الولاء والبراء تمثّل العنف وتمثّل الصورةَ المشوهة للإسلام، ولا شكّ في أنها إحدى أُسُس الدّين الإسلامي العظام، وهذا يعني أنّها لا بُدّ أن تصطبغ بصبغة الإسلام الكبرى، وهي الوسطيّةُ والسماحة والرحمة، فقد قال الله تعالى عن نبيّه: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107] .
فالولاء والبراء ما دام أنه من الإسلام فهو وَسطٌ وسَمْحٌ ورحمة، لا يشك في هذه النتيجة مسلم ولا غير مسلم إذا كان منصفًا.
ومع ذلك فلا بُدّ من بيان عدم تعارض معتقد الولاء والبراء مع مبادئ الوسطيّة والسماحة والرحمة، وذلك يظهر من خلال تعامل الرسول وأصحابه مع الكفار.
وهذا مثال على سماحة منهج الرسول وعلى عدم تعارض معاملته في عقيدة الولاء والبراء:
عن أبي رافع رضي الله عنه ـ وكان قبطيًّا ـ قال: بعثتني قريشٌ إلى رسول الله ، فلما رأيت رسول الله أُلقيَ في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول الله، إني والله لا أرجع إليهم أبدًا. وهذا يدل على حسن تعامل الرسول.
وهذا مثال آخر:
قال الرسول: (( من قَتَل معاهَدًا لم يَرَحْ رائحةَ الجنة، وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عامًا ) )رواه البخاري، وقال: (( أيُّما رجلٍ أمنَ رجلًا على دمه ثم قتله فأنا من القاتل بريء وإن كان المقتولُ كافرًا ) ).
ولمّا أهدى النبيُّ عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه حُلّةً ذاتِ قيمة أهداها عمر رضي الله عنه أخًا له بمكة كان مشركا. رواه البخاري.
قال تعالى: لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.
وبيان عدم تعارض تلك الآداب مع الولاء والبراء أن تلك الآداب إذا أردنا أن تكون شرعيّةً محبوبةً لله تعالى فيجب أن نلتزم بها طاعةً لأمر الله تعالى وأمر رسوله ، مع بُغض الكفار لكفرهم، ومع عدم نُصرة غير المسلمين على المسلمين، فنحن نلتزم بتلك الآداب لا حُبًّا للكفار، ولكن إقامةً للعدل والإحسان الذي أُمرنا به. فهل يعقل أولئك الذين لا يفقهون في دين الله عز وجل؟! ولو عقل أولئك كتاب الله وسنته كما عقلوا العلمانية والليبرالية والديموقراطية لسلمت أمة الإسلام من حقارة أفكارهم ودناءة فهمهم للكتاب والسنة.
قلت ما سمعتم، وأستغفر الله العلي العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله العلي العظيم، المنان الكريم، الواسع الحكيم، الرؤوف الرحيم، لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، أرسل إلينا محمدا بالهدى ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، اللهم صلِّ وسلِّم عليه وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار وكل من على منهجهم سار.
مما يجب علينا ـ أيها المسلمون ـ تجاه تيارات الإفساد التي تنفث تذويب هذه العقيدة مع إظهار اللباقة والسماحة في أساليبهم ما يلي:
1-وجوب ترسيخ معتقد الولاء والبراء بين المسلمين على الوجه الأكمل؛ لأنه بغيره لن يبقى للمسلمين باقية، فهو سياجُ أمانهم من الذوبان في الأديان والعقائد الأخرى.
2-وجوب تفقيه المسلمين بحقيقة الولاء والبراء، وأنه لا يُعارضُ آدابَ التعامل بالرفق واللطف المنضبطَين بالضابط الشرعي مع غير المسلمين.
3-ضرورةُ التأكيد على عدم تعارض الولاء والبراء مع سماحة الإسلام ورحمته ووسطيّته، ونَشْرُ ذلك في وسائل الإعلام المختلفة.
وصلوا وسلموا على خير خلق الله...