الرقاق والأخلاق والآداب
عبد الله بن فهد السلوم
بريدة
جامع الجردان
1-الحكمة من خلق الخلق وجزاء من أطاع الله وجزاء من عصاه 2- آثار الذنوب
3-حثُ الناس على لزوم الطاعة والحرص عليها
عباد الله: أوصي نفسي وإياكم بتقوى الله عز وجل وخوفه وطلب مرضاته، ففي التقوى النجاة، وفي الغفلة والتمادي والركون إلى طاعة النفس الخسران والهلاك.
أيها المسلمون: اعلموا أن الله سبحانه توعد العصاة وهدد الذين خرجوا عن أمره وتعمدوا مخالفته وأطاعوا أنفسهم وشياطينهم بأهوائهم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدود الله يدخله نارًا خالدًا فيها وله عذاب مهين والله عز وجل خلق الخلق لعبادته وطاعته والتسليم لأمره والرضا بحكمه، ليحصل لهم الأمن والطمأنينة والحياة الطيبة في هذه الدنيا ولتحصل لهم في الآخرة الجنة والنجاة من النار قال تعالى: من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون. قال ابن القيم رحمه الله في كتاب الفوائد: (اقشعرت الأرض، وأظلمت السماء، وظهر الفساد في البر والبحر من ظلم الفجرة، وذهبت البركات وقلت الخيرات وهزلت الوحوش وتكدرت الحياة من فسق الظلمة، وبكى ضوء النهار وظلمة الليل من الأعمال الخبيثة والأفعال الفظيعة، وشكى الكرام الكاتبون والمعقبات إلى ربهم من كثرة الفواحش وغلبة المنكرات والقبائح، وهذا والله منذر بسيل عذاب قد انعقد غمامه، ومؤذن بليل بلاء قد أدلهم ظلامه، فاعدلوا عن هذا السبيل(سبيل المعاصي) بتوبة نصوح ما دامت التوبة ممكنة وبابها مفتوح، وكأنكم بالباب وقد أغلق وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
عباد الله: وقال أيضًا رحمه الله: (إن عظمة الله تعالى في قلب العبد تقتضي تعظيم حرماته، وتعظيم حُرماته، يحول بينه وبين الذنوب، والمجترؤون على معاصيه ما قدروه حق قدره وكيف يقدره حق قدره، أو يعظمه ويجله من يهون عليه أمره ونهيه؟ وعلى قدر محبة العبد لله يحبه الناس، وعلى قدر خوفه من الله يخافه الناس، قال تعالى: ومن يهن الله فماله من مكرم.
وإن الذنوب والمعاصي تضر وضررها في القلوب ضرر السموم في الأبدان، وهل في الدنيا والآخرة شرور وداء إلا سببه الذنوب والمعاصي؟ فما الذي أخرج الأبوين من الجنة: دار اللذة والنعيم والبهجة والسرور إلى دار الألم والأحزان والمصائب؟ وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السموات والأرض وطرده ولعنه وبدل بالقرب بعدًا، وبالرحمة لعنة، وبالجمال قبحًا، وبالجنة نارًا تلظى، وبالإيمان كفرًا، وبموالاة الولي الغني الحميد أعظم عداوة ومشاقة، فهان على الله وسقط من رحمة الله، فصار قوادًا لكل فاسق ومجرم؟ وما الذي أغرق أهل الأرض كلهم حتى علا الماء فوق رؤوس الجبال (وهم قوم نوح) ؟ وما الذي سلط الريح العقيم على قوم عاد حتى ألقتهم موتى على وجه الأرض كأنهم أعجاز نخل خاوية، ودمرت ما مرت عليه من ديارهم وزروعهم ودوابهم حتى صاروا عبرةً للأمم إلى يوم القيامة؟ وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة حتى قطعت قلوبهم في أجوافهم وماتوا عن آخرهم؟ وما الذي رفع قرى اللوطية حتى سمعت الملائكة نبيح كلابهم ثم قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها، فأهلكهم جميعًا ثم اتبعهم حجارة من سجيل السماء؟ وما الذي أرسل على قوم شعيب سحاب العذاب كالظلل فلما صار فوق رؤوسهم أمطر عليهم نارًا تلظى؟ وما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر ثم نقلت أرواحهم إلى جهنم، فالأجساد للغرق، والأرواح للحرق؟ وما الذي خسف بقارون وداره وماله وأهله؟ وما الذي أهلك القرون من بعد نوح بأنواع العقوبات ودمرها تدميرًا؟ وما الذي أهلك قوم صالح بالصيحة حتى خمدوا عن آخرهم؟ وما الذي بعث على بني اسرائيل قومًا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وقتلوا الرجال وسبوا النساء؟
روى الإمام أحمد عن جبير بن نفير عن أبيه قال: (لما فتحت قبرص فرق أهلها فبكى بعضهم على بعض، فرأيت أبا الدرداء جالسًا وحده يبكي فقلت: يا أبا الدرداء ما يبكيك في يوم أعز الله في الإسلام وأهله؟ فقال: ويحك يا جبير ما أهون الخلق على الله عز وجل إذا أضاعوا أمره، بينما هي أمةُ قاهرة ظاهرة لهم الملك تركوا أمر الله، فصاروا إلى ما ترى) وعن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله: (( إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمهم الله بعذاب من عنده فقلت: يا رسول الله أما فيهم يومئذ أناس صالحون؟ قال: بلى، قلت: كيف يصنع بأولئك؟ قال:يصيبهم ما أصاب الناس ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان ) )وعن عبدالله بن عمر: (( كنت عاشر عشرة رهط من المهاجرين عند رسول الله فأقبل علينا رسول الله بوجهه فقال: يا معشر المهاجرين خمس خصال أعوذ بالله أن تدركوهن: ما ظهرت الفاحشة في قوم قط حتى أعلنوها إلا ابتلوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولا نقص قوم المكيال إلا ابتلوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان، وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولا نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوًا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تعمل أئمتهم بما أنزل الله في كتابه إلا جعل الله بأسهم بينهم ) )ابن ماجة، وذكر بعض أنبياء بني اسرائيل ما يصنع بهم بختنصر فقال: بما كسبت أيدينا سلطت علينا من لا يعرفك ولا يرحمنا.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (إنكم تعملون أعمالًا هي أدق في أعينكم من الشعر، وإن كنا لنعدها على زمن رسول الله من الموبقات) .
أيها المسلمون: إن الذنوب شؤمها عظيم على البلاد والعباد، وأثرها كبير، ومن الناس من يعلم أنه يذنب ويعصي ربه، ولا يرى لذلك أثرًا، فيظن أنه لا عقاب في الدنيا على الذنب، وهذا خطأ كبير، فإن الذنب لا ينسى.
ونظر بعض العباد إلى صبي فتأمل محاسنه، فأتى في منامه، وقيل له: لتجدن غمها بعد أربعين سنة، وقال سليمان التميمي: إن الرجل ليصيب الذنب في السر فيصبح وعليه مذلته، ومن خان الله في السر هتك الله ستره في العلانية.
عباد الله: للمعاصي من الآثار القبيحة المذمومة المضرة بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة مما لا يعلمه إلا الله، فمنها: حرمان العلم لأن العلم نور يقذفه الله في القلب، والمعصية تطفئ ذلك النور، ولما جلس الشافعي بين يدي مالك رحمهما الله وقرأ عليه أعجبه ما رأى من وفور فطنته وتوقد ذكائه وكمال فهمه فقال: إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورًا، فلا تطفئه بظلمة المعصية، ومنها حرمان الرزق كما أن تقوى الله مجلبة للرزق، فترك التقوى مجلبة للفقر، ومنها وحشة يجدها العاصي بينه وبين الله لا يقارنها لذة أصلًا، ولو اجتمعت له لذات الدنيا بأسرها لم تف بتلك الوحشة.
وشكى رجل إلى بعض العارفين وحشة يجدها في نفسه فقال له: إذا كنت قد أوحشتك الذنوب فدعها إذا شئت واستأنس. ومنها الوحشة التي تحصل بين العاصي وبين الناس، خصوصًا أهل الخير منهم، حتى تقع الوحشة بين أهله وولده وبينه، وبين نفسه. وقال بعض السلف: إني لأعصي الله فأرى ذلك في خلق دابتي وامرأتي.
ومن آثار الذنوب تعسير الأمور فلا يتجه العاصي لأمر إلا ويجده مغلقًا دونه أو متعسرًا عليه بخلاف من اتقى الله، فإن الله يجعل له من أمره يسرًا، ومنها ظلمة يجدها في قلبه حقيقة يحس بها كما يحس بظلمة الليل، قال عبد الله بن عباس رضي الله عنه: إن للحسنة ضياءً في الوجه، ونورًا في القلب، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة سوادًا في الوجه وظلمة في القبر، ووهنًا في البدن، ونقصًا في الرزق، وبغضًا في قلوب الخلق.
ومنها أن المعاصي توهن القلب والبدن لأن الفاجر وإن كان قوي البدن فهوأضعف شيء عند الحاجة، فتخونه قوته أحوج ما يكون إلى نفسه، فتأمل قوة أبدان فارس والروم كيف خانتهم أحوج ما كانوا إليها، وقهرهم أهل الإيمان بقوة أبدانهم وقلوبهم العامرة بالإيمان والتقوى، ومنها حرمان الطاعة، فالذنب يصد عن طاعة تكون بركة، فتنقطع عليه بالذنب طاعات كثيرة، كل واحدة منها خير من الدنيا وما عليها.
اللهم ياحي يا قيوم وفقنا لطاعتك التي ترضيك وجنبنا معاصيك وسد عنا كل طريق يوصل إليها ويرغب فيها، واجعلنا من أوليائك وأهل محبتك وطاعتك، اللهم إنا نسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين، نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم وبهدي سيد المرسلين، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله الهادي إلى كل خير، والآمر بكل معروف وبر وإحسان غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير.
عباد الله: قال ابن القيم: إن الطاعة هي حصن الله الأعظم الذي من دخله كان من الآمنين من عقوبات الدنيا والآخرة، ومن خرج عنه أحاطت به المخاوف من كل جانب، ومن خاف الله أمنه من كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه من كل شيء.
والطاعة توجب القرب من الرب سبحانه، وكلما اشتد القرب قوي الأنس، والمعصية توجب البعد من الرب، وكلما زاد العبد بعدًا قويت الوحشة.
عباد الله: إن الذنوب أمراض القلوب، ولا دواء لها إلا تركها بالاستعانة بالله، وقد أجمع السائرون إلى الله على أن القلوب لاتعطى مناها حتى تصل إلى مولاها، ولا تصل إليه حتى تكون صحيحة سليمة بمخالفة هواها الذي هو مرضها وشفاؤها مخالفته، ولا تتم سلامة العبد حتى يسلم من خمسة أشياء: من شك يناقض التوحيد، وبدعة تخالف السنة، وشهوة تخالف الأمر، وغفلة تناقض الذكر، وهوى يناقض التجريد، والإخلاص يعم، ولذلك تشتد على العبد الضرورة في أن يلح على ربه دائمًا ويسأله أن يهديه الصراط المستقيم، فإن الصراط المستقيم يتضمن علومًا وإرادات وأعمالًا وتروكًا ظاهرة وباطنة تجري عليه كل وقت، فتفاصيل الصراط المستقيم قد يعلمها العبد، وقد لا يعلمها، وما يعلمه قد يقدر عليه، وقد لا يقدر، وقد تريده نفسه، وقد لا تريده كسلًا وتهاونًا أو لوجود مانع، وما تريده النفس قد يفعله وقد لا يفعله، وما يفعله قد يقوم بشروط الإخلاص فيه، وقد لا يقوم، وما يكن مخلصًا فيه قد يكون متابعًا للرسول فيه وقد لا يكون، وما يتابع فيه قد يثبت عليه وقد يصرف قلبه عنه، وهذا كله واقع سار في الخلق، فمستقل ومستكتر، وليس في طباع العبد الهداية إلى ذلك كله، والرب تبارك وتعالى على صراط مستقيم في قضائه وقدره وأمره ونهيه وفي شأنه كله، فيهدي من يشاء إلى صراط مستقيم بفضله ورحمته، ويصرفه عمن يشاء بعدله وحكمته.
عباد الله: والمعاصي تمحق بركة العمر، فإذا أعرض العبد عن الله واشتغل بالمعاصي ضاعت عليه أيام حياته الحقيقية التي يجد غب إضاعتها يوم يقول: ياليتني قدمت لحياتي فعمر الإنسان هو مدة حياته ولا حياة له إلا بإقباله على ربه والتنعم بحبه وذكره وإيثار مرضاته.
ومن آثار المعاصي أنها تزرع أمثالها، ويولد بعضها بعضًا حتى يصعب على العبد مفارقتها، قال بعض السلف: إن من عقوبة السيئة السيئة بعدها، وإن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها حتى تصير الطاعات والمعاصي هيئات راسخة وصفات لازمة وملكات ثابتة، فلو عطل المحسن الطاعة لضاقت عليه نفسه وضاقت عليه الأرض بما رحبت، وأحس من نفسه بأنه كالحوت إذا فارق الماء حتى يعاودها، فتسكن نفسه وتقر عينه، ولو عطل العاصي المعصية وأقبل على الطاعة لضاقت عليه نفسه حتى يعاودها، حتى أن كثيرًا من الفساق ليواقع المعصية من غير لذة يجدها ولا داعية إليها إلا لما يجد من ألم مفارقتها.
عباد الله: فلنفتح على أنفسنا أبواب الطاعات فلا يزال العبد يعاني الطاعة ويجاهد عليها حتى يألفها ويحبها حتى يرسل الله برحمته عليه الملائكة تؤزه إليها أزًا وتحرضه عليها وتزعجه عن فراشه ومجلسه إليها.
ومن آثار المعاصي: أنه ينسلخ من القلب استقباحها، فتصير له عادة فلا يستقبح من نفسه رؤية الناس له ولا كلامهم فيه قال: (( كل أمتي معافى إلا المجاهرون ) ).
ومنها: أن كل معصية من المعاصي فهي ميراث من الأمم التي أهلكها الله عز وجل (( من تشبه بقوم فهو منهم ) ).
ومنها: أن المعصية سبب لهوان العبد على ربه وسقوطه من عينه، فتورثه المعصية الذل ولابد، فإن العز كل العز في طاعة الله من كان يريد العزة فلله العزة جميعًا أي فليطلبها بطاعة الله، ومن دعاء بعض السلف: اللهم أعزني بطاعتك ولا تذلني بمعصيتك، وقال الحسن: إنهم وإن طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين، فإن ذل المعصية لا يفارق قلوبهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه.
ومنها: أن الذنوب إذا تكاثرت طبع على قلب صاحبها، فكان من الغافلين كما قال بعض السلف في قوله تعالى: كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون قال الحسن: هو الذنب على الذنب، حتى يعمى القلب، لأن القلب يصدأ من المعصية، فإذا زاد غلب الصدأ حتى يصير رانًا ثم يغلب حتى يصير طبعًا وقفلًا وختمًا، فحينئذ يتولاه عدوه ويسوقه حيث أراد.
ومنها: أن الذنوب تدخل صاحبها تحت لعنة الرسول فإنه لعن على معاصي كثيرة.
ومنها: حرمان دعوة الرسول ودعوة الملائكة، فإن الله أمر نبيه أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات.
ومنها: أن المعاصي سبب للفساد في الأرض في المياه والهواء والزرع والثمار والمساكن، ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون والمراد بالفساد الذنوب وموجباتها، وإنما أذاقنا الشيء اليسير من أعمالنا، فلو أذاقنا كل أعمالنا لما ترك على ظهرها من دابة.
ومنها: أن المعصية تطفئ من القلب نار الغيرة التي هي لحياته وصلاحه كالحرارة الغريزية لحياة جميع البدن، ولهذا كان النبي أغير الخلق على الأمة والله سبحانه أشد غيرة منه قال: (( أتعجبون من غيرة سعد؟ لأنا أغير منه والله أغير مني ) ) [رواه البخاري ومسلم] . ومن استحى من الله عند معصيته استحى الله من عقوبته يوم يلقاه، ومن لم يستح من الله تعالى من معصيته لم يستح الله من عقوبته.
ومنها أن المعاصي تسقط الجاه والكرامة، وتسلب أسماء المدح والشرف، وتكسوه الذم والصغار، فتسلبه إسم المؤمن والبر والمحسن والتقي والمطيع والمنيب والولي والمصلح والعابد والأواب والطيب وغيرها، وتكسوه اسم الفاجر العاصي والمسيئ واللوطي والزاني وشارب الخمر والسارق والقاتل والخائن والكذاب والغادر والعاق وقاطع الرحم، فهذه أسماء الفسوق، بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان، التي توجب غضب الديان ودخول النيران وعيش الخزي والهوان.
أيها المسلمون: هذا قليل من كثير من آثار المعاصي ونتائجها، فيامن تعصي ربك عالمًا ذاكرًا مختارًا ماذا تريد؟ هل تريد العذاب والغضب؟ وهل تظن أن الحساب على غيرك وأنت متروك؟ أم هل أنت في شك من الوعيد؟ ولماذا التسويف هل ستعلم كم أيامك القادمة لتتوب في آخرها؟ أم هل غرتك صحتك وإمهال الله لك؟ أجب عن هذه الأسئلة؟ فلماذا يظلم العبد نفسه ويعصي خالقه ومولاه ويطيع عدوه؟ وماذا ينتظر العاصي وهو مقيم على غيه وضلاله وغفلته وإعراضه؟ أي شيء يريد وماذا ينتظر؟ وهو يعلم أن الله غاضب عليه ويتوعده ويهدده إنه من يأت ربه مجرمًا فإن له نار جهنم لا يموت فيها ولا يحي وماذا أنتظر - وقد ضيعت أيامي باللهو والتفريط والميل - إذا دنى مني أجلي! فهل من توبة قبل الموت؟ وهل من رجوع إلى الله قبل فوات؟ الأوان وهل من يقظة لإعادة المحاسبة؟
فيامن تعصي ربك مهما كانت معصيتك صغيرة أم كبيرة ضع خد ضراعتك وذلك وانكسارك على عتبة سيدك ومولاك، فكم من معصية ساقت العبد إلى مولاه، فرجع إليه منكسًا رأسه، حزينًا على تفريطه في جنب الله، نادمًا منكسرًا، وأشهدته تلك المعصية فقره وضرورته إلى حفظ سيده الرؤوف الرحيم إلى عفوه عنه ومغفرته له، وأخرجت من قلبه صولة الطاعة وكسرت أنفه أن يشمخ به أو يتكبر أو يرى نفسه خيرًا من غيره وأوقفته بين يدي ربه موقف الخاطئين المذنبين مستحيًا خائفًا منه محتقرًا لطاعته مستعظمًا لمعصيته عرف نفسه بالنقص والذم، وعرف ربه بالتفرد والكمال والفضل والحمد، فإن الذنب مهما صغر فإنه قبيح في مقابلة العظيم سبحانه الذي لا شيء أعظم منه، الجليل الذي لا أجل منه، المنعم بجميع النعم دقيقها وجليلها، فإن مقابلة الله بالمعاصي تعد من أقبح الأمور وأفظعها وأبشعها.