الرقاق والأخلاق والآداب
التوبة, الموت والحشر
محمد بن علي الغروي
الشقيق
جامع أبي بكر
1-الموت حق. 2- اختلاف الناس عند الموت. 3- قصص لحسن خاتمة بعض التائبين. 4- قصص لسوء خاتمة بعض أهل المعاصي.
وبعد: عباد الله، اتقوا الله يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [الحج: 1] ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: 102] .
أيها المسلمون، قال الله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن: 26، 27] ، ويقول سبحانه: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [العنكبوت: 57] .
فالموت ـ عباد الله ـ مصير كل حي، الموت نهاية كل إنسان، لا يفرق بين صغير وكبير، ولا بين حاكم ومحكوم، ولا بين شريف ووضيع، كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران: 185] . يفر ويهرب منه الجميع وهو يطلبهم، قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الجمعة: 8] .
هو الموت ما منه ملاذٌ ومهرب متَى حُطّ ذا عن نعشه ذاك يركب
نشاهد ذا عين اليقين حقيقة عليه مضى طفلٌ وكهلٌ وأشيب
عبد الله، يقول الشاعر:
تزود من التقوى فإنك لا تدري إذا جنّ الليل هل تعيش إلى الفجر
فكم من عروس زينوها لزوجها وقد أخذت أرواحهم ليلة القدر
وكم من صغار يرتجى طول عمرهم وقد أدخلت أرواحهم ظلمة القبْر
وكم من فتًى يمسي ويصبح لاهيا وقد نسجت أكفانه وهو لا يدري
وكم من ساكن عند الصباح بقبْره وعند المسا قد كان من ساكنِي القبْر
فداوم على تقوى الإله فإنها أمان من الأهوال في موقف الحشر
ويقول الآخر:
الموت فِي كل يوم ينشر الكفنا ونحن فِي غفلة عما يراد بنا
لا تطمئن إلَى الدنيا وبهجتها وإن توشحت من أثوابه الْحسنا
أين الأحبة والجيران؟ ما فعلوا؟ أين الذين كانوا لنا سكنا؟!
سقاهم الْموت كأسا غيْر صافية فصيرتْهم لأطباق الثرى رهنا
الموت لا خلاف فيه ولا ينكره أحد منا، وليست هذه قضيتنا، ولا الموت موضوعنا، فقد سبق لنا مع الموت خطب ووقفات، لكن قضيتنا: ما مواقف الناس عندما يحلّ بهم الموت؟ هل يستوون؟ لا، لا والله، لا يستوون.
عباد الله، الأمر الأدهى من الموت هو ما هي الحال الذي يموت عليها العبد من حسن خاتمة أو سوئها، ومن محبة لقاء الله أو كراهيته، ومن حسن الظن بالله أو عدمه. إن بين الناس في مشاهد الاحتضار وقبل الموت بساعات أو دقائق مشاهد شتى وأمورا مختلفة، نحن اليوم مع قصة النهاية، نعم النهاية التي لطالما غفلنا عنها أو تغافلنا مع استيقاننا بها أشد اليقين، إنها اللحظات الأخيرة التي يكون فيها الزفير في أشدّه والروح في طريقها للخروج، والمهم هنا وقبل الوداع وفي الدقائق الأخيرة من العمر بماذا سيتلفظ الإنسان؟ وعلى ماذا سيموت؟
أيها الإخوة، للناس قبل الموت مواقف، فمنهم من حسُن عمله فيختم له بخير، فيموت مصليا راكعا أو ساجدا أو قارئا للقرآن تاليا متدبّرا أو معتمرا أو حاجا ملبيا، ونستعرض وإياكم في هذه الدقائق بعضا من الصور الحسنة لمن هداهم الله للصلاح، وثبتهم على دينه إلى الممات، فحسنت لهم الخاتمة، وكسبوا خير الآخرة.
عباد الله، الشيطان يغتنم غفلة القلب وظلامه وضعفه ليستولي عليه، وممن استحوذ عليهم الشيطان فترة من الزمن ثم أيقظ الله قلوبهم ونور بصائرهم فحسنت خاتمتهم ما ذكره أحد الفضلاء الأخيار أن شيخًا من المدينة كان يحدّث عن شيخ نبيل يذهب إلى الدعوة إلى الله خارج البلاد، وفي إحدى سفراته رأى شابين يريدان السفر إلى بلاد الانحلال، وغيَّرا هيئتهما، فلبسا لباس الإفرنج، وينتظران الطائرة على أحرّ من الجمر، وكانا في ريعان الشباب، لا يتجاوزان الخامسة والعشرين. يقول الداعية: فسألت نفسي وقلت: إلى أين يذهبون؟ وفي أي وحل يتلطخون؟ وعلمت أنهما ذاهبان إلى بلد لا يذكر فيه اسم الله، بلد اشتهر بالخنا والزنا والفجور والخمور، يقول: فتاقت نفسي إلى نصيحتهم لعل الله أن ينقذهما على يدي، وتردّدت في أول الأمر، وأصابني نوع من الحياء والخجل، وأراد الشيطان أن يثنِيَني عن دعوتهما وإرشادهما وإنقاذهما وهدايتهما للدلالة والإرشاد، ولكني تذكرت أن الله تعالى أخذ علينا الميثاق بالنصح والبيان. يقول الداعية: فعزمت على دعوتهما ونصحهما، فاقتربت منهما ثم سلمت عليهما وقلت: إلى أين السفر؟ قالا: إلى البلد الفلاني، فقلت لهما: وما الغرض من السفر؟ قالا: للنزهة والترويح عن النفس واستجابة لداعي الهوى. يقول: فتأثرت لذلك أعظم التأثر وقلت لهما: ما موقفكما لو سقطت بكما الطائرة أو احترقت ومات من فيها وأنتما منهم؟! ما الذي تقابلان الله تعالى به؟! هل استعددتما للموت وأخذتما له عدته وأهبته؟! هل علمتما أنكما ستعودان إلى الله تعالى وأنه سيسألكما عن عمريكما وشبابكما: ماذا أفنيتماه فيه وأبليتماه فيه؟! يقول: وأهلت عليهما وابلا من الوعظ والإرشاد، ففكرا قليلا ثم قالا: يا شيخ، قد علمنا خطر الذهاب إلى بلاد الانحلال والفجور، ولكن ما السبيل والخلاص من ذلك؟ قلت لهما: ابقيا في بلاد المسلمين ومع المسلمين، واستفيدا من توجيهات الإسلام، واسألا العلماء، واصحبا أهل الخير والصلاح، فقالا: كيف نعود وقد ذكرنا لأهلنا سفرنا وعودتنا صعبة؟! فقلت لهما: عودا مع هذا الشاب الذي خرج لتوديعي، فإنه سيدلّكما على الطريق المستقيم، فسمعا نصيحتي، وعادا مع ذاك الشاب الموفّق، فدلهما بالعودة إلى البيت الحرام والصلاة في المسجد الحرام والمتاجرة الرابحة مع الرب تعالى، فوافقا على ذلك، وسهرا معه تلك الليلة على مائدة ذكر وجلسة علم. وبعد صلاة الفجر يمّما وجهيهما شطر المسجد الحرام، مضيا في ذكر وتسبيح ودعاء، قالا: هذه الراحة التي نعيشها هذه اللحظات كنا في بعد عنها، ولما وصلا إلى الميقات أحرما منه، وأخذا يلبيان:"لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك"، وقد كانوا قبل ذلك يلبون للهوى والشهوة، فسبحان مقلب القلوب والأبصار! توجها للحرم المكي الشريف ولساناهما لا يفتران أو يتوقفان من التلبية، وفي منعطف من المنعطفات انقلبت بهما السيارة، فماتا جميعا ولساناهما بذكر الله يلهجان، وودعا الدنيا بلباس الإحرام، ويسر الله لهما طريق الهداية، وصرفهما عن طريق الغواية، ورزقهما حسن الخاتمة. ولم يكن بين موتهما وبين عزمهما على السفر لبلاد الفجور إلا يوم أو قريب منه، وهذا الفضل نالاه بتوفيق الله ثم بمصاحبة الأخيار، فما أحلاها من توبة، وما أحسنها من خاتمة.
ولعل مثل هذه القصة قصة رجل سكن في حي من الأحياء، وكان جاره من الصالحين، وقد لاحظ هذا الجار عدم صلاة جاره الجديد في المسجد، فساءه الأمر، وذهب إليه، وحياه ودعاه إلى وليمة، ثم زاره أخرى ودعاه للصلاة في المسجد، فالتمس أعذارا واهية لا تبرئه أمام الله، وكرر عليه النصيحة عدة مرات حتى قال المتخلف عن الصلاة: سأذهب معك لصلاة المغرب، ولا تدعوني بعدها، فوافق، وبعد انتهاء الصلاة قام أحد الواعظين يعظ، وأطال موعظته إلى العشاء، وتكلم عن صلاة الجماعة وأهميتها، وحان وقت صلاة العشاء، فصليا مع المسلمين ثم خرجا من المسجد، فقال المتخلف عن الصلاة لجاره: جزاك الله عني خيرا، وإني نادم أشدّ الندم على ما مضى من الحياة، ولكن ـ يا جاري ـ أريد منك تلبية طلبي، قال: وما هو؟ قال: أن توقظني لصلاة الفجر حتى أصلّي مع الجماعة في المسجد، ثم ودعه ومضى إلى منزله ودخل داره، فلما رأته زوجته استغربت سرعة مجيئه؛ لأنه كان من أهل السهر الطويل على المعصية، ففرحت بدخوله، وفاجأها بقوله: أيقظيني لصلاة الفجر، فبكت من شدة الفرح وقالت: الحمد لله مقلب القلوب والأبصار، يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وذهب هذا التائب إلى فراشه ونام النومَة الصغرى ثم النومة الكبرى، وأذن لصلاة الفجر، فخرج جاره إلى المسجد ومر عليه ليوقظه، وطرق الباب ففتحت زوجته وقالت: قد أيقظته فما استيقظ، ولم تستغرب المرأة ذلك بناء على سابق عهده؛ إذ كان لا يستيقظ لصلاة الفجر، وحاول جاره إيقاظه بكل وسيلة ولكن دون جدوى، فتلمس حواسه وحرّكه فوجده قد مات، ولعله أن يكون من التائبين إلى الله، ولعل توبته نصوح، ونسأل الله أن يجزيه بالإحسان إحسانا وبالإساءة عفوا وغفرانا، صلى المغرب والعشاء ونوى الفجر مع الجماعة، ما أحلاها من توبة وما أحسنها من خاتمة.
عباد الله، وممن حسنت لهم الخاتمة شاب معاكس وقد حدثت هذه القصة في أسواق العويس بالرياض، يقول أحد الصالحين: كنت أمشي في سيارتي بجانب السوق، فإذا شاب يعاكس فتاة، يقول: فترددت هل أنصحه أم لا؟ ثم عزمت على أن أنصحه، فلما نزلت من السيارة هربت الفتاة، والشاب خاف؛ توقعوا أني من الهيئة، فسلمت على الشاب وقلت: أنا لست من الهيئة ولا من الشرطة، وإنما أخٌ أحببت لك الخير، فأحببت أن أنصحك، ثم جلسنا وبدأت أذكره بالله حتى ذرفت عيناه، ثم تفرقنا وأخذت تلفونه وأخذ تلفوني، وبعد أسبوعين كنت أفتّش في جيبي فوجدت رقم الشاب فقلت: أتّصل به وكان وقت الصباح، فاتصلت به قلت: السلام عليكم فلان هل عرفتني؟ قال: وكيف لا أعرف الصوت الذي سمعت به كلمات الهداية وأبصرت النور وطريق الحق؟! فضربنا موعدا للقاء بعد العصر, وقدّر الله أن يأتيني ضيوف, فتأخرت على صاحبي حوالي الساعة، ثم ترددت هل أذهب له أو لا، فقلت: أفي بوعدي ولو متأخرا, وعندما طرقت الباب فتح لي والده فقلت: السلام عليكم، قال: وعليكم السلام، قلت: فلان موجود؟ فأخذ ينظر إليّ، قلت: فلان موجود؟ وهو ينظر إلي باستغراب، قال: يا ولدي، هذا تراب قبره قد دفناه قبل قليل، قلت: يا والد، قد كلمني الصباح! قال: صلى الظهر ثم جلس في المسجد يقرأ القرآن وعاد إلى البيت ونام القيلولة، فلما أردنا إيقاظه للغداء فإذا روحه قد فاضت إلى الله، يقول الأب: ولقد كان ابني من الذين يجاهرون بالمعصية، لكنه قبل أسبوعين تغيرت حاله وأصبح هو الذي يوقظنا لصلاة الفجر بعد أن كان يرفض القيام للصلاة ويجاهرنا بالمعصية في عقر دارنا، ثم منّ الله عليه بالهداية، ثم قال الرجل: متى عرفت ولدي يا بني؟ قلت: منذ أسبوعين، فقال: أنت الذي نصحته؟! قلت: نعم، قال: دعني أقبّل رأسا أنقذ ابني من النار، فما أحلاها من توبة وما أحسنها من خاتمة.
ومثله توبة محمد، يقول أحد الشباب: نحن مجموعة من الشباب ندرس في إحدى الجامعات، وكان من بيننا صديقٌ عزيزٌ يقال له: محمد، كان محمد يحيي لنا السهرات ويجيد العزف على النّاي حتى تطرب عظامنا، والمتفق عليه عندنا أن سهرة بدون محمد سهرةٌ ميتة لا أنس فيها، مضت الأيام على هذا الحال، وفي يوم من الأيام جاء محمد إلى الجامعة وقد تغيّرت ملامحه، ظهر عليه آثار السكينة والخشوع، فجئت إليه أحدّثه فقلت: يا محمد، ماذا بك، كأن الوجه غير الوجه؟! فرد عليه محمد بلهجة عزيزة وقال: طلّقت الضياع والخراب، وإني تائبٌ إلى الله، فقال له الشاب: على العموم عندنا الليلة سهرة لا تفوّت، وسيكون عندنا ضيفٌ تحبه، إنه المطرب الفلاني، فردّ محمد عليه: أرجو أن تعذرني فقد قررت أن أقاطع هذه الجلسات الضائعة، فجنّ جنون هذا الشاب، وبدأ يرعد ويزبد، فقال له محمد: اسمع يا فلان، كم بقي من عمرك؟ ها أنت تعيش في قوة بدنية وعقلية، وتعيش حيوية الشباب، فإلى متى تبقى مذنبًا غارقًا في المعاصي؟! لِمَ لا تغتنم هذا العمر في أعمال الخير والطّاعات؟! وواصل محمد الوعظ، وتناثرت باقة من النصائح الجميلة من قلبٍ صادق من محمد التائب: يا فلان، إلى متى تسوّف؟! لا صلاة لربك، ولا عبادة، أما تدري أنك قد تموت اليوم أو غدًا؟! كم من مغترٍّ بشبابه وملك الموت عند بابه! كم من مغترّ عن أمره منتظرًا فراغ شهره وقد آن انصرام عمره! كم من غارقٍ في لهوه وأنسه وما شعر أنه قد دنا غروب شمسه! يقول هذا الشاب: وتفرّقنا على ذلك، وكان من الغد دخول شهر رمضان، وفي ثاني أيام رمضان ذهبت إلى الجامعة لحضور محاضرات السبت، فوجدت الشباب قد تغيّرت وجوههم، قلت: ما بالكم؟! قال أحدهم: محمدٌ بالأمس خرج من صلاة الجمعة فصدمته سيارة مسرعة، لا إله إلا الله! توفاه الله وهو صائم مصلّي، الله أكبر! ما أجملها من خاتمة. قال الشاب: صلينا على محمّد في عصر ذلك اليوم، وأهلنا عليه التراب، وكان منظرًا مؤثرًا.
عباد الله، هؤلاء الشباب، نعم أغواهم شيطانهم في يوم من الأيام، ولكن كان أن تابوا فأصلح الله لهم التوبة وأحسن له الخاتمة. فهلموا ـ عباد الله ـ إلى توبة ختامها مسك وإحسان.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
عباد الله، استعرضنا وإياكم في الخطبة الماضية بعض القصص لمن حسنت لهم الخاتمة، ونحن في هذه الدقائق المعدودة نطلّ بكم على الطرف النقيض، فكما أن من الناس من يتوب ويصلح حاله فختم الله له بخير، إلا أن هناك من الناس من لا يرجع عن غيه ولا يتوب من فعله حتى تأتيه مصيبة الموت ويدركه ما لا مفرّ منه الأجل المحتوم والقدر المكتوب وهو بلا زاد ولا إحسان.
هذا عرض سريع لبعض القصص مع بعض من عاش في المعصية وشرب من كأس الموت وسوء الخاتمة:
ذكر هشام عن أبي حفص قال: دخلتُ على رجلٍ بالمصّيصة ـ مدينة على شاطئ جيحان ـ وهو في الموت، فقلت: قل: لا إله إلا الله، فقال: هيهات حيل بيني وبينها. وقيل لآخر: قل: لا إله إلا الله، فقال: شاه رخ ـ اسمان لحجرين من أحجار الشطرنج؛ لأنه في حياته كان مفتونًا به ـ غلبتك ثم مات. وقيل لآخر: قل: لا إله إلا الله، فجعل يهذي بالغناء ويقول: تِنتِنا تنتنا حتى مات. وقيل لآخر: قل: لا إله إلا الله، فقال: ما ينفعني ما تقول، ولم أدع معصية إلا ارتكبتها، ثم مات ولم يقلها. وقيل لآخر ذلك، فقال: وما يغني عنّي وما أعرف أني صليت لله صلاة، ثم قُضي ولم يقلها.
ومثلهم شابٌ في سكرات الموت يقولون له: قل: لا إله إلا الله، فيقول: أعطوني دخانًا، فيقولون: قل: لا إله إلا الله، فيقول: أعطوني دخانًا، فيقولون: قل: لا إله إلا الله؛ علّه يختم لك بها، فيقول: أنا بريءٌ منها، أعطوني دخانًا. وشابٌ آخر كان صادًّا ونادًّا عن الله سبحانه وتعالى، وحلت به سكرات الموت التي لا بد أن تحلّ بي وبك، جاء جُلاّسه فقالوا له: قل: لا إله إلا الله، فيتكلم بكلّ كلمة ولا يقولها، ثمّ يقول في الأخير: أعطوني مصحفًا، ففرحوا واستبشروا وقالوا: لعله يقرأ آية من كتاب الله فيختم له بها، فأخذ المصحف ورفعه بيده وقال: أشهدكم إني قد كفَرت بربّ هذا المصحف.
ووقع حادث في مدينة الرياض على إحدى الطرق السريعة لثلاثة من الشباب كانوا يستقلون سيارة واحدة، تُوفي اثنان وبقي الثالث في الرمق الأخير، يقول له رجل المرور الذي حضر الحادث: قل: لا إله إلا الله، فأخذ يحكي عن نفسه ويقول: أنا في سَقَر، أنا في سقر، حتى مات على ذلك.
أيها المسلمون، ما عرِضَت هذه القصص لنقل الغرائب والعجائب من قصص أولئك، لكنها نقلت للعبرة والعظة، فاختاروا لأنفسكم طريقا بيّنا وصراطا مستقيما تحيون عليه في دنياكم؛ حتى تلاقوا ربكم وهو راض عنكم، وينالكم من الختام مسكه.
نسأل الله حسن الختام والجنة يوم المعاد، اللهم آمين.
عباد الله، هذا وصلو وسلموا على خير البرية...