فهرس الكتاب

الصفحة 3741 من 5777

تفسير وفضائل سورة الإخلاص والتوحيد

التوحيد, العلم والدعوة والجهاد

الأسماء والصفات, القرآن والتفسير

فرج بن حسن البوسيفي

بنغازي

الأرقم بن أبي الأرقم

1-كثرة نعم الله تعالى على عباده. 2- القرآن من أعظم نعم الله على المسلمين. 3- أهمية معرفة فضائل سور القرآن وآياته. 4- المفاضلة بين سور القرآن. 5- سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن. 6- سورة الإخلاص حِرز من الشيطان ونزغاته ومن كل سوء. 7- الحكمة في اختصاص سورة الإخلاص بهذه الفضائل. 8- الحث على تأمّل المعاني السامية التي تضمنتها السورة.

لقد مَنّ الله علينا إذ أرسل فينا نبيه محمدًا ، وزاد فضله وخيره سبحانه إذ أنزل الكتاب ليفتح به أعينًا عُميًا وآذانًا صُمًّا، ويهدي به من الظلمات إلى النور، وجعل الله كتابه شفاءً للأمراض ولوساوس الصدور، وجعله شفاعة لأصحابه يوم القيامة وقبل النشور، وزادت نعمة الله علينا حتى قال سبحانه: وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا [إبراهيم:34] .

فمن نعم الله علينا أن القرآن نزل عربيًا بلساننا، إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الزخرف:3] ، وكلماته سهلة ميسّرة، وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ [القمر:17] ، وأخبر ربّ العباد أنه شفاء من كل داء: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاء [فصلت:44] ، وفضائل القرآن لا تحويها خطب الخطباء ولا كتب المؤلفين، ولا تسعها بلاغة الأدباء، وقد ذكر الله عز وجل في سورة الفرقان شكوى النبي من قومه إذ أعرضوا عن القرآن واستبدلوه بما صنعه ولد الإنسان: وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا [الفرقان:30] .

لقد جاءت أحاديث عظيمة كثيرة صحيحة صريحة ممن لا ينطق عن الهوى ترغّب في قراءة سورٍ وآيات، وما صدر ذاك من مشكاة النبوة إلا ترغيبًا في المحافظة على قراءة ما ذُكِرت فضيلته من القرآن، وهذا لا يعني أن لبعض سور وآيات القرآن فضائل دون سائر القرآن، فقد قال الله عز وجل: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ [الإسراء:82] ، فكلمة (مِن) تفيد الجنس، أَي: وننزّل من جنس القرآن، أيّ آية من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين.

حُدّث أن رجلًا سمع رجلًا يقرأ: (قل هو الله أحد) سورة الإخلاص يردّدها، فلما أصبح جاء إلى النبي فذكر ذلك له، وكان الرجل يتقالّها ـ أي: يراها قليلة ـ، فقال النبي: (( والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن ) )، وقال لأصحابه: (( أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟ ) )فشقّ ذلك عليهم وقالوا: أينا يطيق ذلك يا رسول الله؟! فقال: (( الله الواحد الصمد ثلث القرآن ) ). وأمر الصحابة أن يحتشدوا، فقال: (( احْشُدوا، فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن ) )، فحَشَد من حَشَد، ثم خرج نبي الله فقرأ: قُلْ هُوِ اللهُ أَحَدٌ السورة ثم دخل، قال أبو هريرة: فقال بعضنا لبعض: قال رسول الله: (( فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن ) )، إني لأرى هذا خبرًا جاء من السماء، ثم خرج نبي الله فقال: (( إني قلت: سأقرأ عليكم ثلث القرآن، ألا وإنها تعدل ثلث القرآن ) ).

وقال لأحد الصحابة: (( قل ) )، قال: ما أقول؟ قال: (( قل هو الله أحد والمعوذتين حين تمُسي وحين تصبح ثلاثًا تكفيك كل شيء ) )، وعن عقبة بن عامر قال: لقيت رسول الله فابتدأته فأخذت بيده فقلت: يا رسول الله، بم نجاة المؤمن؟ قال: (( يا عقبة، أخرس لسانك، وليسعك بيتك، وابكِ على خطيئتك ) )، قال: ثم لقيني رسول الله فابتدأني فأخذ بيدي فقال: (( يا عقبة بن عامر، ألا أعلّمك خير ثلاث سور أنزلت في التوراة والإنجيل والزبور والقرآن العظيم ) )، قال: قلت: بلى جعلني الله فداك، قال: فأقرأني قُلْ هُوِ اللهُ أَحَدٌ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْنَّاسِ ، قال: فما نسيتهنّ منذ قال: (( لا تنسهنّ ) )، وما بتّ ليلة قطّ حتى أقرأهن. قال عقبة: ثم لقيت رسول الله فابتدأته فأخذت بيده فقلت: يا رسول الله، أخبرني بفواضل الأعمال؟ فقال: (( يا عقبة، صِل من قطعك، وأعط من حرمك، وأعرض عمن ظلمك ) ).

وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي كان إذا آوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفّيه ثم نفث فيهما وقرأ: قُلْ هُوِ اللهُ أَحَدٌ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْنَّاسِ ، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات.

هذه بعض الأحاديث المرغّبة في الإدمان على قراءة سورة الإخلاص، والسبب في ذلك أن هذه السورة قد جمعت معاني من اعتقدها حرّم الله عليه النار، ولأن هذه السورة وأختيها الفلق والناس حصن حصين من جميع ما يخشاه المؤمن ويحذره، فالإنسان في طبيعته البشرية يطرأ عليه الخوف، ويُصاب أحيانًا بشتّى أنواع المصائب والابتلاءات، ونحن العرب ـ وللأسف ـ لا زلنا نلجأ إلى السحرة والمشعوذين، ويتعلق كثير منّا بالأسباب الواهيات، ويترك الرجوع إلى كتاب الله الكريم. فهذا رسول الله كان يحافظ على قراءة المعوذتين والإخلاص عندما يأوي إلى فراشه، وما ذاك إلا درس لنا في أن نتحصّن بكتاب الله، ونتمسّك بهدى رسول الله.

وزاد فضل الله علينا أن جعل هذه السور قصيرة، وكلماتها سهلة يسيرة، لا تتطلب منك جهدًا ولا عناءً، إنما المطلوب منك ـ أيها المؤمن ـ أن تدمن قراءتها؛ لتكون لك حصنًا من الأمراض النفسية والوساوس الشيطانية، وتكون بقراءتها قد استحضرت في قلبك أروع معان جاء الرسول لنشرها، ومن أجلها طُرد وعُذّب وأهين وشُرّد، بقي في مكة ثلاث عشرة سنة يدعوهم بأن الله أحد، فرد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد.

عند قيادتك لسيارتك أو في أي وقت فراغ رطّب لسانك بذكر الله، وأكثِر في هذه الأوقات من قراءة المعوذتين والإخلاص، ودُم على ذلك، وستزداد في النور والبهاء.

إذا استحضرت مع هذه التلاوة معاني الآيات فاستحضِر عند قراءتك: قُلْ هُوِ اللهُ أَحَدٌ أن الله الواحد الأحد الذي لا نظير له ولا وزير، ولا ند له ولا شبيه ولا عديل، فهو سبحانه الكامل في جميع صفاته وأفعاله، إذا اعتقدت ذلك: أن الله الواحد الأحد الذي لا نظير له ولا وزير، ولا ند له ولا شبيه ولا عديل، فهو سبحانه الكامل في جميع صفاته وأفعاله، فأنت تخالف اليهود في قولهم: عُزير ابن الله، وتخالف النصارى في قولهم: المسيح ابن الله، وتخالف المجوس في عبادتهم الشمس والقمر، وتخالف المشركين في عبادتهم الأوثان، فاستحضر هذا المعنى عند قراءتك: قُلْ هُوِ اللهُ أَحَدٌ ، واستحضر عند قولك: اللهُ الصَّمَدُ أن الله هو السيد الذي كَمُل في سُؤْدَدِه، والشريف الذي كَمُل في شرفه، والعظيم الذي قد كَمُل في عظمته، والحليم الذي قد كَمُل في حِلمه، والعليم الذي قد كَمُل في علمه، والحكيم الذي كَمُل في حكمته، وهو الذي قد كَمُل في أنواع الشرف والسُؤْدد. سبحان من يصمد إليه العباد في قضاء حوائجهم. سبحان الصمد الذي لا جوف له، ولا يأكل ولا يشرب، وهو الباقي في خلقه الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد.

سبحان من ليس له ولد ولا والد ولا زوجة، بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ [الأنعام:101] ، فهو سبحانه مالك كل شيء وخالقه، فكيف يكون له من خلقه نظير يساميه أو قريب يدانيه؟! وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا [مريم:88-95] ، وقال ربّ العزة: (( كذّبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليَّ من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحد الصمد، لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفوًا أحد ) ).

فاحمدوا الله ـ أيها المؤمنون ـ على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت