الرقاق والأخلاق والآداب
أمراض القلوب
فريح بن محمد الفريح
الذيبية
جامع بلدة السمار
1-القلب السليم. 2- القلب الميت. 3- القلب المريض. 4- علاج القلب المريض.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله وأصلحوا قلوبكم يصلح لكم أعمالكم ويمدد لكم في آجالكم وييسر لكم الخير في دنياكم وأخراكم.
عباد الله، قلب الإنسان عليه مدار صلاح العمل وفساده.
والقلوب ـ يا عباد الله ـ ثلاثة:
1-قلب صحيح، وهو القلب السليم الذي ينفع صاحبه عند ربه، وينجيه من عذابه يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. وهذا القلب هو قلب أهل الإيمان والتقوى، المطيعين لله ورسوله، الذين قدموا محبة الله على محبة ما سواه، قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ.
2-وقلب ميت، وهو قلب أهل الكفر والنفاق الذين لم يدخل قلوبهم الإيمان، ولم يرد الله بهم خيرًا، أعرضوا عن الله وعن رسوله، واتبعوا الشيطان والهوى، فلا هادي لهم بعد الله، ولا منجي لهم من عذاب الجحيم، أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ.
عباد الله، بالعمل الصالح تحيا القلوب، وتزداد نورًا يضيء لصاحبه الطريق، ليسير به في الناس طالبًا ما عند الله، وبالإشراك بالله وترك العمل الصالح تموت القلوب، ليسير الكافر في الناس هملًا لا غاية له ولا مقصد إلا إشباع رغباته في هذه الحياة، لتكون حياته كحياة الأنعام بل أضل، أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ، ولهذا قال الله في هذين القلبين: أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ. وكلما كانت حياة القلب أكثر كان إيمانه ونوره أكثر، فيكون توفيقه وسعادته عند الله أكبر وأعظم.
أيها المسلمون، بعث الله رسله إلى الناس والقلوب ميتة والحياة مظلمة، والأرض إذا لم تجد الماء والنور لم تحيَ، فجاء أنبياء الله بالنور والماء، فسقوا قلوب الناس من كلام الله ونوره، فكان من أقوامهم من قَبِلَ قلبه هُدى الله، فسرت فيه الحياة، أحياه الله بعد الموت، فكان من أئمة الدين والإصلاح وقادة نور الله إلى جنات النعيم، وأصحاب نبينا محمد خير مثال على ذلك، وأبو بكر مقدمهم وخيرهم.
وكان من الناس من ضل، فأضله الله لما استحب العمى على الهدى والكفر على الإسلام، وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ، فهذا مثل القلب الحي والقلب الميت.
3-وقلب ثالث يا عباد الله، وهو القلب المريض الذي ابْتُلي بأمراض الشهوات والشبهات، يتنازعه المرض والسلامة، فهو لِمَا غلب عليه منهما، فتجده ميّالًا إلى الشهوات، لا يغض بصره عن عورة، ولا يخفض يده عن مال ليس له، ولا يكف لسانه عن غيبة ونميمة وعن أكل لحوم الناس، ولا يغلق سمعه عما حرم الله من آلات اللهو ونحوها، بل وأشد من ذلك أن لا يقوم بما أمره الله به ورسوله من أداء الطاعات، وتجد في قلبه الشبه التي تشككه في ربه ودينه ونبيه وفي إخوانه المسلمين من حوله.
أيها المسلمون، إن من توفيق الله لمريض القلب أن ييسر له الدواء في بداية مرضه وقبل أن يشتدّ، فإن المرض إذا اشتدّ مات القلب ولم يُرجَ له صلاح بعد ذلك؛ لعدم تفريقه بين المعروف والمنكر والخير والشر والصلاح والفساد، وقد يعلم الإنسان بمرض قلبه، لكن يصعب عليه تحمل الدواء، فيبقى حبيس مرضه وألمه حتى يلقى ربه كذلك، فيكون من الخاسرين؛ لأن المعاصي لا تزال بالعبد حتى تهلكه، وفي الحديث: (( إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على المرء حتى يهلكنه ) ).
فاتقوا الله عباد الله، وامتثلوا أمر نبيكم في إصلاح قلوبكم، وابتعدوا عن معصية ربكم، واجتهدوا في طاعته يصلح لكم قلوبكم، وفي الحديث: (( ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب ) ).
اللهم أصلح لنا قلوبنا، واجعلنا من عبادك المتقين وحزبك المفلحين، وصلِّ اللهم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خالق الأولين والآخرين وقيوم السماوات والأرضين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الصادق الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن شفاء القلوب بيد الله عز وجل، لكنه سبحانه جعل لكل شيء سببًا، وإن الدواء سبب من الأسباب المشروعة، فداوِ قلبك ـ يا عبد الله ـ ليستقيم على دين الله، وإن أنفع الأدوية وأطيب الأغذية كتاب الله سبحانه، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ، ويقول سبحانه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ، فكتاب الله هو الشفاء من كل داء، فأكثروا من قراءته، والجؤوا إلى ربكم بقلب صادق ويقين.