الإيمان
الملائكة
ناصر بن محمد الأحمد
الخبر
النور
1-الإيمان بالملائكة ركن من أركان الإيمان. 2- عجز المدارك والحواس البشرية عن إدراك الملائكة. 3- خصائص الملائكة وصفاتهم. 4- الحياء من ملائكة الله الكرام الكاتبين. 5- كتابة الملائكة أسماء المبكرين إلى صلاة الجمعة.
أما بعد: عباد الله، يقول الله عز وجل في محكم تنزيله: إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق:17- 22] .
وجاء في حديث سؤال جبريل للنبي قال: أخبرني عن الإيمان، قال: (( أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وأن تؤمن بالقدر خيره وشره ) ).
عباد الله، فمن الأصول الأساسية والتي عليها اعتقاد المسلم ولا يتمّ تمامه إلا به هو الإيمان بالملائكة، ذلك العالم الغيبي الذي خلقه الله عز وجل لحكمة عظيمة، والذي لا يكمل إيمان المرء إلا بإيمانه بالملائكة جملة وتفصيلًا.
وإحكام العقل البشري في هذه القضية ـ يا عباد الله ـ لا يسمن ولا يغني من جوع، لأن العقل الإنساني لا يستطيع التوصل إلى ما يهمه معرفته عن الملائكة بنفسه، فحواس الإنسان أعجز من أن ترى الملائكة وتسمع أحاديثهم، والفيصل الوحيد في التعرف على هذا العالم الغيبي هو كتاب الله عز وجل وسنة رسوله الصحيحة في ذلك، فليس شيء سوى الكتاب والسنة يشفي ويسد هذا الجهل عند الإنسان، (( تركت فيكم ما أن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله وسنتي ) ).
فحواس الإنسان ـ يا عباد الله ـ أعجز من أن ترى الملائكة وتسمع أحاديثهم، ولا شك أن هذا العجز في الإنسان من صالحه، ومن رحمة الله عز وجل أن يجعل سمعه وبصره فيما يحيط به، ولكي تدرك حكمة الله عز وجل في عجز الإنسان حسبنا أن نتصور أن إنسانًا تلتقط أذنه ما يلتقطه المذياع من أصوات لنعلم البلاء الذي يحل بهذا المسكين الذي لا بد أن يصاب بالذهول والجنون، فكيف بالذي يريد أن يسمع أصوات العالم الغيبي ولا يؤمن بها حتى يدركها بحواسه؟! فحسبنا أن نقف على نصوص الكتاب والسنة لنتعرف من خلالها على بعض المسائل الذي تخص الملائكة، وما أثر ذلك على حياتنا.
عباد الله، أما عن خلق الملائكة فإنهم خلقوا من نور كما علمنا ذلك من رسول الله فيما رواه مسلم في صحيحه من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وعن أبيها أن رسول الله قال: (( خلقت الملائكة من نور، وخلق الجن من مارج من نار، وخلق آدم كما وصف لكم ) ). ولا نعلم متى خلقهم الله عز وجل لأنه لم يخبرنا بذلك، ولكننا نعلم أن خلقهم سابق على خلق آدم أبي البشر، فقد أخبرنا سبحانه أنه أعلم ملائكته أنه سيجعل في الأرض خليفة: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة:30] .
وللملائكة ـ يا عباد الله ـ خصائص كثيرة نذكر منها:
أولًا: عظم خلقهم، قال الله تعالى في ملائكة النار: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6] ، وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن مسعود قال: رأى رسول الله جبريل في صورته وله ستمائة جناح، كل جناح فيها قد سد الأفق. وقال عليه الصلاة والسلام: (( أذن لي أن أحدث عن أحد حملة العرش ما بين شحمة أذنه وعاتقه مسيرة سبعمائة عام ) ). فتأمل ذلك الخلق العظيم، وليكن ذلك مما يزيد في إيمانك.
ومن خصائص الملائكة أيضًا ـ يا عباد الله ـ الجمال؛ فإن الله قد خلقهم على صور جميلة كريمة كما قال تعالى في حق جبريل: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى [النجم:5، 6] ، قال ابن عباس: ( ذُو مِرَّةٍ ذو منظر حسن) .
وقد تقرر عند الناس وصف الملائكة بالجمال كما تقرر عندهم وصف الشياطين بالقبح، ولذلك تراهم يشبهون الجميل من البشر بالملك، انظر إلى ما قالته النسوة في حق يوسف عليه السلام عندما رأينه: فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ [يوسف:31] .
ومن خصائصهم أيضًا أنهم لا يوصفون بالذكورة والأنوثة، وقد ضل كثير من الناس ـ يا عباد الله ـ في هذه القضية، والسبب في ذلك أنهم يحاولون إخضاع العوالم الغيبية لمقاييسهم البشرية الدنيوية، فلا يجوز ـ أيها الإخوة ـ أن نصف الملائكة بأنهم إناث، ولا يجوز أيضًا أن نصفهم بأنهم ذكور، وإنما نقف إلى حيث أرشدنا كتاب الله عز وجل في هذه القضية: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ [الزخرف:19] ، فهم إذًا عباد الرحمن، وقد ضل مشركو العرب وخاضوا في هذه القضية وزعموا أن الملائكة إناث، بل قد زادوا في ذلك بقولهم: إن هؤلاء الإناث بنات الله، وقد ناقشهم القرآن في هاتين القضيتين، فبين أنهم لم يعتمدوا على دليل صحيح فيما ذهبوا إليه: فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمْ الْبَنُونَ أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ أَاصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلا تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ [الصافات:149- 156] .
ومن خصائصهم أيضًا أنهم لا يأكلون ولا يشربون، فقد أخبرنا الله أن الملائكة جاؤوا نبينا إبراهيم عليه السلام في صورة بشر، فقدّم لهم الطعام فلم تمتد أيديهم إليه، فأوجس منهم خيفة، فكشفوا له عن حقيقتهم، فزال خوفه واستغرابه، قال تعالى: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ [الذاريات:24- 28] ، وقال تعالى في آية أخرى: فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ [هود:70] .
ومن خصائصهم أنهم لا يملون ولا يتعبون، يقومون بعبادة الله وطاعته وتنفيذ أوامره بلا كلل ولا ملل، ولا يدركهم ما يدرك البشر من ذلك، قال تعالى في وصف ملائكته: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ [الأنبياء:20] ، وقال تعالى: فَإِنْ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ [فصلت:38] .
والملائكة ـ يا عباد الله ـ خلق كثير لا يعلم عددهم إلا الذي خلقهم، وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ [المدثر:31] ، فإذا أردت أن تعرف كثرتهم فاسمع إلى ما قاله المصطفى في البيت المعمور الذي في السماء السابعة: (( فإذا هو يدخله في كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه آخر ما عليهم ) )رواه البخاري ومسلم، وفي صحيح مسلم عن عبد الله قال: قال رسول الله: (( يؤتى بجهنم يومئذٍ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك ) )، فعلى ذلك فإن الذين يأتون بجهنم يوم القيامة أربعة آلاف وتسعمائة مليون ملك.
عباد الله، وقد ورد في الكتاب والسنة ذكر بعض من أسمائهم كجبريل وميكائيل، قال تعالى: قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ [البقرة:97، 98] .
ومن الملائكة أيضًا إسرافيل الذي ينفخ في الصور، ومنهم أيضًا مالك خازن النار كما جاء في قوله تعالى: وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ [الزخرف:77] ، ومن الأسماء الشائعة عند الناس خطأ أنهم يسمون ملك الموت بعزرائيل، وهذا لم يثبت في القرآن ولا في الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله ، وإنما يسمى ملك الموت كما جاء في كتاب الله عز وجل: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ [السجدة:11] . ومنهم الكرام الكاتبون الموكلون بأعمال العباد، ومنهم المعقبات وهم الموكلون بحفظ العبد، كما قال تعالى: لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [الرعد:11] ، ومنهم الموكلون بفتنة القبر وهم منكر ونكير، ومنهم حملة العرش، وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ [الحاقة:17] ، ومنهم الموكلون بالنطف في الأرحام من تخليقها وكتابة ما يراد بها، فيجب أن نؤمن بكل هذا جملة وتفصيلًا.
عباد الله، وكُل إنسان قد وكّل الله به قرينًا من الملائكة وقرينًا من الجن، ففي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله: (( ما منكم من أحد إلا وقد وكّل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة ) )، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: (( وإياي، ولكن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير ) ).
فانظر يا عبد الله، وقرين الإنسان من الملائكة وقرينه من الجن يتعاوران عليه، هذا يأمره بالشر ويرغبه فيه، وهذا يحثه على الخير ويرغبه فيه، ولكي تعرف كيف يكون التسابق بين القرين الجني والقرين الملكي على توجيه الإنسان ذكر الحافظ أبو يعلى من حديث أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله: (( إذا أوى الإنسان إلى فراشه ابتدره ملك وشيطان، فيقول الملك: اختم بخير، ويقول الشيطان: اختم بشر، فإذا ذكر الله تعالى حتى يغلبه ـ يعني النوم ـ طرد الملك الشيطان وبات يكلؤه، فإذا استيقظ ابتدره ملك وشيطان، فيقول الملك: افتح بخير، ويقول الشيطان: افتح بشر، فإن قال: الحمد لله الذي أحيا نفسي بعد ما أماتها ولم يمتها في منامها، الحمد لله الذي يمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى، الحمد لله الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده، الحمد لله يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بأذنه، طرد الملك الشيطان وظل يكلؤه ) ). فأين الذي يكون ذاكرًا لله حال نومه وحال يقظته؟!
إن استشعار حديث القرين جزء من الإيمان بالملائكة، فيجب عليك ـ أيها المسلم ـ أن تكون واضعًا أمثال هذه الأحاديث نصب عينيك في كل وقت، وأن تدعو الله عز وجل أن يعينك على قرينك الشيطاني، وأن يقربك من القرين الملكي فلا يأمرك إلا بخير.
اللهم وفقنا لما تحب وترضى، اللهم إنا نسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين، وأن تغفر لنا وترحمنا، وإذا أردت فتنة بعبادك فاقبضنا إليك غير مفتونين.
أما بعد: عباد الله، نعود مرة أخرى إلى آيات سورة ق التي تلوتها عليكم في الخطبة الأولى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق:16- 22] .
فانظر ـ أيها المسلم ـ كم ملكًا من الملائكة وكّلهم الله بهذا الإنسان وهذا غافل لا يدري، وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ يعني ملائكة الله تعالى أقرب إلى الإنسان من حبل وريده إليه، ثم يأتي نوع آخر من الملائكة: إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ، فهذان الملكان اللذان وضعهما الله سبحانه وتعالى أحدهما عن يمين الإنسان والآخر عن شماله يكتبان عمل الإنسان، مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ أي: ما يتكلم بكلمة إلا ولها من يرقبها، لا يترك كلمة ولا حركة، كما قال تعالى: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار:10-12] . هل استشعرت هذا أيها المسلم؟! وهنا نوجه كلمة إلى الذين ينتهكون حرمات الله عز وجل، إلى الذين يعصون الله عز وجل وقد غرقوا في ذنوبهم إلى رؤوسهم: هل أدركوا هذه الحقائق؟! أين ذهب الإيمان بالملائكة حال المعصية؟!
إن الإيمان بالملائكة ـ يا عباد الله ـ لا يكون بالمعرفة فقط، فإن المعرفة المجردة لا تنجّي الإنسان من عذاب جهنم، فلو آمن الإنسان بوجود الله سبحانه وتعالى ولم يأت بأركان الإسلام الخمسة ما نفعه هذا الإيمان، وكذلك الذين يؤمنون بوجود الملائكة إذا لم يؤثر ذلك في واقع حياتهم ويغير ذلك من سلوكهم ما نفعهم هذا الإيمان، ووالله لو أن كل إنسان وهو يُقدم على معصية الله ذكر الملك الذي يكتب عليه في تلك اللحظة وأنه سوف يحاسب عليها لما تجرأ على معصية الله.
يقول الحسن البصري بعد أن تلا هذه الآية: عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ:"يا بن آدم، بسطت لك صحيفة، ووكل بك ملكان كريمان، أحدهما عن يمينك والآخر عن شمالك، فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيئاتك، فاعمل ما شئت أقلل أو أكثر، حتى إذا مت طويت صحيفتك وجعلت في عنقك معك في قبرك حتى تخرج يوم القيامة، فعند ذلك يقول الله تعالى: وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [الإسراء:13، 14] ".
عباد الله، ومن جملة الإيمان بالملائكة ـ والتي نتمنى أن يكون لها أثر في واقع الناس ـ ما رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله: (( إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول فالأول، فإذا جلس الإمام طووا الصحف وجاؤوا يستمعون الذكر ) ).
أين الإيمان بالملائكة عند أولئك النفر الذين يجلسون في بيوتهم ينتظرون الإمام حتى يبدأ بالخطبة ثم بعدها ينهلون على المسجد؟! إنك لتجد المسجد ليس فيه سوى عدة صفوف، وإذا ما شرع الإمام في الخطبة انكب الناس على المسجد، أين إيمانه بالملائكة الذين يقفون على أبواب المسجد ويسجلون الأول فالأول؟! هل استشعر كل مسلم هذه الحقيقة في نفسه؟! إذا لم يكن لإيماننا بالملائكة أثر في سلوكنا وتغيير في واقعنا ما نفعتنا المعرفة المجردة، وماذا استفدت ـ أيها المسلم ـ لو طوت الملائكة صحائفها وجلست تستمع للخطبة ولم تكن من الذين كتبوا في تلك الجمعة؟! وما بالكم لو كان هذا حاله في كل جمعة؟!
فاتقوا الله أيها المسلمون، وتأملوا كتاب ربكم، واقرؤوا أحاديث نبيكم ، وليكن لها واقع في حياتكم، وادعوا الله عز وجل بعد ذلك أن يجعلكم من الذين قبلوا لا من الذين ردوا.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا أرحم الراحمين، اللهم وأبرم لهذه الأمة أمر رشد يعزّ فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، اللهم رحمة اهد بها قلوبنا، واجمع بها شملنا، ولمَّ بها شعثنا، ورد بها الفتن عنا.
اللهم صل على محمد...