فهرس الكتاب

الصفحة 4529 من 5777

حادثة القصيم

الرقاق والأخلاق والآداب, موضوعات عامة

جرائم وحوادث, فضائل الأزمنة والأمكنة

إبراهيم بن عبيد القعود

حائل

جامع الحوطي

1-أهمية مطلب الأمن. 2- نعمة الأمن في بلاد الحرمين. 3- استنكار جريمة قتل رجال الأمن. 4- حرمة دم المسلم. 5- وعيد القاتل بغير حق. 6- فضل أيام عشر ذي الحجة.

أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون، اتقوا الله عز وجل بفعل أوامره واجتناب نواهيه، جعلني الله وإياكم من عباده المتقين ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر:18] .

أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون، فمن المطالب المهمة التي تهنأ وتحلو وتلذّ بها الحياة مطلب الأمن؛ إذ لا حياة هانئة بدون أمن، كيف يهنأ الإنسان في حياته وهو غير آمن؟! إذا كان الخوف يحيط به من كل جانب فإنه لا لذّة لما توفّر له من طعام وشراب ولباس ومأوى ومركب، فقدُ الأمنِ سوف ينغّص وينكّد عليه حياته.

فالأمن مطلب مهمّ، وإذا ضاع أو فقِد حلّ مكانه الخوف، عندها لن يهنأ بطعام ولا بشراب، ولن يذوق طعما لغذاء ولا لذة لمنام، ولن يطمئن بمكان؛ ولذلك لما دعا الخليل إبراهيم عليه السلام ربّه ماذا قال؟ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ [البقرة:126] . تأمّلوا هذه الدعوة الكريمة: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ ، دعا بتوفير الأمن قبل توفير الرزق، وذلك لأهمّيته، فلن تهنأ بطعامك وشرابك ومنامك وأنت في حالة خوف.

الأمن ـ أيها الأحبة ـ نعمة من أعظم النعم، والدليل على ذلك أن الله جل جلاله لما ذكّر قريشا بنعمة ذكّرهم بنعمة الأمن: الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش:4] .

فنعمة الأمن لا يعدلها نعمة من نعم الدنيا، يقول النبي: (( من أصبح منكم آمنا في سربه معافى في جسده عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ) ).

أيها الإخوة المؤمنون، وقد أنعم الله عز وجل علينا في بلادنا بهذه النعمة العظيمة، ولا شك أن لها أسبابًا، ومن هذه الأسباب وجود رجال الأمن الأوفياء العيون الساهرة التي تسعى وتعمل من أجل حفظ أمننا. ننام ـ أيها الإخوة ـ ونحن آمنون على أعراضنا، آمنون على أموالنا، آمنون على دمائنا، وهم يسهرون الليل، لا يمنعهم برد، ولا يردّهم جوع. إن من واجب هؤلاء علينا أن لا نفتر عن الدعاء لهم، وأن نكون عونا لهم على تأدية واجبهم. وقد ساءنا ـ والله ـ ما حدث لبعضهم يوم الثلاثاء الماضي في منطقة القصيم، حيث قتل خمسة رجال منهم، خرجوا من بيوتهم ومن بين أطفالهم لتأدية واجبهم، وعادوا جثَثا هامدة، وما نقموا منهم إلا أنهم يعملون على حفظ أمن هذه البلاد الطاهرة.

أيها الإخوة، إن تلك اليد الآثمة التي نالت من رجال أمننا ليد خبيثة ظالمة، يد مجرمة آثمة، يدفعها فكر منحرِف، وما قامت به وأقدمت عليه لشرّ نعوذ بالله من سوء عواقبه. سئل سماحة المفتي عن الذين يقتلون رجال الأمن فقال:"رجال الأمن مجاهدون، ومن قتلهم بغير حقّ دخل دائرة الكفر".

إنها جريمة نكراء، إذا كان قتل المسلم ذنبا عظيما فكيف بقتل خمسة من رجال الأمن المجاهدين الذين تركوا أطفالهم ونساءهم ليحفظوا أمن بلادهم؟! ومتى؟! في الشهر الحرام الذي لا يجوز قتل المشرك فيه ما لم يبتدئ هو أولا بالقتل، فكيف بمسلم يعمل على حفظ أمن بلاده وإخوانه؟! يقول تبارك وتعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93] . وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا أي: يتعمد قتله من غير مسوّغ شرعي، إنما قتله لحاجه في نفسه، كان قتله له هدفا سواء طعنه أو دهسه، سواء رماه أو فجّره، المهمّ أنه صار سببا في إنهاء حياته، فما هو ـ يا ترى ـ جزاؤه؟! ما هي عقوبته؟! قال تعالى: فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا ، جهنم فقط؟ لا، وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا.

فقتل المسلم من غير مسوغ شرعي ذنب عظيم وجرم كبير، لا يحل ولا يجوز أبدا، يقول النبي: (( لا يحلّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا بإحدى ثلاث: رجل زنى بعد إحصان، فإنه يرجم، ورجل خرج محاربا لله ورسوله فإنه يقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض، أو يقتل نفسا فيقتل بها ) ). فما هو ـ ترى ـ ذنب رجال أمننا حتى يقتل خمسة منهم؟!

أيها الإخوة المؤمنون، لقد توعّد الله عز وجل من قتل نفسا بغير حقّ بالعقاب العظيم في الدنيا والعذاب الشديد في الآخرة، وليس بعد الشرك ذنب أعظم من قتل النفس المعصومة، يقول تبارك وتعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [النساء:29، 30] .

قال الطبري:"يعني بقوله جل ثناؤه: وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ولا يقتل بعضكم بعضا وأنتم أهل ملة واحدة ودعوة واحدة ودين واحد".

وقال عز وجل: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا [المائدة:32] .

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي قال: (( أكبر الكبائر الإشراك بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين وقول الزور ) )، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله: (( لن يزال المؤمن في فسحة من دنيه ما لم يصب دما حراما ) )، وعن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي أنه قال: (( يخرج عنق من النار يتكلم يقول: وكِّلت اليوم بثلاثة: بكل جبار، وبمن جعل مع الله إلها آخر، وبمن قتل نفسا بغير نفس، فينطوي عليهم، فيقذفهم في غمرات جهنم ) ).

أيها الإخوة المؤمنون، إن قتل الأنفس البريئة وسفك الدماء المعصومة عند الله عز وجل لأمر عظيم، ففي الحديث عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله قال: (( لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق ) )، وقال في أكبر اجتماع للناس في عصره: (( ألا إن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، ألا هل بلغت؟ ) )قالوا: نعم، قال: (( اللهم اشهد ـ ثلاثا ـ ، ويلكم انظروا، لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ) )، وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما عن رسول الله قال: (( لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار ) )، وعن معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يقتل المؤمن متعمدا أو الرجل يموت كافرا ) ).

عباد الله، فهل بعد هذه النصوص متعلّق لأحد؟! هل بعد هذه النصوص مجال لعذر لهؤلاء الحقدة الخونة القتلة؟! لا والله، ولكن كما قال تبارك وتعالى: فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:46] .

بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعضيما لشأنه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليما كثيرا.

أيها الإخوة المؤمنون، تعلمون ـ رحمني الله وإياكم ـ بأننا في هذه الأيام نستقبل شهر ذي الحجة، وهذا يجعلنا نذكّر بأمور، منها على سبيل الاختصار:

أوّلا: الحجّ إلى بيت الله الحرام: فالحج ركن من أركان الإسلام، لا يكمل إسلام الإنسان المستطيع إلا إذا قام به مع بقية الأركان، يقول تبارك وتعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ [آل عمران:97] . فعلى المستطيع الذي يملك زادا وراحلة أن يبادر في تأدية فريضة حجه، وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ.

ثانيا: أيها الإخوة، الأيام العشر الأول من شهر ذي الحجة، فإنها أيام لها فضل عظيم، أقسم الله بها لفضلها فقال: وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر:1، 2] ، وذكر النبي أن العمل فيها ليس كالعمل في غيرها، فقال: (( ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر ) )، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟! قال: (( ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء ) )، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله: (( ما من أيام أعظم عند الله سبحانه ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد ) ).

فالله الله أخي المسلم، أكثر من الأعمال الصالحة في هذه الأيام، ومن هذه الأعمال الصيام، فما من عبد يصوم يوما في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفا، فصم ـ يا عبد الله ـ ما يتيسّر لك من هذه الأيام، وإن غلبتك نفسك على ترك الصيام خلال هذه الأيام التسع فلا تغلبك على يوم عرفة اليوم التاسع من شهر ذي الحجة، فإن صيامه يكفر سنتين: سنة قبله وأخرى مثلها بعده، بذلك أخبر النبي فقال: (( صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده ) ).

ثالثا: أيها الإخوة، أذكر من أراد أن يضحي في هذا العام، وأنتم إن شاء الله كذلك، أذكره بأن عليه أن يحرم إحرام الأضحية، فلا يأخذ من شعره ولا من بشرته ولا من أظفاره شيئا منذ دخول الشهر حتى يذبح أضحيته، هذا هو هدي النبي ، ففي الحديث يقول: (( إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره ) )، وفي رواية: (( فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره حتى يضحي ) ).

أسأل الله لي ولكم الفقه في الدين والتمسك بالكتاب المبين والاقتداء بسيد المرسلين والسير على نهج أسلافنا الصالحين.

اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللّهمّ احم حوزة الدين، اللهم واجعل هذا البلد آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت