فهرس الكتاب

الصفحة 772 من 5777

لا بأس بالغنى لمن اتقى

الرقاق والأخلاق والآداب

الآداب والحقوق العامة

عز الدين عوير

الجزائر

الرحمة

1-شرح حديث"لا بأس بالغنى لمن اتقى والصحة لمن اتقى خير من الغنى وطِيب النفس"

من النعيم"2- الحث على طلب الرزق الحلال 3- التحذير من فتنة المال 4- نِعم المال"

الصالح للرجل الصالح 5- التوفيق بين طلب الرزق والتفقه في الدين

أما بعد:

فقد أخرج ابن ماجه والحاكم وأحمد عن يسار بن عبيد قال: كنا في مجلس فجاء النبي وعلى رأسه أثر الماء، فقال له بعضنا: نراك اليوم طيّب النفس، فقال: (( أجل، والحمد لله ) )ثم أفاض القوم في ذكر الغنى. قال: (( لا بأس بالغنى لمن اتقى، والصحة لمن اتقى خير من الغنى، وطيب النفس من النعيم ) ).

فالغنى - يا عباد الله - بغير تقوى هلكة لصاحبه، يجمع المال من غير حقه، ويضعه في غير أهله، ويمنعه من مستحقه، أما إذا كان مع صاحبه تقوى فقد ذهب البأس وجاء الخير، قال محمد بن كعب: الغني إذا اتقى آتاه الله أجره مرتين، لأنه امتحنه فوجده صادقا، وليس من امتحن كمن لم يمتحن.

(( والصحة لمن اتقى خير من الغنى ) )، فإن صحة البدن عون على العبادة، فالصحة مال ممدود، والسقيم عاجز طريقه مسدود، والصحة مع الفقر خير من الغنى مع العجز، لأن العاجز كالميت.

(( وطيب النفس من النعيم ) )لأن طيبها من روح اليقين وهو النور الوارد الذي أشرق على الصدر ضياؤه، فإذا استنار القلب ارتاحت النفس من الظلمة والضيق والضنك فعن البراء بن عازب أن رسول الله أتاهم إلى البقيع فقال: (( يا معشر التجار حتى إذا اشرأبوا قال: إن التجار يحشرون يوم القيامة فجارا إلا من اتقى وبر وصدق ) ).

وهذا مما يبين لنا - أيها المسلمون - أن ديننا لا ينهى المتمسكين به عن طلب الرزق، وعن الاستغناء، وإنما ينهانا أن نجمع هذا المال بغير حقه، وأن نصرفه في غير حقه، وذلك لأن المال فتنة لابن آدم إذا لم يرزق القناعة، صح عند الترمذي عن كعب بن عياض مرفوعا: (( إن لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال ) ).

نعم، فتنتنا المال - أيها المسلمون - ألم يحملنا جمع المال على الغش؟ ألم يحملنا جمع المال على الكذب [وشهادة الزور] ؟ ألم يحملنا جمع المال على التزوير؟ ألم يحملنا جمع المال على إعطاء الرشوة؟ ألم يحملنا جمع المال على إخلاف المواعيد ونقض العهود؟ ألم يحملنا جمع المال على أكل أموال بعضنا بالباطل؟

نعم هذه هي فتنة جمع المال حتى صار الصديقان المتحابان أعداء لأجل معاملة تجارية بينهما حملت أحدهما على التعدي على الآخر، فإذا هما في أشد العداوة، بعد ما كانا في أعلى مراتب الصداقة.

[واعلموا عباد الله] أن المال كما يكون سببا في طغيان العبد في الدنيا وخسارته في الآخرة، فقد يكون كذلك سببا في سعادته في الدنيا ونجاته يوم القيامة، وذلك إذا طلبه بحقه وأنفقه في مستحقه، ولا يكون ذلك إلا إذا رزق تقوى في قلبه، وقناعة في نفسه، قال: (( نعم المال الصالح للمرء الصالح ) ). وقال لعثمان بن عفان لما جهز جيش العسرة: (( ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم ) ).

أما بعد: روى البخاري عن عمر بن الخطاب قال: كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد، وهي من عوالي المدينة وكنا نتناوب النزول على رسول الله ، ينزل يوما وأنزل يوما، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك.

فلم يمنع الفاروق عمر بن الخطاب ولا جاره طلب الرزق من تعلّم العلم والتفقه في الدين، لأنهم رضي الله عنهم عرفوا كيف يعطون لهذه الدنيا ما تستحق من الوقت، وعرفوا كيف يعطون للآخرة ما تستحق من الوقت، فسعدوا في الدنيا وفازوا في الآخرة.

وعلى نهجهم سار كثير من الصالحين، فوفّقوا بين طلب الرزق في الدنيا وبين التفقه في الدين، والعمل للآخرة، فلقد كان الليث بن سعد إمام أهل مصر في زمانه من الأغنياء، وكان عبد الله بن المبارك من كبار التجار، وكذلك كان أبو حنيفة عليهم رحمه الله، فلم تغوهم تجارتهم حتى ينسوا أخراهم، بل كانت تجارتهم عونا لهم على الآخرة.

فمن منّا اليوم حاله كحالهم، فالواحد منا يخرج صباحا لا يفكّر إلا في كيفية الحصول على المال، لا يهمه كيف يجمعه؟ من حلال أم من حرام، ثم إذا سئل عن الصلاة هل صلاها في وقتها؟ يقول: العمل عبادة والصلاة لها وقتها في آخر النهار. وأما أن يحضر حلق الذكر في المسجد، أو مجالس العلم والتفقه في الدين فهذا يكاد ينعدم فهو أعز من الكبريت الأحمر.

فلنراجع أنفسنا وأعمالنا، قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت