فقه
الأيمان والنذور
عبد الرحمن بن صالح الدهش
عنيزة
علي بن أبي طالب
1-معنى الحلف والأيْمان 2- اليمين على شيء قد مضى لا كفارة فيها 3- التحذير من
الحلِف الكاذب 4- الحلف على شيء مستقبل يلزمه الكفارة إن حنَث 5- ما حكم الحنث في
اليمين 6- كفارة اليمين 7- الحلف بغير الله شرك
أما بعد:
فإنه كما هو معلوم. إن هذا الدين دين عظيم قد جاء ليحكم الإنسان في حياته كلها وفي جميع شئونه الخاصة والعامة. في منزله وفي عمله وفي مسجده وفي شارعه.
وهذا ما يجب علينا أن نفهمه جميعا ونعيه تماما حتى نسير على هدى الله ومنهجه القويم. قال تعالى: وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله.
ومن القضايا التي هي بحاجة إلى بحث وتعلم وتطبيق في أيامنا هذه خاصة، قضية الحلف - أعني اليمين - وما يتعلق بها من أحكام كثيرة قد حصل فيها أخطاء كثيرة من بعض المسلمين هداهم الله سواء كان الخطأ عن قصد كمن يحلف بالله وهو كاذب، أو عن غير قصد كمن يحلف بغير الله وهو جاهل لا يعلم بحكم ذلك الفعل فعلى كل حال، فنحن بحاجة إلى الحديث عن هذه القضية وبيان ما يكتنفها ويحيط بها من أحكام وتبعات حتى يكون المؤمن على بصيرة من دينه في هذه القضية فيعمل على علم، ويعلم أهله وجيرانه وكل من رأى عنده خطأ في شيء من ذلك.
فنقول مستعينين بالله مستمدين منه التوفيق والسداد سائلينه جل وعلا أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه وأن يتقبلها منا إنه سميع مجيب.
أولا: قال ابن حجر: الأيمان بفتح الهمزة جمع يمين، وأصل اليمين في اللغة اليد، وأطلقت على الحلف لأنهم كانوا اذا تحالفوا أخذ كل واحد بيمين صاحبه، وقيل لأن اليد اليمنى من شأنها حفظ الشيء، فسمي الحلف بذلك لحفظ المحلوف عليه، وسمي المحلوف عليه يمينا لتلبسه بها.
ثانيا: اعلم رحمني الله وإياك أن اليمين إما أن تكون على شيء ماض، قد حدث وانتهى.
أو أن تكون على شيء مستقبل لم يحصل بعد.
أما اليمين التي تكون على شيء قد حدث مثل أن يقول: والله لقد رأيت فلانا، فهذه اليمين ليس فيها كفارة إطلاقا سواء كان صادقا أو كاذبا.
لكن إن كان صادقا أو ظانا صدق نفسه فلا إثم عليه، وإن كان كاذبا أو ظانا كذب نفسه كان آثما.
وهذا عباد الله - أعني الحلف الكاذب - يحدث كثيرا في هذه الأيام من بعض الناس هداهم الله، يحلفون بالله كذبا وهم يعلمون، لأجل مصلحة دنيوية يحصلونها أو دفع ضرر محتمل عن أنفسهم إن هم صدقوا.
وتأمل مثلا في شريحة من شرائح المجتمع وهم الباعة أهل التجارة والأسواق، فكم من مرة تدخل متجرا لتشتري منه سلعة، فيحلف لك بالله أيمانا مغلظة أنها عليه بألف ريال مثلا، ثم بعد خمس دقائق من المساومة إذا هو يبيعها لك بتسعمائة أو بثمانمائة!!
فكيف يكون ذلك؟ أيكون قد باعها بخسارة.
وهو يفعل ذلك مع معظم الناس. فلا يبقى عندك شك أنه كاذب. إنما يريد أن يبيع ويروج سلعته ولو بالحلف الكاذب.
والرسول صلى الله عليه وسلم يقول في حديث أبي ذر محذرا من ذلك: (( ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، فقلت: من هم يا رسول الله خابوا وخسروا؟ قال: المسبل إزاره، والمنان عطاءه، والمنفق سلعته بالحلف ] الكاذب [ ) )النسائي وابن ماجه.
فتأملوا رعاكم الله في هذا التهديد الشديد لذلك الذي يحلف بالله عز وجل كذبا وزورا.
وكم من حالف اليوم كذبا على الله وعلى الناس من أجل أمور دنيوية تافهة.
فأين تعظيم الله يا من تحلف بالله كاذبا؟ قال تعالى: وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه.
ويزداد الأمر سوءا عندما يكون الحلف الكاذب لأجل أكل أموال الناس بالباطل وأكل حقوقهم، فيحلف بالله كذبا أن ليس لفلان عنده دين، وهو قد استدان منه، ويحلف بالله أن هذا ماله وليس ماله، لماذا؟!
لكي يأخذ متاعا من الدنيا يموت ويتركه ثم يعذب عليه.
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (( من حلف على يمين يستحق بها مالا وهو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان ) )البخاري ومسلم، فأنزل الله تصديق ذلك: إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم.
قال ابن كثير في تفسير الآية:"يقول تعالى إن الذين يعتاضون عما عهد الله إليهم من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم وذكر صفته للناس وبيان أمره وعن أيمانهم الكاذبة الفاجرة والآثمة بالأثمان القليلة الزهيدة وهي عروض هذه الدنيا الزائلة الفانية أولئك لا خلاق لهم أي لا نصيب لهم فيها ولا حظ لهم منها: ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة أي برحمة منه لهم بمعنى لا يكلمهم كلام لطف بهم، ولا ينظر إليهم بعين الرحمة: ولا يزكيهم أي من الذنوب والأدناس بل يأمر بهم إلى النار: ولهم عذاب أليم ، انتهى كلامه."
فليحذر إذًا أولئك الذين يحلفون بالله من أجل أكل أموال الناس بالباطل فالأمر عظيم.
أما النوع الثاني من الأيمان وهو اليمين على المستقبل، فهذه هي اليمين المنعقدة التي فيها كفارة إن لم يوف بما حلف به.
كأن يقول مثلا: والله لا أفعل كذا.
فإن لم يفعل فقد وفى بيمينه ولا شيء عليه، وإن فعل فقد حنث وعليه الكفارة، أي كفارة اليمين.
والحنث إخوتي هو أن يفعل ما حلف على تركه أو يترك ما حلف على فعله.
ويشترط في اليمين التي يؤاخذ بها صاحبها أن يكون قاصدا لها. قال تعالى: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان.
فيمين اللغو إذًا هي التي لم يقصد قائلها عقدها.
وينبغي هنا أن نطرح سؤالا مهما وهو:
أن الإنسان إذا حلف على شيء في المستقبل، فهل الأفضل أن يلتزم بما حلف عليه ولا يحنث أو يحنث ويكفر عن يمينه؟؟
والجواب: هو أن هذا يختلف من شأن لآخر، فقد يكون الالتزام باليمين:
1)واجبا. 2) وقد يكون مستحبا.
3)وقد يكون محرما. 4) وقد يكون مكروها.
5)وقد يكون مباحا.
والالتزام الواجب باليمين كمثل من حلف على فعل واجب، فعليه أن يلتزم باليمين وجوبا ويحرم عليه الحنث.
كما لو قال: والله لأصلين الفجر في جماعة، فلا يجوز له أن يكفر ويحنث، بل يجب عليه الوفاء.
والالتزام المستحب كمن حلف على فعل مستحب، فيستحب له الالتزام باليمين، كما لو قال: والله لأزورن فلانا اليوم فيستحب له الفعل.
والمكروه كمن حلف على فعل أي مكروه أو ترك أمر مستحب، كما لو قال والله: لا أتصدق على فلان، وذلك فقير مستحق فهنا نقول: يكره لك الالتزام باليمن، والحنث أفضل.
والمحرم كمن حلف على فعل أمر محرم، فهذا لا يجوز له الالتزام باليمين، ويحرم عليه ذلك، كما لو قال والله: لا أزور أهلي.
فهنا يقال له يجب عليك أن تكفر عن يمينك فتزور أهلك.
تنبيه: علما بأنه على كل من حنث في يمين من هذه الأيمان كلها وجبت عليه الكفارة.
عباد الله يقول قدوتنا وأسوتنا ومعلمنا عليه أفضل الصلاة والسلام: (( إني والله - إن شاء الله - لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني، وأتيت الذي هو خير ) )البخاري.
وقال عليه الصلاة والسلام لعبد الرحمن بن سمره: (( إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير ) )البخاري.
عباد الله:
فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتردد في أن يحنث في يمينه ويكفر إن رأى الخير في غيرها، فما بال أقوام يحلفون بالله على فعل أمور محرمة أو ترك أمور واجبة ثم يلتزمون بأيمانهم محتجين بأنهم قد حلفوا ولا يريدون أن يحنثوا، فهذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثانيا: اعلموا عباد الله أن الكفارة تكون على الترتيب التالي:
أولا: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة.
والمكفر مخير بين هذه الثلاثة الأمور أولا فإذا لم يستطع أي واحدة منها يجوز له عند ذلك الانتقال إلى الصيام.
وهو ثانيا: صيام ثلاثة أيام.
ويكون الصيام متفرقا أو متتابعا والتتابع أفضل خروجا من خلاف العلماء.
يقول تعالى: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون.
صفة الإطعام: هناك صفتان:
1 -أن تصنع طعاما وتدعو إليه عشرة مساكين.
2 -أن تعطي عشرة مساكين تمليكا مد من البر أو الأرز وتعطيهم معه ما يؤدمه.
ولا بد في الحنث ووجوب الكفارة على صاحب اليمين من ثلاثة شروط:
1 -أن يكون عالما.
2 -أن يكون ذاكرا.
3 -أن يكون مختارا.
فلو فعل ما حلف على تركه ناسيا أو جاهلا أو مكرها فلا كفارة عليه.
ثالثا: ينبغي علينا أن نقف مع قوله تعالى: واحفظوا أيمانكم.
قيل في معناها: أي لا تحنثوا فيها والتزموا بها.
وقيل: أي لا تكثروا الأيمان.
ومن هنا ينبغي على الإنسان أن لا يكثر من الحلف، لأن اسم الله عظيم فينبغي أن لا يلاك على الألسن بهذه الصورة التي يفعلها بعض الناس هداهم الله.
وأخيرا: نذكر عباد الله بأن الحلف إنما يكون بالله وحده ولا يجوز بغير الله، ولا برسول الله، ولا بولي ولا بالآباء ولا بالأبناء ولا بالأمانة ولا بالذمة.
فعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أدرك عمر بن الخطاب وهو يسير في ركب يحلف بأبيه فقال: ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ) )البخاري.
وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، قال عمر فوالله ما حلفت بها منذ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ذاكرا أو ناسيا ) )البخاري.