فهرس الكتاب

الصفحة 4278 من 5777

الشيخ الشهيد

العلم والدعوة والجهاد, موضوعات عامة

المسلمون في العالم, جرائم وحوادث

عبد الله بن فريح البهلال

الرياض

عمر بن الخطاب

1-مقتل الشيخ أحمد ياسين. 2- غدر اليهود وجرائمهم. 3- غرور أمريكا. 4- درس الاغتيال. 5- واجب المسلمين. 6- من كلمات الشيخ أحمد ياسين. 7- ما وراء مقتل أحمد ياسين. 8- كيف نواجه العدو؟

الحمد لله الآخر الأول، الذي لا يزول ملكه ولا يتحوّل، صرف الخلائق بين رفع وخفض وبسط وقبض وإبرام ونقض وإماتة وإحياء وإيجاد وإفناء وإسعاد وإضلال وإعزاز وإذلال، يؤتي الملك من يشاء، وينزعه ممن يشاء، ويعزّ من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، مبيد القرون السالفة، ومهلك الأمم المخالفة، لم يمنعهم منه ما اتخذوه معقلًا وحِرزًا، فهل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزًا؟! بتقديره النفع والضر، وله الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله إلى الخلق أجمعين، المنزل عليه نبأ القرون الأولين، سيد العرب والعجم، المبعوث إلى جميع الأمم، وعلى آله وأصحابه أعلام الهدى ومصابيح الظلَم.

أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا ربكم، وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين، اتقوا الله يجعل لكم من كل كرب فرجًا، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا [الطلاق:2] .

أيها المؤمنون، في فجر الاثنين الماضي كان شيخ المجاهدين على موعد مع التكريم بعد حياة حافلة بالجهاد في سبيل الله، كانت الأمة تغط في نومها إلا قلة قليلة سمعت:"حي على الفلاح"، فلبت، استيقظ الشيخ أحمد ياسين كعادته كل ليلة ولسانه يلهج بذكر الله، والابتسامة الصافية لا تفارق وجهه السمح الطيب، وصدى صوته يتردد بين السماء والأرض:"أمَلي أن يرضى الله عني".

مضى الشيخ مع مرافقيه إلى بيت الله، وأدى الصلاة، وعاد وهو في ذمة الله، ليصيبه ما كان يتمناه، فتطلق عليه المروحيات الإسرائيلية ثلاثة صواريخ، أصابه أحدها مباشرة، وتحول الشيخ إلى أشلاء على باب المسجد الذي عرفه خطيبًا ضدّ الاحتلال، كانت المعادلة هذه المرة صعبةً بل مستحيلة، شيخ مقعَد على كرسيّ في مواجهة صاروخ، وانتصر الشيخ هذه المرة أيضا، فرغم أن الصاروخ حول البدن الضعيف إلى أشلاء وتدلى دماغه على الأرض ولكن المعجزة أن وجهه لم يتأثر، وحتى شعيرات لحيته التي غطاها الشيب لم تحترق، وظلت ابتسامة الشيخ تنير وجهه. ذهب البدن كله وبقيت هامة الشيخ مرفوعة على أكتاف الآلاف من محبيه، تحطم الكرسي ومعه البدن المعوق لكن روح الشيخ الطليقة حلقت إلى السماء، مات الشيخ ربما ولكن لتعيش الأمة.

غدروا بشيبتك الكريمة جَهْرةً أَبشرْ فقد أورثتَهم خذلانا

أهل الإساءة هم ولكنْ ما دروا كم قدَّموا لشموخك الإحسانا

يا أحْمدُ الياسين إن ودَّعتنا فلقد تركتَ الصدق والإيمانا

ستظلُّ نجمًا فِي سَماءِ جهادنا يا مُقْعَدًا جعل العدوَّ جبانا

أجل، مات الشيخ المجاهدُ أحمد ياسين عظيمًا مثلما عاش كبيرًا، ولم يكن هيّابًا للموت، بل كانت الشهادة أغلى أمانيه، والناس كلُّهم يموتون ولكن فرقٌ بين موتِ الأبطال وموت الجبناء، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

نعم قتلوا الرمز والقائد والزعيم والحبيب وقرة العين ومهجة القلب, وإن كانوا قتلوه فلقد هموا بقتل رسول الله من قبل فأمكن الله منهم، وإن كانوا قتلوه فقد قتلوا أنبياء الله من قبل.

اقرؤوا التأريخ ـ أيها الإخوة ـ لتدركوا أن يهود الأمس سلف سيِّئ، ويهودَ اليوم خلف أسوأ، كفَّارُ النعم ومحرِّفو الكلم، عُبَّاد العجل، قتلة الأنبياء، مكذِّبو الرسالات، خصوم الدعوات، شُذَّاذ الآفاق، حثالة البشرية، مَن لَّعَنَهُ ?للَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ?لْقِرَدَةَ وَ?لْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ?لطَّـ?غُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاء ?لسَّبِيلِ [المائدة:60] .

هؤلاء هم اليهود، سلسلةٌ متّصلة من اللؤم والمكر والعناد والبغي والشر والفساد، وَيَسْعَوْنَ في ?لأرْضِ فَسَادًا وَ?للَّهُ لاَ يُحِبُّ ?لْمُفْسِدِينَ [المائدة:64] . حلقات من الغدر والكيد والخسة والدناءة، تطاولوا على مقام الربوبية والألوهية: لَّقَدْ سَمِعَ ?للَّهُ قَوْلَ ?لَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ?للَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء [آل عمران:181] ، وَقَالَتِ ?لْيَهُودُ يَدُ ?للَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ [المائدة:64] ، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.

لقد رموا الرسل بالعظائم، واتهموهم بالشناعات والجرائم، آذوا موسى، وكفروا بعيسى، وقتلوا زكريا ويحيا، وحاولوا قتل محمد ، عملوا له السحر، ودسّوا له السمّ بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام، أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُم ?سْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ [البقرة:87] .

ولئن كانوا قد فعلوا فقتلوا شيخ المجاهدين فهم أهلُ كلِّ خسةٍ ودناءة وكل نذالة وكل حقارة، وما العجب أن تصدر الخسّة من أهلها, وإنما الذي يحرق صدورنا أن تسلمه الأمة هكذا وهو رمزها وقائدها وزعيمها، والمؤسف أيضًا أن يقف العالم بدولِه ومنظماته متفرّجًا وصامتًا وذليلًا وغائبًا، بل ويكيل بمكيالين أمام إرهاب دولة بل دولٍ بهذا المستوى.

سُحقًا للقوم المجرمين وهم يستخدمون الطائرات والصواريخ الآثمة لشيخ لا تحمله رجلاه ولا تتحرك يداه، بل يُحمل على عربته ويحيط به جمعٌ من إخوانه وأبنائه ومحبيه وكان مصيرُهم مصيرَه، وسحقًا لليهود الغادرين وزعيمهم السفاح شارون يتبجح أمام الملأ بأنه المخطط والمتابع لهذه الجريمة النكراء، أويظن شارون وكل الذين شاركوه من الأمريكيين والخائنين من العرب أنهم سيهنؤون بارتقاء الشيخ, لا وألف لا، بل"لا"تحملها الملايين الغفيرة التي خرجت وراء الشيخ في جنازته، فعلى خطى الشهيد سيسير ألف شهيد, وروح شهيد فلسطين وإن علت ستظل تخبر كلَّ من مشى في طريق التيه العربي أن سبيل الشيخ هو السبيل الحق.

ولا ننسى ـ أيها الإخوة ـ أمريكا، وما أدراك ما هي، غرور القوة وولَد الحماقة، فما زالت مخمورة بعنجهية النصر الكاسح على اليابان بعد قنبلتَيها النوويتين، فلا حكمة بل لا عقل لديها، بلد تديره عصابة من الصهاينة الأوغاد، ويا للعجب! لا مفكر ولا باحث ولا متأمل يرشدها سبيلها، ولعلها إرادة الله حتى تسقط سقوطًا يشفي صدورَ قوم مؤمنين.

لقد باعت أمريكا دنياها ودينها من قبل بثمن بخس، إرضاءً لليهود بسخط الجميع. هذه أمريكا، ما أرادت حتى الاستنكار، مع أن استنكارها قد يقال: إنه لا يغنينا عما نحن فيه شيئا، بل رأينا وقاحتها، وشيمتها الوقاحة، رأيناها وهي تطلب من الفلسطينيين الكفَّ عن إطلاق النار وضبط النفس, ضبط النفس!! وأي ضبط للنفس وهذه المجازر؟! بل كيف يملك أن يضبط نفسه من يرى أفراد أسرته يقتلون ومنزلَه وغُرَفَ بيوته تهدم بقذائف صاروخية؟! ثم يقولون: ضبط النفس! فاللهم ربنا أهلكها بعذاب من عندك، وأرسل عليها جندًا من جندك، فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم.

معاشر المسلمين، إن اغتيال الشيخ أحمد ياسين لهو من أوضح الدلائل على سجية القوم وما يكنُّونه لأمتنا ومقدّساتنا وقادتنا المصلحين، إنه لأمر تبكي له العيون دمًا، يُقتَل الأبرياء العزّل على أيدي سفاحي الصهاينة ورثة النازية والفاشية، فأيُّ حقٍّ لهم في فلسطين؟! الأرضِ العربية الإسلامية التأريخية إلى قيام الساعة، التي تبوّأت منذ فجر التأريخ مكانتها المرموقة لدى المسلمين، بل هي جزء من ثوابتهم وأمانة في أعناقهم، ولن يفرّطوا بشبر من أرضها ـ بإذن الله ـ ما دام فيهم عرق ينبض، وإن الحق الذي يدعيه يهود في فلسطين خرافةٌ لا سند لها وصلافةٌ لا مبرِّر لها، لقد مضى أكثر من خمسة عقود من الزمان على قضية المسلمين الكبرى والمأساة تتجدد يومًا بعد آخر، فأين المسلمون؟!

إنِّي أنادي والرّياح عصيبة والأرض جَمرٌ والدّيار ضِرام

يا ألف مليون ألا من سامع؟! هل من مُجيب أيّها الأقوام؟!

قد بُحّ صوتي من نداكِ أمتِي هلا فتًى شاكي السلاح هُمام؟!

لقد آن لكلِّ مسلمٍ أن يُخرجَ القلمَ ويَكتُبَ، وأن يرفعَ عقيرتَه ويَندُبَ، وأن يرتقيَ منبرَه ويَخطُب، وأن يرفعَ سلاحَه ويَضرِب، فلقد نكأت عملية الاغتيال جراحًا فوق أوجاعنا، يا ويح أمتِنا ماذا أصابها؟! أيطيب لنا عيش ويهدأ لنا بال ويرقأ لنا دمع ومقدساتنا تئنّ وقدسُنا تستنجد وفلسطيننا تنادي والأقصى يستصرخ قائلًا:

كلُّ المساجد طُهِّرت وأنا على شرفي أُدنَّس؟!

كل ذلك يحدث على مسمع من العالم ومرآه، وكأن المسلمين لا بواكي لهم، أين العالم بهيئاته ومنظماته؟! أين مجلس أمنهم وهيئة أممهم؟! أين هم من بكاء الثكالى وصراخ اليتامى وأنين الأرامل واغتصاب الأرض وتدنيس العرض؟! أين شعارات ومنظمات حقوق الإنسان الزائفة؟! ماذا يردّ الضمير العالمي؟! وأين هي المقاطعات السياسية والاقتصادية على مجرمي الحرب والمستهترين بالأعراف الدولية والقرارات العالمية؟! أين صناع القرار؟! أين قادة العالم؟! أين أصحاب الرأي؟! أين من يدّعي محاربة الإرهاب؟! أينهم جميعًا؟! ماذا يسمون ما فعله هؤلاء المجرمون بالشيخ ياسين وبالمسلمين في فلسطين؟! بل أين الحكومات العربية؟! أين الزعماء العرب أم أن قصاراهم شجب واستنكار؟! فالكل مدرك أن الزعماء العرب لن يفعلوا شيئا لأبناء الشعب الفلسطيني مثلما لم يفعلوا شيئا لأبناء العراق، حتى لو رأوا الدماء تصل إلى الركب في الضفة وغزة فقد فقدوا في معظمهم دماء الحياء. الزعماء العرب والحكومات سينسون غدا أو بعد غد اغتيال الشيخ ياسين، وستعود الفضائيات العربية إلى سيرتها السابقة في عرض البرامج المثيرة والمسلية لتعلمنا كيف نجيد تبادل القبلة المحرمة وفن الخمّة والضمّة، بينما سيواصل أبناء الشيخ ياسين وتلاميذه عملياتهم الاستشهادية ومواجهة الدبابات والطائرات الإسرائيلية كما فعلوا على مدى الأعوام الماضية.

أما والله إن عملية اغتيال الشيخ ياسين لهي رسالةُ إذلالٍ للقمّة العربية التي تلتئم أواخر الشهر الحالي, ولقد دأب على ذلك شارون دوما ردًا للجميل العربي.

معاشر المسلمين، وقبل بضعة أشهر ظهر الشيخ أحمد ياسين بكلمات مدوّية لم تأبه لها وسائل الإعلام، ولم تُعِرْها أيّ اهتمام، يشكو ياسين في سمو عجيب حاله وما آلَ إليه من شيخوخة، ويبين لنا حاله كمن شُلّ عن الحركة الجسمية لا من شُلّ عن البذل لهذا الدين ولو بروحه، يتحدث عن نفس قد سأمها المرض، ثم يتأوه من حال أمته ويرسل برقيات إلى قادة الأمة وشعوبها، ويختم حديثه بالدعاء والتضرع لله رب العالمين، وهكذا يكون السمو وإلا فلا.

وأنقل لكم كلامَه نصيًا وحرفيًا، يقول الشيخ المجاهد أحمد ياسين رحمه الله:"أوما ترون ـ أيها العرب ـ ما بلغ بكم الحال؟! إنني أنا الشيخ العجوز لا أرفع قلمًا ولا سلاحًا بيدي الميتتين، لستُ خطيبًا جمهوريًا أرجّ المكان بصوتي، ولا أتحرك صوب حاجة خاصة أو عامة إلا عندما يحركني الآخرون لها، أنا ذو الشيبة البيضاء والعمر الأخير، أنا من هدّته الأمراض وعصفت به ابتلاءات الزمان، كل ما عندي أنني أردتُ أن يَكتُبَ أمثالي ممن يحملون في ظواهرهم ما يبدو على أجسادهم كل ما جعله العرب في أنفسهم من ضعف وعجز، أحقًّا هكذا أنتم أيها العرب صامتون عاجزون أو أموات هالكون؟! ألم تعد تنتفض قلوبكم لمرأى المأساة الوجيعة التي تحل بنا؟! فلا قوم يتظاهرون غضبًا لله وأعراض الأمة، ولا قوم يحملون على أعداء الله الذين شنوا حربًا دولية علينا، بل وحولونا من مناضلين شرفاء مظلومين إلى قتلة مجرمين إرهابيين، وتعاهدوا على تدميرنا والقضاء علينا، ألا تستحي هذه الأمة من نفسها وهي تُطعَن في طليعة الشرف لديها؟! ألا تستحي دول هذه الأمة وهي تغضُّ الطرف عن المجرمين الصهاينة والحلفاء الدوليين دون أن يعطفوا علينا بنظرة تمسح عنّا دمعتنا وتربط على أكتافنا؟! ألا تغضب منظمات الأمة وقواها وأحزابها وهيئاتها وأشخاصها لله غضبة حقة فيخرجوا جميعًا في حشود هاتفة ليقولوا: يا الله، اجبر كسرنا وارحم ضعفنا وانصر عبادك المؤمنين؟! أوما تملكون هذا أن تدعوا لنا؟! قريبًا ستسمعون عن مقاتل عظيمة بيننا لأننا لن نكون حينها إلا واقفين مكتوبًا على جبيننا أننا متنا واقفين مقبلين غير مدبرين، ومات معنا أطفالنا ونساؤنا وشيوخنا وشبابنا، جَعَلْنا منهم وقودًا لهذه الأمة الساكنة البليدة، لا تنتظروا منّا أن نستسلم أو أن نرفع الراية البيضاء لأننا تعلمنا أننا سنموت أيضًا إن فعلنا ذلك، فاتركونا نمت بشرف المجاهد، إن شئتم كونوا معنا بما تستطيعون، فثأرنا يتقلده كل واحد منكم في عنقه، ولكم أيضًا أن تشاهدوا موتنا وتترحموا علينا، وعزاؤنا أن الله سيقتص من كل من فرّط في أمانته التي أعطيها، ونرجوكم أن لا تكونوا علينا، بالله عليكم لا تكونوا علينا يا قادة أمتنا ويا شعوب أمتنا، اللهم نشكو إليك نشكو إليك نشكو إليك نشكو إليك ضعف قوتنا وقلة حيلتنا وهواننا على الناس، أنت رب المستضعفين، وأنت ربنا، إلى من تكلنا؟! إلى بعيد يتجهمنا أم إلى عدو ملكته أمرنا، اللهم نشكو إليك دماءً سفكت وأعراضًا هتكت وحرماتٍ انتهكت وأطفالًا يتّمت ونساءً رمّلت وأمهات ثكّلت وبيوتًا خُرّبت ومزارع أتلفت، نشكو إليك تشتّت شملنا وتشرذم جمعنا وتفرّق سبلنا ودوام الخُلف بيننا، نشكو إليك ضعف قومنا وعجز الأمة حولنا وغلبة أعدائنا"انتهت كلمته رحمه الله رحمة واسعة.

أمة الإسلام، لا بأس أن نبكي اليوم ونحزن طويلا، فعلى مثل شيخ الجهاد أحمد ياسين لتبكي البواكي، ولكن على أن نغضب غدا، نغضبَ غضبا طويلا، وهذا الغضب سيصب على كل الصهاينة وأذنابِهم ودولة الطاغوت الكبرى الحامية لهم، وسيكون دم شيخ المجاهدين الشهيد بإذن الله أحمد ياسين وكلِّ المجاهدين بركانا يتفجر، ولن يهدأ حتى النصر بإذن الله.

اللهم إنا نسألك أن تخزي اليهود والنصارى المعتدين, اللهم عليك بأمريكا ودولة يهود، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم إنا نسألك أن تنصر الإسلام والمسلمين, اللهم إنا نسألك أن تحفظنا بالإسلام قائمين وقاعدين وراقدين يا رب العالمين.

أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله الأحد الواحد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وهو المستعان على ما نرى ونشاهد، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وقد عظم البلاء وقلّ المساعد، وحسبنا الله ونعم الوكيل وقد عظم الخطب والكرب زائد، وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله أفضل أسوة وأكرم مجاهد، صلى الله عليه وعلى آله أولي المكارم والمحامد، وصحبه السادة الأماجد، والتابعين ومن تبعهم بأحسن السبل وأصح العقائد، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة.

أيها الإخوة في الله، لقد كان مقتل الشيخ ياسين منظرًا هيّج نفوسنا وأجج أحاديثنا وقلّب مواجعنا وكشف عوراتنا وأهان رجولتنا ومرغ أنوفنا وأغرقنا بالدموع كالنساء. إن قتل الشيخ ياسين برهانٌ عملي لنسف كل محاولة للسلام الهزيل، ورسالةٌ واضحة أن الصهاينة لا يرضون بوجود آخرَ غير وجودهم ولو كانوا أبناء فلسطين الأصلاء، وهي رسالة للساسة والزعماء أيضًا تخبرهم بأن منهج التصفية وأسلوب الغدر هو سلوك إسرائيل وأخلاق اليهود، وأن اليهود قادمون وسيبحثون عمن يختبئ أو يظهر، وسيعاقبون ـ إن تُركوا ـ الجبناء وأصحاب الشجاعة، ولن يبالوا بمن داهنهم فترة من الزمن، فسكين الجزار لن تتوقف ما دام الجزارُ قادرًا على الذبح والإبادة.

وهنا يرد السؤال وهو: ماذا سيكون ردُّ المجتمعين في مؤتمر القمة العربية القادمة؟! لا سيما وقد انتهى زمن التضليل والتخدير، وما عادت الشعوب الواعية تقتنع بالمسكِّنات وامتصاص الغضب، أو ترضى بمجرد البيانات الختامية أو حتى الخطابات الثورية. إنها تنتظر مشاريع استراتيجية عملية، وتتلهف إلى رفع الهوان ووضوح الهوية وسلامةِ الراية ونزاهة القضية، وإذا سكتت الأمة على هذه الجريمة أو اكتفت بمجرد الشجب والتنديد فالعدو لا يغتال ياسين وحده، بل يغتال الأمة بأسرها، ولن تقف اعتداءاته في فلسطين بل سيجاوزها إلى غيرها، وفي العراق درسٌ وشاهدٌ، وفي المخطط والدهاليز فصول أخرى.

إخوة الإيمان، ولعلّ اللبنة الأولى في مواجهة هذا الصراع مع العدوّ الصهيوني الغاشم هي العودة إلى الذات، إصلاحُ بناء الأمة من الداخل، اعتصامُها بحبل الله وسنة رسوله ، والوقوفُ صفًا واحدًا أمام العدو المتربِّص، والتفطّنُ للعدو من الصديق، في الوقت الذي تواجه فيه الأمة ألوانًا من التحديات، يتولى كبرَها والتخطيطَ لها حكامُ صهيون وأذنابهم وأفراخهم، في حروبٍ معلنة وخفية، حتى بلغوا مبلغًا خطيرًا، أنجبت هذه المخططات نوابتَ في بلاد المسلمين ترفض الشريعة وتعبث بالأخلاق والقيم، سُخِّرت أقلامٌ وأفلام ووسائل إعلام لخدمة هذه المخططات الآثمة، وفي الأمة من لا يزال سادرًا في غيّه وضلاله، يُثبِّط ويُخذِّل، ولا تمثِّل عنده مقدسات الأمة شيئًا، لا تثير فيه عاطفةً إسلامية، يرى الأقصى كأيّ مبنى آخر، في وجه علمانيٍّ كالح، وآخرون في الأمة أشتاتٌ متنافرون، لعبت بهم الفرقة والخلافات والأهواء، واكتوت قلوبهم بالحسد والبغضاء والتباغض والشحناء، وأشغِل كثير منهم بالبدع والمحدثات، ولربما تشاءموا من بعض الشهور والأيام وذوي العاهات والأسقام.

إنها دعوة للأمة إلى أنه لا يستردُّ مجدٌ ولا يُطلب نصرٌ إلا بالسير على خُطى سلف هذه الأمة، فليس يصلُح أمرُ آخر هذه الأمة إلا بما صلَح به أولها، وإن التفريط في الثوابت ودخول النقص على الأفراد والمجتمعات في عقيدتها وقيَمها وأخلاقها وفضائلها سببٌ لحلول الهزائم في الأمم والانتكاسات في الشعوب والمجتمعات، فلن يُحرَّر الأقصى إلا بالقيام بما أمر الله به ووصى، ولن تُسترَدَّ المقدسات إلا برعاية العقيدة والشريعة والمكرمات، في محافظةٍ على سياج الفضائل ومجانبةٍ للشرور والرذائل، في محافظةٍ على قيم أبناء المسلمين وفتياتهم، ومجانبَتهم دسائسَ اليهود ومسالك الشر والفساد والسفور والتبرج والاختلاط.

فلقد علمت الأمة الإسلامية اليوم أن الأرض المقدسة لن تحرر من خلال التسكع في المنتجعات ولا من خلال الجلوس مع العلوج على الطاولات، وإنما الحل هو فعل النبي مع اليهود عندما نقَضوا العهود، نعم الجهاد في سبيل الله، حاصرهم حتى نزلوا عند حكمه من الجلاء أو القتل. إنّ الحل مع اليهود هو قوله: (( لقد جئتكم بالذبح ) )كما عند أحمد، وكما في قول الصحابي: (من يبايعني على الموت) .

نعم إن الحل مع هؤلاء ليس في السلام والوئام، ونحن نعلم أن الحقّ عندهم لا يؤخذ بالمدمَع ولكن بالمدفع، لا يؤخذ بالسلم ولكن بالحرب، لا يؤخذ بالضعف ولكن بالقوة، ليس السلام هو الحل، ولكن الجهاد هو الحل.

فوا عجبًا كيف أن ذروة السنام قد دَرَسَتْ آثاره فلا ترى، وطُمِست أنواره بين الورى، وأَعتم ليله بعد أن كان مُقمَرًا، وأظلم نهاره بعد أن كان نيّرًا، وذوى غصنه بعد أن كان مورقًا، وانطفأ حسنه بعد أن كان مشرقًا، وقفلت أبوابه فلا تطرق، وأهملت أسبابه فلا ترمق، وصفدت خيوله فلا تركض، ورُبطت أسوده فلا تنهض، وامتدت أيدي الكفرة الأذلاء إلى المسلمين فلا تُقبض، وأغمدت السيوف بعيدًا عن أعداء المسلمين إخلادًا إلى حياة الدعة والأمان، وخرس لسان النفير إليهم، فصاح نفيرهم في أهل الإيمان، ونامت عروس الشهادة إذ عُدمت الخاطبين، وأهمل الناس الجهاد كأنهم ليسوا به مخاطبين، فلا نجد إلا من طوى بساط نشاطه عنه، أو تركه جزعًا من الموت وهلعًا، أو جهلًا بما فيه من الثواب الجزيل، ورضي بالحياة الدنيا من الآخرة، وما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل.

وأخيرًا عباد الله، هذا ما يقاسيه المسلمون من مآسٍ وقروح، ولكن الذي يطمئننا أن جولة البغي ساعة وجولة الحق إلى قيام الساعة، إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِين وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ [آل عمرتن:140، 141] ، والله المسؤول أن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان، وأن يهيِّئ لهم من أمرهم رشدا، إنه جواد كريم.

هذا واعلموا أن الله قد أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه فقال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .

اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الراشدين، وعن باقي العشرة المبشرين بالجنة، وعن سائر صحابة رسولك، وعن تابعيهم، وعنا معهم برحمتك ومنك يا أرحم الراحمين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، اللهم عليك باليهود الحاقدين والنصارى المعتدين...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت