الأسرة والمجتمع, العلم والدعوة والجهاد
قضايا المجتمع, محاسن الشريعة
عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
الرياض
جامع الإمام تركي بن عبد الله
1-وجوب شكر الله تعالى على نعمه. 2- نعمة الإسلام ومبعث النبي. 3- نعمة الأمن والاستقرار. 4- نعمة العقل. 5- ضلال من حكّم العقل المطلق. 6- كيد الأعداء الإسلام والمسلمين. 7- أهل التغريب وأهل التخريب. 8- خطورة الفتن. 9- دعوة لاغتنام فرصة العفو.
أمّا بعد: فيا أيّها الناس، اتقوا الله تعالى حقَّ التقوى.
عبادَ الله، اشكُرُوا الله على نِعَمه العظيمة وآلائه الجسيمة، فإنه تعالى أنعمَ عليكم بنعَمهِ، وأحبَّ منكم أن تشكُروه على نِعَمه، بل أمركم بذلك ورتَّب على شكركم لنِعَمه المزيدَ من فضله وكرمه: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم:7] ، والكفرُ بالنعمة سببٌ للعقوبة، وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم:7] . وكلّما تأمَّل المسلمُ نِعَم الله عليه حقيقةً دعاه ذلك إلى شكرِها، فاللهُ الذي أنعمَ وتفضَّل يرضى منَّا أن نحمدَه ونثنيَ عليه، وأن تقومَ بحقيقةِ هذه النعمةِ وشكرها، في الحديث عنه: (( إنَّ اللهَ يرضى عن العبد يأكُل الأَكلةَ فيحمده عليها، ويشربُ الشَّربةَ فيحمده عليها ) ) [1] . فالحمدُ لله على عُموم نِعَمه وعظيم آلائه، له الحمد حتى يرضى، وله الحمدُ إذا رضي، ولا حولَ ولا قوَّة إلا بالله.
أنعم الله علينا بالإسلام، ونعمةُ الإسلام ـ يا إخواني ـ أجلُّ النِّعم وأكبرُها، لا نعمةَ تُماثلها. مَن رزقَه الله نعمةَ الإسلام فعرف ربَّه ووحَّده وعرفَ نبيَّه فاتّبعه وعرفَ دينَ الإسلام فاستقام عليه فتلك النعمةُ العُظمى والمنَّة الكبرى، الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3] .
أنعمَ الله علينا بمبعَث محمّدٍ ، فإنَّ بعثتَه مِنّة من الله علينا، ونعمةٌ من الله أنعم بها علينا، وقد ذكَّر الله عبادَه المؤمنين هذه المِنّةَ وتلك النعمةَ ليعرفوا قدرَها ويقوموا بحقِّها: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [آل عمران:164] ، هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [الجمعة:2] ، لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128] . وبعثتُه رحمةٌ من الله رحِم بها الخليقة أجمع، وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107] . فمن عرف هذه النعمةَ أحبَّ هذا النبيَّ الكريم واتّبع سنتَه واقتفى أثره وسأل الله الثباتَ على ذلك.
أنعم الله علينا بالأمنِ والاستقرار، ونعمةُ الأمن ورغَد العَيش من النِعَم العظيمة التي يذكرها المسلم فيشكُر الله عليها، أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [القصص:57] . أجل، نحن بِجوارِ حَرمِ الله، ونتمتَّع بهذه النّعَم، وننظر إلى هذهِ النّعَم، النعم المتعدِّدة التي نعجز عن عدِّها وإحصائها، وصدق الله: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [إبراهيم:34] .
أخي المسلم، إنَّ من نِعَم الله عليك نعمةَ العقل، فالعقلُ نعمةٌ من الله على العبد، أنعَم به عليه ليميِّزَ بين الحسَن والقبيح، وبين الخير والشر، وبين النافع والضارّ. العقلُ نعمةٌ كرَّم الله بها بني الإنسان وفضَّله بها على سائر المخلوقات، وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا [الإسراء:70] . فالعقلُ من النِّعم التي فضُل بها الإنسان على سائر الحيوان.
أيها المسلم، هذا العقلُ فُرض عليك المحافظةُ عليه، وحَرُم عليك التعدِّي والجناية عليه؛ لأنّ في الجناية عليه إضعافًا لمساره وتكديرًا لإدراكه.
أخي المسلم، هذا العقلُ نعمةٌ من الله عليك، متى كمُل واستقام على الحقيقةِ قاد العبدَ إلى الخير والهدى، وإنما يُؤتى العبدُ من ضَعف الإدراك وقِلَّةِ التصوّر، والله يهدي من يشاء ويضلّ من يشاء.
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:46] . فاسأل الله أن يثبِّت قلبَك على الحقّ، وأن يجعلك تدرك الحقّ وتعرفه، ثم تعمل به لتكون من المتّقين.
أخي المسلم، كان الناسُ قبلَ مبعَث محمّد في غايةٍ من الضلال والبُعد عن الهُدى، الجهلُ ضاربٌ بأطنابه عند العرب وغيرهم، وكان عندهم من الانحراف في العقيدةِ والسُّلوك ما اللهُ به عليم. عقولُهم لم يسخِّروها في إدراكِ النافع، بل عطّلوها وساروا على ما اعتادوه من الضَّلالات والجهالات والانخداعِ بمذهب الأسلاف والآباء، إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ [الزّخرف:22] . إذًا فعقولهم مُعَطّلة، لم تُدرك الحقّ، ولم تفهَم المرادَ إلا النزرَ اليسير، فبعث الله محمّدًا بالهدى ودين الحقّ، فمنّ اللهُ على من شاء، فحكَّم عقلَه، وأدرك الحقيقة، وعلِم أنّ ما جاء به محمّد هو الحقّ والبرهان الصادق، فالتزم الإسلامَ واقتنع به وصار من أهل الإيمان، وأضلّ الله قلوبَ آخرين، فانغلقت عن قَبول الحقّ، وانحرفت عن الهدى، وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ [فصلت:5] . عقولٌ لم تهدِ أربابَها إذ عبَدوا غيرَ الله، وتعلَّقوا بغيرِ الله، واستمرّوا على جاهليَّتهم وضلالاتهم، قال ابن عباس: (من أراد أن يعلمَ جهلَ العرَب فليقرأ قوله: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمْ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [الأنعام:140] ) [2] .
أيّها المسلم، وهناك مِن خَلقِ الله من حكَّم العقلَ المطلَق دون أن يربِطه بشرع، بل جعل حُكمَه إلى ما يميله عقلُه وفِكره دون أن يتربطَ بشرع ودين، وهناك يَضلُّ مَن يضلّ؛ لأنّ كلَّ عقل لا يرتبط بالحقّ والهدى فلن ينفعَ صاحبه، أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان:44] ، وقال: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ [الأعراف:179] . فمَوادُّ الإدراك إذا ارتبَطَت بالشرعُ وُفِّق العبدُ للخير، وإن اعتمَد على فِكره ورأيِه من غير التفاتٍ للشرع ضلّ ضلالًا مبينا. واللهُ جلّ وعلا جعل العقولَ مَقاسَ التكليف في أصول الدين وفروعه، رُفع القلمُ عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصبيِّ حتى يبلغ. وخاطب اللهُ بالآيات أهلَ العقول: إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الرعد:4] ، وجعل العقلَ السليم يميِّز صاحبَه من أرباب الجهل: وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ [العنكبوت:43] ، وحُذِّرنا من الجناية على هذا العقل، سواء [كانت] تلك الجناية حِسّيّة كالمسكِرات والمخدِّرات التي تضرّ بالعقل وتضعِف إدراكه، أو أشياء معنويّة كالانخداع بالبدع وأنواع الضّلالات والأخطاء المخالفة للحقّ.
أيها المسلم، فعليك أن تسأَل الله أن يثبِّت قلبَك على الحقّ، وأن يبصِّرك بالهدى، وكان نبيُّكم يُكثر أن يقول: (( لا ومقلِّب القلوب ) )، فسئل فقال: (( إنَّ قلوبَ العبادِ بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلِّبها كيف يشاء، إذا أراد أن يقلِب قلبَ عبدٍ قلبه ) ) [3] . فعياذًا بالله من زَيغ القلوب ومن تتابُع الذنوب ومن مُضلاَّت الفتن.
أيها المسلم، إنّ أعداءَ هذا الدينِ نصَبوا له العداءَ من القِدم، منذ أن بعثَ الله محمّدًا وأعداؤه من العرب أو غيرهم نصبوا له العداء، ولشريعته العداء، ولولا حِفظُ الله لهذه الشريعة وأنَّ اللهَ تكفَّل بحفظها إلى أن يرثَ الله الأرضَ ومن عليها وهو خير الوارثين، لولا ذلك لانطفأت آثارُ الشريعة وانقضت آثارها؛ لأنَّ العداء لها صارخٌ، عِداءٌ قوي، عداء منَظَّم، عِداء يقوم على إعدادِه أخبثُ الخَلقِ وأشرّ الخلق، ولكنّ الله يقول: يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [الصف:8] ، وأنَّ هذا الدينَ يبلغ ما بلغ الليلُ والنهار بعزِّ عزيز وذلِّ ذليل، وأنّ هذه الأمةَ لا يزال دينُها باقيًا إلى أن يرثَ الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، وفي الحديث: (( ولا تزالُ طائفةٌ من أمّتي ظاهرين على الحقّ، لا يضرُّهم من خذلهم ولا من خالفهم ) ) [4] . كم عودِيَ هذا الكتاب العزيزُ وحاوَل من حاول، ولكن باءت كلُّ المحاولاتِ بالفشل، إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9] ، وأخبرهم تعالى أنَّ الثقلين الجنَّ والإنس لو اجتمعوا أن يأتوا بمِثل هذا القرآن ما استطاعوا: قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:88] .
عُودِيَت السنة فهيَّأ الله لها من محَّصها وأزال عنها أكاذيبَ الكاذبين وانتحالَ المبطلين، عُوديت هذه الشريعةُ وعُودي المسلمون، ولكن الحقّ واضحٌ والله يقول: وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج:40] .
حاربوا الأمّةَ المسلمة بكلِّ ما أوتوا من قوّة ليقضوا على هذا الدين، فلم يفلِحوا ولم يستطيعوا، حاربوهم اقتصاديًّا فلم يفلحوا، لكنَّ المصيبةَ والمكيدة كلّ المكيدة أن حاربوا الإسلام ببعضِ أبناءِ المسلمين، وأن جَعَلوا بعضَ أبناء المسلمين حَربًا على الإسلام وأهله، وتلك المصيبةُ العُظمى والبليّة الكبرى.
تربَّى بعضُ أبناء المسلمين على أفكارِ أعداءِ الإسلام، وعلى آرائهم الضالّة وأفكارهم المُنحرِفة، فانخدع بهم وأحسنَ الظنَّ بهم وظنَّ أنهم على حقٍّ وهم على باطل. انتصب بعضُ أبناءِ المسلمين حربًا على الإسلام وأهله، حربًا على العقيدةِ، حربًا على القيَم والفضائل، حربًا على الآداب الشرعيَّة والسلوك المرضيَّ، حاول عزلَ الدين عن الدنيا والفصلَ بين هذا الدينِ وحياة الناس وجَعل هذا الدين تراثًا قديمًا لا يستطيع أن يواكبَ العصَر ولا أن يسايرَ الحياة، وكلُّ هذا من التجنِّي على الإسلام وأهله.
وفئةٌ أخرى من بعضِ أبناء المسلمين فهِموا الإسلامَ على غير فهمِه، وتصوّروه على غير حقيقتِه، فحصل عندهم من الانغلاقِ وسوء الفهم وقِلَّة التصوّر ما الله به عليم. خرج بهم عدوُّ الله إبليس إلى دَور الغلوّ والتشدُّد المذموم والغلوّ الباطل حتى نصبوا العداءَ للإسلام وأهله، فكفّروا الأمَّة، واستباحوا دماءَها وأموالها، ولم يرعَوا لذي عهدٍ عهدًا ولا لذي ذمّةٍ ذمّة، وكلُّ هذا من خطواتِ الشيطان ووساوسه وأباطيله، وشرعُ الله وسَطٌ بين من غلا وبين من جَفا، وسطٌ بين من غلا فخرج عن المنهج القويم بغلُوِّه، وبين من جفا فشطَّ عن الحقِّ وابتعدَ عن سبيل الهدى، قال تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام:153] .
فلنتَّق الله في أنفسنا، ولنلزَم الطريقَ السويّ الذي يقودنا إلى الخير، ولنتعاوَنْ فيما بيننا على البرّ والتقوى، وليوصي بعضُنا بعضًا بالحقّ والثباتِ عليه. أسأل الله للجميع التوفيقَ لما يحبّه ويرضاه إنه على كلّ شيء قدير.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [الأحقاف:13] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآياتِ والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.
[1] أخرجه مسلم في الذكر (2734) عن أنس بن مالك رضي الله عنه.
[2] أخرجه البخاري في المناقب (3524) .
[3] أخرجه أحمد (3/112، 257) ، والترمذي في القدر (2140) ، وابن ماجه في الدعاء (3834) ، وأبو يعلى (3687، 3688) عن أنس رضي الله عنه، وحسنه الترمذي، وأورده الألباني في صحيح سنن الترمذي (1739) .
[4] أخرجه البخاري في المناقب (3641) ، ومسلم في الإمارة (1037) عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه. وأخرجه مسلم في الإمارة (1920) عن ثوبان رضي الله عنه.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه كما يحبّ ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أمّا بعد: فيا أيّها الناس، اتقوا الله تعالى حقَّ التقوى.
عبادَ الله، من رحمةِ الله بالأمّة أن تُساسَ بشريعةِ الله، وأن يحكَّم فيها شرعُ الله، وأن تعالجَ قضاياها ونوازلُها على وفق شرع الله، فالأمّةُ إذا حكَّمت شرعَ الله وتحاكمَت إليه وتعامَلت مع كلِّ القضايا بما يُوافِق شرعَ الله فذاك الخير والفلاحُ والسعادة.
ومِن توفيقِ الله أن يوفِّق الله قادةَ الأمّة بالسّعي فيما يُصلح الأمةَ ويدفعُ عنها البلاء ويحقِّق لها الخيرَ ويأخذ بناصيتها لما فيه صَلاحُ الدين والدنيا.
إخوتي، نعلم ما جرى من أحداثٍ وما تتابَع من أمور، وكلُّ ذلك بقضاء الله وقدره، مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد:23] ، أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحج:70] . فما يجري في كون الله فكلُّه بقدرٍ سابق، فالمؤمنُ يؤمِن بقدر الله وأنَّ ما شاء الله كان وأنَّ ما لم يشأ الله لم يكن، ثمّ المؤمنُ يعلم أنه لا مصيبةَ في الإنسان في نفسه ولا في أمته إلاَّ والمصائبُ سببُها الذنوبُ والمعاصي، قال تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30] ، وقال: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا [الروم:41] أي: لا كلّه، وقال: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ [فاطر:45] ، فلا شكَّ أن ما يجرِي فبِذنوب العِباد، ولا يرفَع البلاءَ إلاَّ التوبةُ إلى الله والندمُ والاستغفار واللجوءُ إلى الله، والله يقبل توبةَ التائبين، وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنْ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [الشورى:25] .
أبنائي، إخواني، إنَّ كلَّ مسلم حقًّا يسعَى فيما يُصلح دينَه ودنياه، ويبحَث عن الحقِّ أين هو فيسلكُه، والباطلِ فيبتعد عنه، ولا ينخدع ويغترّ، ولا يلجّ في باطله ويستمرّ في أخطائه، فإنّ المسلمَ كلَّما استبان له طريق الرّشد سعَى إليه، كلّما تبيَّن الهدى اتَّبعه، وقد ذمَّ الله قومًا إذا رأَوا الحقّ عدَلوا عنه، قال تعالى: سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا [الأعراف:146] ، فعِياذًا بالله من زَيغ القلب.
أبنائي المسلمين، إنَّ الفِتَنَ ضرُرها عظيم وشرُّها مستطير، فهي تُغيِّر قلوبَ العِباد، فيتصوَّروا الباطلَ حقًّا والحقَّ باطلًا والحسنَ قبيحًا والقبيحَ حسنًا، وعدوُّ الله إبليس يجلِب عليه بخيله ورجله، فيحسِّن الباطل حتى يقتنع به وهو على غير هدى، قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف:103، 104] .
أيّها المسلم الكريم، إنَّ طُرقَ الغواية وطرقَ الضلالةِ أمرُها واضح، لا يحلُّ لك أن تسلكَها وقد استبان لك الحقّ وعرفتَ الخطأ وتبصَّرت في الأمر، فيجبُ أن تتوبَ إلى الله، وأن تتركَ ما أنت عليه من سبيل الغواية.
يا أخي المسلم، هذه الفِتَنُ اقتنعَ بها بعضُهم، يقولون: نحن نجاهِد في سبيل الله. أُخبِرك ـ أخي ـ أنَّ هذا الفعلَ قتلَ الأبرياء وتدميرَ الأموال ليس واللهِ جهادًا في سبيل الله، وأُشهِد الله أنه ليس جهادًا في سبيل الله، ولكنه في سبيلِ الشيطان، ليس جهادَ حقٍّ، ولكنه باطلٌ وفِتَن لُبِّس على من لُبِّس عليه، يزعُم أنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، والأمر بالمعروف والنهيُ عن المنكر له طُرُقه المعروفة، فليس يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر إلا من يعلَم أنَّ أمرَه بالمعروف مَقبول، ونهيه عن المنكر ممكِن، ويوضِّح الحقَّ، أما أن ينهى عن منكر فيقع في منكر أعظمَ منه وفي بلاء أعظمَ منه فيا ليتَه لم يأمر ولم ينهَ.
يا أخي، تبيَّنَ الحقُّ لك، واستبان الأمرُ لك، فما عليكَ إلاَّ أن تتوبَ إلى ربّك، وتعود إلى رشدك، وتسلكَ طريقَ الجماعة، وتحمدَ الله على النعمة والعافية.
يا أخي، وإذ عُرِض العفوُ والأمان على كلِّ من لم يجنِ وأُعطيَ أمانَ الله على نفسِه إن هو عاوَدَ رُشدَه وتاب من خطئه وأصلحَ وضعَه، فتلك نعمةٌ ومِنَّة من الله عليك ليس هذا من ضَعفٍ، ولكنه رحمةٌ بالخلق وسياسةٌ يُساسون بها على وفقِ شرع الله، فالمهمّ الإصلاح، والمهمّ التوجيه، والمهمّ معالجةُ الأفكار الخاطئة، والمهمُّ أن يقفَ الإنسان على خَطئه ويعلم الخطأ الذي وقع فيه، فيتدارك نفسَه، ويحمد الله على العافية.
إذ عُرض الأمان وقيل: مَن أتى فهو آمنٌ بأمانِ الله على نفسه، فهذا ميثاقٌ وعَهد قطعَه إمامُ الأمة، فلذا يجبُ الإصْغاء والسمعُ والطاعة وحمدُ الله على هذه النعمة والسعيُ في لَمِّ الشعث ووحدة الصف وجمع الكلمة؛ لأننا أمةٌ مسلمة يجب أن نتحاكمَ لشرعِ الله، وأن يكونَ الفيصَلُ بيننا كتابَ الله وسنَّة محمّد، وعلى الجميع أن يتعاونوا على ذلك، وعلى الجميع أن يُرشِدوا أبناءَهم وإخوانهم ومن زلَّت به القدَم أن يغتنِم هذه الفرصة، ويحمدَ الله على هذه النعمة، ولا يستمرّ على إجرامه، فإنَّ من لقيَ الله وليس في قَلبه بيعةٌ لإمامِه لقي اللهَ ولا حجَّةَ له وميتَتُه ميتةٌ جاهلية. إذًا فاغتنامُ نِعمةِ الأمان التي عَرَضها إمامُ الأمّة ووليُّ عهده تُعتبر نعمةً سابغة وخيرًا وفضلًا عظيمًا وحِرصًا على توحيدِ الأمة والسعي في الإصلاح وتَنبيه أهلِ الأخطاء؛ ليعودوا إلى رشدهم، ويتوبوا من ذنبهم، ويحمَدوا الله أن هيَّأ لهم من يرعَى مصالحهم ويأخذ بأيديهم لما فيه الخير والصلاح للأمة في حاضرها ومستقبلها.
أسأل اللهَ أن يوفِّق للجميعَ للخير، وأن يطفئ عن المسلمين الفتن، ويجمعَ قلوبنا على طاعته.
واعلموا ـ رحمكم الله ـ أنّ أحسنَ الحديثِ كتاب الله، وخير الهديِ هدي محمّد ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعة ضلالة، وعليكم بجماعةِ المسلمين، فإنّ يدَ الله على الجماعة، ومن شذّ شذّ في النار.
وصلّوا ـ رحمكم الله ـ على عبدِ الله ورسوله محمّد كما أمَركم بذلك ربّكم، قال تعالى: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .
اللهمّ صلِّ وسلِّم وبارك على عبدِك ورسولِك محمد، وارضَ اللهمّ عن خلفائه الراشدين...