فهرس الكتاب

الصفحة 5667 من 5777

الدفاع عن الضرورات لا يبيح المحرمات

الرقاق والأخلاق والآداب, العلم والدعوة والجهاد

القتال والجهاد, الكبائر والمعاصي

سعد بن عبد الله العجمة الغامدي

الطائف

سعيد الجندول

1-حكم الجهاد. 2- فضل الجهاد. 3- التحذير من التخلف عن الجهاد. 4- من مقاصد الجهاد وغاياته. 5- من أحكام الجهاد وآدابه. 6- فضل الشهادة في سبيل الله. 7- تحريم التولي يوم الزحف. 8- الفروق بين جهاد الدفع وجهاد الطلب. 9- تحريم العمليات الفدائية.

أما بعد: فمما هو معلوم أن الجهاد في سبيل الله فرض كفاية على المسلم في هذا الزمان حيثُ وجودُ الجيوشِ الرسميةِ الْمُعَدَّةِ لذلك، ويصبح فرض عين على أفراد المسلمين عمومًا من الرجال الذين يجب عليهم الجهادُ إذا هاجم العدوُّ بلادَ المسلمين وإذا دعا إليه ولي الأمر أو أمر به حيث لا يجوز التخلف عنه لمن ليس له عذر يمنعه عنه.

وقد رغب الله ورسوله في الجهاد في سبيل الله أعظمَ ترغيبٍ يُحَرِّكُ في نفوس المؤمنين مشاعر التطلع للفوز برضا رب العالمين والدرجة العالية في جنة النعيم، ولقد أَجْزَلَ اللهُ ثوابَ المجاهدين والشهداء، فلم يَلْحَقْهُم في مثوبتهم ودرجتهم إلا من عمل بمثل عملهم واقتدى بهم في جهادهم، ومنحهم من الامتيازات الروحية والعملية في الدنيا والآخرة ما لم يمنح سواهم، وجعل دماءَهم الطاهرةَ الزَّكِيَّةَ عُرْبُونَ النَّصرِ في الدنيا وعنوان الفوز والفلاح في الآخرة، وتَوَعَّدَ المتخلفين القاعدين بأفظع العقوبات، ووصفهم بأبشع النعوت والصفات، ووَبَّخَهُمْ على الْجُبْنِ والْقُعُودِ، وأعدَّ لهم في الدنيا خِزْيًا وذُلًا لا يُرفع عنهم إلا أن يجاهدوا، وفي الآخرة عذابًا لا يفلتون منه ولو كان لهم مثل الجبال ذهبًا.

ولنستمع إلى قول الله عز وجل في وصف المنافقين الفاسقين الذين كرهوا الجهاد بالمال والنفس مع رسول الله وما هو جزاؤهم، وهو جزاء مَنْ يشبههم ممن ينتسب إلى الإسلام إلى يوم القيامة، قال تعالى: فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِي أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِي عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة: 81-85] .

ولم يوجد ولن يوجد نظام في القديم أو الحديث يُعْنَى بشأن الجهاد والجندية واسْتِنْفَارِ الأمة وحَشْدِهَا كلِّها صفًا واحدًا للدفاع بكل قواها عن الحق مثل ما هو موجود في دين الإسلام وتعاليمه، فالكثير من آيات القرآن الكريم ومن أحاديث رسول الله فَيَّاضَةٌ بكل المعاني السامية، فيها الدعوة بأفصح عبارة وأوضح أسلوب إلى الجهاد في سبيل الله وتقوية وسائل الدفاع والقتال بكل أنواعها على اختلاف الأزمنة والأمكنة، ويكون وقوف الأمة المسلمة المؤمنة صفًا واحدًا ضد أعداء الله ورسوله وأعداء الإسلام والمسلمين مما يحبه الله ويرضى عنه، كما قال الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ [الصف: 4] .

إن فرضية الجهاد على المسلمين ليست أداة للعدوان ولا وسيلة للمطامع الشخصية، ولكنها حماية للإسلام والمسلمين وضمان للسلم وأداء للرسالة التي حمل عِبْأَهَا المسلمون، رسالة هداية الناس إلى الحق والعدل. ولا بد للمسلم أن يعرف لماذا يقاتل، وخاصة في هذا الزمان الذي التبس فيه الحق بالباطل والخير بالشر ولا يعرفه إلا القليل من الناس، وأخص المسلمين المؤمنين بالله في أي دولة من دول العالم الذين يعملون في الجيوش الرسمية أو الاحتياطية أو المتطوعة. فلا بد أن يكون القتال والحرب سواء كانت دفاعية أو هجومية من أجل إعلاء كلمة الله مصحوبة بالإخلاص والصواب. وإن كانت دفاعية فقط عن الدين أو النفس أو المال أو العرض فإن المقتول فيها شهيد بإذن الله عز وجل، ومشروع للمسلم أن يدافع عن أَيَّةِ واحدةٍ منها، فإذا اجتمع الاعتداء عليها جميعًا من أَيِّ صائلٍ سواء كان مسلمًا أو كافرًا كان الدفاع عليه ألزم وأوجب. عن سعيد بن زيد رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله يقول: (( من قُتِل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد ) )رواه أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجة رحمهم الله، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله فقال: يا رسول الله، أَرَأَيْتَ إن جاء رجل يريد أَخْذَ مالي؟ قال: (( فلا تُعْطِه مالك ) )، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: (( قَاتِلْهُ ) )، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: (( فأنت شهيد ) )، قال: أرأيت إن قتلتُه؟ قال: (( هو في النار ) )رواه مسلم والنسائي رحمهما الله.

وعن استصحاب الإخلاص والبعد عن الرياء والسمعة أُورد مكان الشاهد من حديث طويل معلوم للجميع لئلا يحبط العمل ويكون المجاهد في نظر الناس في الدنيا أنه من أهل الجنة وهو من أهل النار، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: (( إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل استشهد، فأتي به فعرّفه نعمته فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكن قاتلت لأن يقال: هو جريء، فقد قيل، ثم أُمِرَ به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ) )الحديث. رواه مسلم واللفظ له والنسائي والترمذي وابن خزيمة رحمهم الله.

إذا علم المسلم لماذا يقاتل ويحارب ويدافع وجب عليه أيضًا أن يعرف أمورًا أخرى تتعلق بالجهاد؛ لأنَّ في الجهاد أنبلَ الغاياتِ وأفضلَ الوسائلِ، لذلك فإن المسلمين حينما يقاتلون لا يعتدون ولا يفجرون ولا يفسقون ولا يُمَثِّلُونَ ولا يسرقون ولا ينتهكون الحرمات بزنا أو غيره من أنواع المحرمات ولا يقومون بالأذى في حربهم سواءٌ كانت الحرب مع أعداء الله ورسوله من الكفار أو مع فئة باغية من المسلمين؛ لأن المسلمين الحقيقيين في الحرب خيرُ محاربين على وجه الأرض، كما أنهم في سِلْمِهِمْ خيرُ مُسَالِمِين.

وقد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة على ذلك، ومنها في تحريم العدوان والأمر بالعدل حتى مع الأعداء والخصوم عمومًا مهما كانت البغضاء والعداوة قول الله عز وجل: وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [المائدة: 87] ، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المائدة: 8] ، وعن الغلول والأخذ من الغنيمة خفية دون المسلمين المجاهدين قال الله عز وجل: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [آل عمران: 161] .

وقد امتدح رسول الله المؤمنين بأنهم أحسن الناس وأعفهم وأشرفهم وأرحمهم عندما يريدون قتل أحد من أعداء الله ورسوله، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( أعفُّ الناس قِتْلةً أهلُ الإيمان ) ). ولقد نهى رسول الله عن التمثيل بالمقتول من الأعداء والمسمى بالْمُثْلةِ وعن الغَدْرِ والغلولِ وأمر باجتناب الوجه وعدم قتل الأولاد والصبيان ومَنْ دونهم في السن والنساء والشيوخ، عن بريدة رضي الله عنه قال: كان رسول الله إذا أَمَّرَ الأميرَ على جيش أو سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ في خاصته بتقوى الله تعالى ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: (( اُغْزُوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تَغُلُّوا ولا تَغْدُروا ولا تُمَثِّلوا ولا تقتلوا وليدًا ) )رواه مسلم رحمه الله، وروى البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه ) )، وعن عبد الله بن يزيد الأنصاري رضي الله عنه قال: نهى رسول الله عَنِ النَّهْبِ والمُثْلَةِ. رواه البخاري رحمه الله. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حدثني عمر رضي الله عنه قال: لما كان يوم خيبر أقبل نفر من أصحاب النبي فقالوا: فلان شهيد، وفلان شهيد، وفلان شهيد، حتى مرّوا على رجل فقالوا: فلان شهيد، فقال رسول الله: (( كلا، إني رأيته في النار في بُرْدَةٍ غلَّها ) )أو: (( في عباءة غلّها ) )، ثم قال النبي: (( يَا بْنَ الْخَطَّابِ، اذهبْ فَنَادِ في الناس: إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون ) )رواه مسلم والترمذي وغيرهما، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قام فينا النبي ذات يوم فَذَكَرَ الْغُلُولَ فَعَظَّمَهُ وعَظَّمَ أَمْرَهُ حتى قال: (( لا أُلْفِيَنَّ أحدَكم يجيء يوم القيامة على رقبته بَعِيرٌ له رُغَاءٌ، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فَرَسٌ له حَمْحَمَةٌ، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شَاةٌ لها ثُغَاءٌ، يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نَفْسٌ لها صِيَاحٌ، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رِقَاعٌ تَخْفِقُ، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك، لا أُلفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صَامِتٌ، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك ) )رواه البخاري ومسلم واللفظ له، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله إلى خيبر ففتح الله علينا فلم نغنم ذهبًا ولا وَرِقًا، غنمنا المتاع والطعام والثياب، ثم انطلقنا إلى الوادي ـ يعني وادي القرى ـ ومع رسول الله عَبْدٌ له وَهَبَه له رجل من جُذام يُدعى: رِفاعة بن يزيد من بني الضبيب، فلما نزلنا قام عبد رسول الله يحلّ رحله فَرُمِيَ بِسَهْمٍ فكان فيه حتفه، فقلنا هنيئًا له الشهادة يا رسول الله، قال رسول الله: (( كلا والذي نفس محمد بيده؛ إن الشملة لتلتهب عليه نارًا، أخذها من الغنائم ولم تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ ) )، قال: ففزع الناس، فجاء رجلٌ بِشِرَاكٍ أو شِرَاكَيْنِ، فقال: أصبت يوم خيبر، فقال رسول الله: (( شِرَاكٌ من نار، أو شِرَاكَانِ من نار ) )رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي. والشملة: كساء أصغر من القطيفة يُتّشَحُ به.

الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده عز وجل وأشكره وأثني عليه الخير كله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا وحبيبنا وسيدنا محمدًا عبد الله ورسوله، سيد المجاهدين وإمام المتقين وقائد الْغُرِّ الْمُحَجَّلِينَ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.

أما بعد: فإن الله عز وجل يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدَّيْنَ، ويشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله قال: (( يُغفر للشهيد كل ذنب إلا الدَّيْنَ ) )رواه مسلم، وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: (( الشهيد يشفع في سبعين من أهل بيته ) )رواه أبو داود وابن حبان.

ومن الأمور المحرمة التي تجب معرفتها والحذر منها وهي من كبائر الذنوب: التولي يوم الزحف عند التقاء الجيشين ثم يفرّ المسلم من ذلك الموقف خوفًا وهربًا من الموت وحبًا في البقاء في الحياة الدنيا. روى البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي أنه قال: (( اجتنبوا السبع الموبقات ) )، قالوا: يا رسول الله، وما هنّ؟ قال: (( الإشراك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ) ).

ومما ينبغي التحذير منه ما نسمعه أحيانًا من أنصاف المتعلمين والذين يُفتون بغير علم ولا يعرفون الجمع بين الأدلة وتخفى عليهم كثير من المعاني ويُضِلّون أنفسهم ويُضلون من يُفتونهم من عامة الناس، فعندما سئل أحدهم عن اعتداء دولة على أخرى: هل الدفاع عن الأرض والممتلكات وغيرها يعتبر جهادًا من أجل إعلاء كلمة الله أم أن الأرض لله يورثها من يشاء؟ فأجاب بنهاية الحديث المعروف: (( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ) )، وبالآية القرآنية: إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف: 128] ، وقوله تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ [الأنبياء: 105] ، وبهذا يكون قد ابتعد عن الفهم الصحيح والتفسير الحقيقي، وقد سبقه العلماء في القديم والحديث في بيان ذلك، وهو معلوم من أحاديث رسول الله ، فعندما يريد المسلمون قتالًا هجوميًا ضد أعداء الله ورسوله تختلف فيه النيات والمقاصد إما للرياء والسمعة أو للشجاعة والحمية أو للغنيمة، فعندما سئل رسول الله عن ذلك أجاب بأن الذي يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله، فعن أبي موسى رضي الله عنه أن أعرابيًا أتى النبي فقال: يا رسول الله، الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليُذكر، والرجل يقاتل ليُرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ فقال النبي: (( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ) )رواه البخاري ومسلم وغيرهما.

وأما عن الدفاع عن الأرض والممتلكات وغيرها وهو ما يسمى بالقتال الدفاعي فهذا أمر مشروع وقد سبق ذكر الحديث في أول الخطبة، والأرض تعتبر من المال، فعلى المسلم أن يدافع عن دينه وعرضه وماله ومظلمته سواء كان المعتدي مسلمًا أو كافرًا وسواء كان المعتدى عليه شخصًا واحدًا أو أسرة أو قبيلة أو دولة، فالحكم واحد، عن سعيد بن زيد رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله يقول: (( من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد ) )رواه أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجة، وفي الحديث الآخر كيفية دفع الصائل المعتدي، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله فقال: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أَخْذَ مالي؟ قال: (( فلا تعطه مالك ) )، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: (( قاتله ) )، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: (( فأنت شهيد ) )، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: (( هو في النار ) )رواه مسلم.

وليحذر المسلم من قتل نفسه بأي شيء وتحت أي ظرف من الظروف في الأحوال العادية عندما تضيق عليه الأمور وينزل به البلاء والابتلاء بالمرض أو المصائب والنوازل، أو في حال القتال عند ملاقاة الأعداء كما يفعله بعض من ينتسب للإسلام بالإقدام على الانتحار عند الهجوم على الكفار بحيث تقضي المتفجرات على الشخص نفسه لئلا يظفر به الأعداء ولكي يتخلص من الحياة بإزهاق نفسه بتلك الطريقة التفجيرية، ويسمّون ذلك بالأعمال الفدائية، علمًا بأنها انتحارية وهي إلى الجبن والأعمال الجبانية أقرب منها إلى الفداء، فالإقدام على ذلك العمل الانتحاري حرام لا يجوز فعله، وهو عدوان وظلم على نفس الشخص، وهو استعجال لنار جهنم والعياذ بالله، وإن أفتى المفتون بجواز ذلك، فالنصوص المحكمة من القرآن الكريم ومن صحيح سنة رسول الله واضحة لا لبس فيها ولا غموض، ومعلوم في القواعد الشرعية بأنه لا اجتهاد مع النص، فالواجب على المسلم الصبر والمصابرة في كل الأحوال والظروف، وعند ملاقاة الأعداء الإقبال وعدم الإدبار مع الإخلاص لله رب العالمين والمتابعة لرسول الله. عن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله قام فيهم فذكر أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال، فقام رجل فقال: يا رسول الله، أرأيت إن قُتِلْتُ في سبيل الله تُكفّر عني خطاياي؟ فقال رسول الله: (( نعم، إن قتِلتَ في سبيل الله وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر ) )، ثم قال رسول الله: (( كيف قلت؟ ) )قال: أرأيت إن قُتلت في سبيل الله أتكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله: (( نعم، إن قتلت وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر إلا الديْن فإن جبرائيل قال لي ذلك ) )رواه مسلم وغيره.

فهذا دليل واضح على الإقبال وعدم الإدبار مع الصبر والاحتساب والإخلاص الذي سبق ذكر بعض الأحاديث عنه، ويكون القتل فيه على أيدي الأعداء وليس بيد الشخص نفسه الذي يقدم على الانتحار بحمل الأحزمة الناسفة وشتى أنواع التفجير التي انتشرت في هذا الزمان مع ما في الإقدام على الانتحار من أدلة واضحة لمن رزقه الله الفقه في الدين، قال الله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا [النساء: 29-31] ، وما أجمله من تعقيب إلهي يجب أن يفكر فيه المسلم ويقف عنده بعد النهي عن أشياء في الآيات السابقة عن قتل النفس وبعد هذا النهي أيضًا، فهذا النص القرآني الواضح يبين أنّ اجتناب الكبائر سبب في تكفير السيئات ونصوص أخرى في الكتاب والسنة، منها: قول الله عز وجل: وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اتَّقَى [النجم: 31، 32] ، وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يَجَأُ بِهَا ـ أي: يشقّ ويطعن ـ بطنه يوم القيامة في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن قتل نفسه بِسُمٍّ فَسُمُّهُ في يده يَتَحَسَّاهُ في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو متردٍّ في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا ) )، وقال رسول الله: (( من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة ) )رواه الجماعة، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( الذي يخنق نفسه يخنقها في النار، والذي يطعنها يطعنها في النار ) )رواه البخاري، وعن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رجلًا من أعظم المسلمين غَنَاءً عن المسلمين في غزوة غزاها مع النبي فنظر النبي فقال: (( من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا ) )، فاتبّعه رجل من القوم وهو على تلك الحال من أشد الناس على المشركين حتى جُرح فاستعجل الموت فجعل ذبابة سيفه بين ثدييه حتى خرج من بين كتفيه، وذكر الحديث إلى أن قال: قال رسول الله: (( إن العبد ليعمل عمل أهل النار وإنه من أهل الجنة، ويعمل عمل أهل الجنة وإنه من أهل النار، وإنما الأعمال بالخواتيم ) )، وفي آخر رواية أبي هريرة: (( إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ) ). روى الحديثين البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى، واللفظ هنا للبخاري رحمه الله.

وفي الخطب القادمة إن شاء الله نأتي على مزيد من الإيضاح والبيان حول هذا الأمر الذي التبس على بعض طلبة العلم فضلًا عن عامة المسلمين، خاصة بعد الأحداث الأخيرة التي عَمَّ شَرُّهَا وغَدَتْ حديثَ الناسِ وشُغْلَهُمُ الشَّاغِل في جميع بقاع الأرض.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت